تونس ومصر برهنا أن ريح الشرق أزاحت كبرياء الغرب, فلنكن تلاميذ هذه الحركات الثورية و ليس أساتذتها الأغبياءألان باديو

كانت هذه الكلمات الصادرة من مفكر كبير كألان باديو تأكيدا على أن الشرق يخرج بعنف من لحظة ما قبل السياسة ليمارس نقدا “جماهيريا” لحداثة التأخر ونخبتها التي عجزت على تجاوز الاستبداد وتطرح مشروعا جديدا للتغير. لقد أثبتت الثورة التونسية رغم إخفاقاتها أن النضال الجماهيري العفوي كان بالعمق الذي فاق بل وقبر كل مدونة سياسية سابقة ل17 ديسمبر 14 جانفي، بالتالي انفتحت البلاد من جديد على وعي نقدي شديد الإلزام والجذرية في مواجهة تقلبات الراهن. إرادة التغيير التي تحولت إلى دافع أخلاقي للتحرر تعاني في هذه اللحظات من عمر الانتقال الديمقراطي أسوء لحظاتها، إذا أن الفعل المنتفض الذي حمل معه مشروع الحرية بكل مضامينه السياسية والاجتماعية انحرف عن مساره لعدة اعتبارات ذاتية موضوعية ليخيم أخيرا منطق التوافق الهش بين المهيمنين من اجل ترتيب وضع سياسي راهن هو نفسه الوضع السابق.

داخل هذا المنطق المختل أصبح وضع المقاومات ضعيفا بل ومتماهيا في جانب منه مع الواقع السائد. الرصيد الوحيد الهش والمكتسب هو التداول السلمي على السلطة، وهو ذاته أصبح محل تشكيك نظرا لأن قواعد اللعبة أصبحت تصاغ بقوانين أساسها تمثيل ديمقراطي ليبرالي تصنع ذخائره داخل لوبيات المال المحدد الوحيد لكل البنية السياسية الراهنة. آخر المعارك التي نحن نستعد لخوضها كقوى سياسية ديمقراطية داخل هذا المناخ الهشّ هي الانتخابات البلدية، بالتالي لنفكر في الحلول المتاحة.

كانت مصادقة مجلس نواب الشعب على تنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المتعلق بالانتخابات البلدية والاستفتاء البداية الفعلية للمسار الانتخابي بمعناه السياسي. إذ أن المصادقة على القانون الأخير يقول أن الانتخابات لم يبقى على إنجازها حسابيا سوى أشهر قليلة سيكون أقصى تقدير لها شهر نوفمبر القادم في 350 دائرة بلدية ب 7176 نائبا بلديا و التي ستفرز المجالس الجهوية ال24 ونوابها ال1160. هذا القانون تأخر أشهرا بعد اتهام حركة النهضة ونداء تونس بتعطيله لأسباب سياسية والنقاش الدائر حول تشريك قوى الأمن الداخلي والجيش في العملية الانتخابية التي يرى الكثيرون أنها لغم زرع داخل المجال السياسي تونسي والمنذر بتحول حملة السلاح من جهاز إداري محايد إلى لاعب سياسي حقيقي وتشكيك جمعية القضاة في قدرة المحكمة الإدارية على البت في المنازعات التي قد تحصل في العملية الانتخابية.

أن الممارسة السياسية في ميكانيزماتها ورهاناتها وسوسيولوجيا الفعل الانتخابي تختلف تمام الاختلاف عن الممارسة السياسية الديمقراطية الليبرالية في بلدان الرأسمالية المتقدمة. بإلقاء نظرة بسيطة على انتخابات المناطق الفرنسية في 2015 التي يشكّل الاقتصادي والسياسي أساسا لسجالاتها، لاحظنا اختلافات جوهرية في الميكانيزمات السياسية التي على ضوئها تبنى الرؤى الانتخابية وميول الناخبين.

