من جبال الشمال الغربي الشاهقة – أين تتفجر أصوات النساء والرجال ببحة فريدة – تنهل فرقة برقو 08من هذا النبع الموسيقي وتحاول تعصير المقطوعات القديمة النادرة عبر إعادة التوزيع ومحاولات المزج مع الموسيقى الإلكترونية في إطار مشروع الجبهة الموسيقية الشعبية، مختبر موسيقي، يعيد خلق التراث الموسيقي بنفس معاصر.

من بروكسال إلى سليانة : العودة إلى الأصول   

نضال اليحياوي المقيم ببروكسال رجع 2007 سنة إلى مسقط رأسه، دير أولاد يحي بسليانة، أين جمع العديد من الأغاني القديمة وإستمع لأداء الشيوخ والعجائز. وقد أشار اليحياوي إلى أنه سعى في تلك الفترة الى جمع أكبر عدد ممكن من القطع الموسيقية والأغاني الشعبية وذلك لإنشاء مشروع موسيقي يكون بمثابة جبهة تعيد للتراث الموسيقي ألقه المفقود. وقد إنضم إلى الفرقة سفيان بن يوسف ( عازف البيانو ) المقيم في بروكسال أيضا، بلحسن ميهوب ( عازف القمبري )، عماد الرزقي، يانيك ديبون  ( درامز )، ماتيو ميرول  ( غيتار باس )، لسعد بوغانمي، مهدي بلحسن ( كمان ) واليابانية تسوباسا هوري ( عازفة البيانو ) لتقتصر الفرقة فيما بعد على 4 أعضاء فقط هم اليحياوي ( غناء )، سفيان بن يوسف ( عازف البيانو )، لسعد بن يونس (قصاب) عماد فلول  (بيانو) والفرنسي بانجمان شافال (درامز ) . اختلاف الجنسيات مكّن من تكثيف المرجعيات الموسيقية وتطوير التجارب الموسيقية التي ستثمر مجموعة من المقطوعات التي نفض عنها الغبار وعادت للواجهة بفضل برقو 08. لقد كانت مدينة سليانة حاضنة لرغبة اليحياوي وزملائه من أجل تقديم الأغاني التراثية بثوب جديد وذلك لإيصالها إلى الأجيال الشابة التي تجهل هذا الثراء الموسيقي القابع في أقاصي جبال الشمال الغربي.

وقد تتالت محاولات البحث والإشتغال على الموروث الموسيقي للمنطقة منذ 2007. وكانت أول حفلة  تقدمها الفرقة في قاعة بن رشيق في 19 ماي 2013 أين قدمت مجموعة من الاغاني التراثية وهو دليل على أن برقو 08 هي مبادرة شبابية لا تهدف إلى تسويق موسيقى تجارية بل إنها إختارت نهج البحث والتدقيق الموسيقي وحسن توظيف الآلات العصرية.  بعد عرض 2013 بقاعة بن رشيق بالعاصمة،  تتالت العروض التي أدت خلالها الفرقة العديد من  المقطوعات التراثية التي لم يسجلوا منها سوى أغنيتين : “لا من يجينا” و”لسمر خويا”.

*لامن يجينا : تداول البدو الرحل بالشمال الغربي هذه الأغنية لتنتشر بعد ذلك في كل مناطق الجمهورية مما أدى إلى الاختلاف في طريقة أدائها. وتجدر الإشارة إلى أن النساء يغنينها في الأعراس دون أي آلات موسيقية إذ يعتمدن على القوة الصوتية بطريقة تلهب الحماس وتجعل المستمع مندمجا مع جو الكلمات. أعادت الفرقة هذه الأغنية إلى الواجهة مع العديد من التغييرات إذ سرعت النسق قليلا مع الاعتناء أكثر بالايقاع الذي يتناول مع ألحان آلة القصبة. كما نلاحظ حضور موسيقى الكترونية محتشمة في الخلفية تتمازج مع إهتزازات أوتار القمبري.

*لسمر خويا : هذه المقطوعة تعتبر من أشهر الأغاني التراثية في منطقة دير أولاد يحي، وقد إعتمدت الفرقة في أدائها على القصبة التي تعتبر آلة محورية ترفع الأداء تارة وتعود إلى الهدوء تارة أخرى فعازف القصبة ( القصاب )  هو الذي يتحكم في نسق الأغنية ليتبعه الإيقاع المنتظم على البندير مع نوتات خفيفة تأتي من هزات أوتار القمبري. وتتوجه كلمات الأغنية إلى الحبيب الذي يصبح الأخ والخال لإبعاد أعين الرقيب نظرا للبيئة المحافظة التي كتب فيها نص  الأغنية والتي تحرم علاقات الحب وتمنعها.  غير أن ذلك لا يمنع وجود جرأة نادرة وصورا شعرية إباحية “وتمتع يا لسمر ما دامك عندي” “باسني خويا من العين السوداء”


بدأت فرقة برقو 08 منذ سنة 2015 الإشتغال على ألبوم “طرق” الذي تم تسجيله ببرقو في أجواء مرحة وطريفة فقد قام اليحياوي وأصدقائه ببناء أستوديو بالتبن. وإذا تمعنا في الإسم فإننا نستنتج أنه إحالة على ذلك النمط الموسيقي الضارب في القدم والذي تتميز به المناطق الجبلية الوعرة بالشمال الغربي من البلاد. إذ يتطلب ذلك نفسا طويلا وخامة صوتية قوية. وقد قامت الفرقة بتنزيل أغنية “ممشوط قمر” من التراث الجزائري التي أداها الشواي إبراهيم – كبداية للألبوم الذي سينزل كاملا في 17 فيفري 2017.

التجديد الموسيقي وإحياء التراث

ساهمت عزلة منطقة برقو في محافظتها على رونقها وتراثها الموسيقي ، فالإعتماد يكون أساسا على القصبة، البندير أو الطبل مع الصوت الجهوري الذي يتميز ببحة فريدة فينطلق مدويا كاسرا حدود الجبال.

وقد راهنت الفرقة أساسا على نجاح عملية المزج بين الموروث الموسيقي الثري للمنطقة والموسيقى والرؤى العصرية وهو ما يحسب لليحياوي وزملائه فقد وفقوا في نفض الغبار عن أغاني تراثية دون تعسف على الجملة الموسيقية وبتوظيف ذكي ومدروس للموسيقى العالمية، فالمستمع يجد نفسه أمام كلمات ومعاني ضاربة في القدم – يؤديها نضال اليحياوي بصوته القوي الذي يختزل كل خصوصيات المناطق الجبلية الوعرة بالشمال الغربي – وإيقاعات الدرامز المنتظمة التي تتمازج بسلاسة مع نوتات البيانو وهزات أوتار القمبري في جو موسيقي خلقته فرقة برقو 08 وتميزت به دون غيرها من الفرق.