عندما اتهم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وجوقته من الإعلاميين والسياسيين، المتظاهرين السلميين بأنهم عصابات إجرامية وأطراف مأجورة إبان المظاهرات العارمة التي خرجت قبل 14 جانفي 2011، رفض قياديون من حركة النهضة الذين كانوا في المنفى هذه الاتهامات، كما دعوا المتظاهرين إلى استكمال احتجاجاتهم وعدم الالتفات إلى الوراء.

لكن وبعد أكثر من 6 سنوات من هروب بن علي ونزول ”سيدي الشيخ“ على إيقاع ”طلع البدر علينا“ في مطار تونس قرطاج الدولي، وإطلاله علينا بطلعته ”البهيّة“، تغيّر الأمر، حيث أصبح حاملو لواء الثورية والديمقراطية أوّل الداعمين لقمع الاحتجاجات السلمية وتشويه المحتجّين ونعتهم بأقبح النعوت ووصفهم بأوصاف لا تليق بالمجرمين وقطّاع الطرق.

قياديو حركة النهضة على غرار عماد الحمامي وعلي العريض ومن ورائهم ”الدينامو“ راشد الغنوشي، أكدوا للتونسيين أنهم لا يختلفون كثيرا عن بن علي، بل ربما فاقوه كذبا، ففي كل مناسبة تستوجب منهم التحلّي بالرصانة والدهاء السياسي، تثبت جوقة ”سيدي الشيخ“ العكس، وتطالع الرأي العام بتصريحات غير بريئة.

لن نستعرض كثيرا تصريحات قياديي النهضة لأنها غير قابلة للحصر، لكن يكفينا ما تفوّه به وزير التشغيل عماد الحمامي تعليقا على الأحداث الأليمة في ولاية تطاوين، والتي أوقعت قتيلا وعددا من الجرحى، حيث اتهم الحمامي المتظاهرين بتلقي رشاوي من جهات بعينها بهدف إشعال تطاوين.

الحمامي أضاف خلال استضافته في برنامج ”ميدي شو“ صباح الإثنين، أن الاحتجاجات في ”الكامور“ لم تكن سلمية منذ مدة وبداية من 22 أفريل الفارط، وأن الحكومة كانت نجامل المحتجين ونصف تحركاتهم بالسلمية، قبل أن يفجّر مفاجئة من العيار الثقيل بزعمه أن الشاب الذي توفي في تطاوين ”دهسه زملاؤه أثناء توجّههم لحرق منطقة الأمن“ في رواية كشفت معدن قيادات النهضة ونهلهم من معين واحد.

يبدو أن الوزير الحمامي تناسى دور هؤلاء المتظاهرين قبل 14 جانفي في إيصاله ومن على شاكلته إلى الحكم، فهؤلاء المشبوهين الذين خرجوا إلى الشوارع احتجاجا على قمع اعتصامهم السلمي، ملئوا في وقت من الأوقات الميادين العامّة للمطالبة برحيل بن علي الذي وصفهم وغيرهم بنفس الأوصاف.

التاريخ لن يرحم أحدا خان وباع قضايا التونسي العادلة لأجل مصالحه الشخصية والحزبية الضيقة، فحركة النهضة التي كانت إحدى ضحايا المنظومة الأمنية السابقة، أصبحت اليوم الداعم الأساسي لكل قمع يتعرّض له المتظاهرون بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، فهم لم يرقبوا في صاحب قضية عادلة إلا ولا ذمة، فقمعوا أهالي سليانة وجندوبة وغيرهم بالرش، والآن يقمعون أهالي تطاوين بتصريحاتهم المحرّضة وغير المسؤولة.

سجّل يا تاريخ، هاهم ضحايا جلّادي الأمس قد ظهروا على حقيقتهم وانكشف زيف دعاواهم، وبان بالكاشف أنهم جزء من المشكل وليسوا جزءا من الحل، فهم ليسوا أكثر من طلّاب سلطة. لو علم بن علي ذلك لفتح لهم قصر الحكومة بالقصبة على مصراعيه ولعيّن ”الشيخ التكتاك“ رئيسا للحكومة، وعماد الحمّامي وزيرا للداخلية نظرا لإمكانياته الكبيرة في المغالطة وقلب الحقائق.