إلى الآن مازالت تصريحات الفاعلين السياسيين ضبابية تحاول تلمس الخارطة بهدوء. هل سيمرون نحو الانتخابات فرادى أو في إطار تحالفات ؟ تصريحات زياد لخضر الذي لم يستبعد المشاركة في الانتخابات ضمن قوائم تضم أحزابا سياسية ومنظمات المجتمع المدني. وكان حافظ قائد السبسي قد أعلن أن حركة نداء تونس أو ما تبقى منها ستخوض الانتخابات البلدية منفردة.

المعركة الانتخابية في البلديات تختلف جوهريا من ناحية تكتيكات المعركة وقوانينها وصياغة تحالفاتها. إذ أن الرئاسية والتشريعية تنطلق من المركزي السياسي نحو المحلي الاجتماعي بحزبية شديدة التكثيف يكون للإعلام ووسائل الدعاية السياسية اليد الطولى في تحجيم مرشح والدعاية لمرشح أخر. في حين أن العلاقات الأفقية شديدة المحلية (التي تسمى الضغوطات غير الاقتصادية) بمعنى روابط الدم وكل العلاقات الوظيفية الأفقية غير السياسية هي التي تكون المعطى الحاسم في الانتخابات البلدية. قد يرد على الرأي بأن الانتخابات التشريعية مثلا خضعت في جانب كبير منها إلى هذه العلاقات. هذا صحيح و لكن السياسي الحزبي ظل دائما هو المحدد و المشكّل لخارطة النفوذ. بالتالي فصناعة “الرأي العام الانتخابي المحلي” إن جاز التعبير يحتاج إلى آليات أخرى في ترتيب القوى الفاعلة فيه. طبيعة القانون الانتخابي في نهاية المطاف تصب ضرورة في مصلحة الأحزاب الكبرى وأساسا حركة النهضة إذ أن القانون الذي يؤكد على المناصفة والتصويت على القوائم المغلقة سيمنح الأغلبية المطلقة من مقاعد المجالس البلدية للأحزاب الكبرى مع منح بقية المقاعد للأحزاب المحرزة على ثلاثة بالمائة حسب قانون النسبية. هذا سيجعل آليا الأحزاب الكبرى تهيمن على التمثيل البلدي شديد الحساسية وهو ما يعتبر خرقا جديدا للتوازن السياسي في البلاد المنخور أصلا بهيمنة التوافقات وحمى الانشقاقات. يجب أن نقول بوضوح أن سيطرة الأحزاب الكبرى ومنها حركة النهضة على البلدية مؤذن بهيمنة متغولة على المشهد السياسي المنهك وستكون استتباعاته السياسية أقصى مما يمكن أن يتحمله المشهد السياسي الهزيل.

عبر الاكتفاء بالملاحظة العيانية فقط للقوى السياسية الموجودة في الساحة التونسية سنجزم أن أيا من الأحزاب الديمقراطية بما فيها الجبهة الشعبية قادر على تغطية ديمغرافيا الدوائر الانتخابية منفردة. ثانيا، لا تمتلك أي قوة سياسية ديمقراطية منفردة القدرات الجماهيرية لمواجهة انتخابية مع حركة النهضة فما بالك لو فرض التوافق السياسي بين حركة النهضة ونداء في الحكم توافقا انتخابيا توظف فيه حركة النهضة وزنها الشعبي الكبير وماكينة النظام القديم لحركة نداء تونس المتمثلة في هياكل التجمع المحلية والجهوية التي وإن تم حلها قانونيا مازالت تعبر عن تحشيد اجتماعي مصلحي في المحليات كوّنته سنوات طويلة من المحسوبية والترابية الاقتصادية والاجتماعية.

الخيار السياسي الوحيد أمام معركة تصاغ قوانينها على قاعدة المال ولوبيات الإعلام المتخندقة هو في ائتلاف انتخابي ديمقراطي يتأسس على قاعدة نقاط سياسية واجتماعية محددة قد يمثل الحل الوحيد الممكن لخلق توازن سياسي في مواجهة هيمنة حركة النهضة. المعركة على الأبواب والمهام السياسية الملحة مائعة تحت ضغط اليومي. لذا وجب فتح نقاش من الآن من اجل أرضية ديمقراطية مشتركة قادرة على خلق جبهة انتخابية موحدة في الانتخابات البلدية.