11 فيفري 2003، كان الوقت ليلا، أُغلِق الباب الرئيسي للجزيرة أمام الغرباء ولم يسمح لنا بالدخول. كنت هناك في الدوحة في إطار دراسة أكاديمية1 لإجراء مقابلات مع صحافيي ومدراء أول قناة عربية اخبارية يذيع صيتها في العالم وكانت معي الصحفية باولا تشرزتي مبعوثة التلفزة العمومية السويسرية لتغطية استعدادات قطر لحرب جديدة بدأ عدها التنازلي يدق. بقينا ننتظر وفجأة حلت سيارات رباعية الدفع نزل منها تيسير علوني مراسل القناة في أفغانستان – الذي كان نجى حديثا من قصف مكتبها في كابول – ومحمد جاسم العلي مديرها آنذاك. دخل الرجلان مقر القناة وعلمنا بعدها أنهما قدما للتثبت من تسجيل صوتي لبن لادن وصل الجزيرة، ليتم بثه بعد سويعات رغم اعتراضات الإدارة الأمريكية عليه. التسجيل دحض أحد الحجج التي روجت وقتها لضرب العراق اذ نفى فيه بن لادن علاقة تنظيمه بنظام صدام حسين.

بعد بضعة اسابيع شنت إدارة بوش ما وصفته بالـ”حرب الاستباقية” على العراق، وما تجرأت وقتها الجزيرة على تسميتها “بالحرب على العراق” في تمايز مع منافستها “العربية” التي اكتفت باعتبارها “حرب الخليج الثالثة”. ثم راحت الجزيرة تحبك سردية عن الحرب أسمت فاعلها الرئيس “قوات احتلال”، ووضعت سياقها ضمن ثنائية “الغزو” و”المقاومة”. كل ذلك والحال ان منطقة السيلية التي تبتعد بعض كلومترات عن الجزيرة كانت تحتضن بيت عمليات هذه الحرب. شكلت هذه المحطة لكل مراقب للجزيرة أحد أبرز تجليات ازدواجية قطر والتباس دور القناة التي تمولها وتحتضنها. حيث سمحت للجزيرة بالظهور كأول منتج عربي عابر للحدود لسردية منافسة حول عدوان عسكري ضد بلد عربي هو الأكثر كلفة في تاريخ الإدارة الأمريكية من حيث حملة التسويق له. لا بل بدت هذه السردية مقوضه لاحتكار الصورة والصوت الذي مارسه لعقود الاعلام الغربي والأمريكي في حروبه الاستعمارية السابقة. نجحت الجزيرة لا شك انطلاقا من أواخر 1990 في كسب شرعية واشعاع لا سابق لوسيلة إعلامية به في المنطقة، فملأت فراغا تركه الاعلام الرسمي المدجن بشكل تجاوز حتى توقعات قطر نفسها، وخلق بعضا من هامش المبادرة لبعض من الصحافيين العاملين فيها. اشعاعها هذا يعود إلى تبنيها خط تحريري غير خاضع لقيود ومحظورات الاعلام العربي الممول من السعودية وحلفائها الخليجيين، قوامه نقد استبداد الأنظمة العربية وعلى رأسها نظام ال سعود.هذا بالإضافة إلى القطع مع تجريم التيارات المعارضة وفي مقدمتها الإسلام السياسي واعتباره لاعب مركزي في المنطقة، وإعطاء مساحة تعبير وظهور للرفض الشعبي للسياسات العدوانية والتوسعية الأمريكية في المنطقة العربية.

التمايز الذي طبع ماهية وأداء الجزيرة منذ نشأتها في 1996 كنت أرجعته في عملي الدراسي الى تلاقي عوامل ثلاث مترابطة فيما بينها، حكمتها توازنات غير مستقرة. العامل الأول إقليمي ويحيل الى الاهتراء الذي عرفه النظام العربي الرسمي في أعقاب حرب 1991 على العراق والذي مثلت السعودية منذ هزيمة 1967 دعامته، وقد كانت أبرز علامته التوتر الذي ساد العلاقات الأمريكية السعودية مع صعود التيارات الجهادية في شبه الجزيرة العربية والخطر الذي أصبحت تمثله على الوجود العسكري الأمريكي مما فتح المجال لظهور لاعبين من خارج العباءة السعودية ينافسونها على دورها. العامل الثاني داخلي يعود الى تبني النخبة الحاكمة الجديدة في قطر في أعقاب إطاحة حمد بن خليفة ال الثاني بابيه لمقاربة جديدة تستند الى تنويع موارد شرعيتها لضمان شروط استقرارها عبر بناء توافقات وتحالفات مع لاعبين اقليميين من خارج البيت السعودي، واتباع سياسة خارجية ديناميكية تجاري وتستثمر العداء الشعبي للسياسات الأمريكية في المنطقة. العامل الثالث والذي كثيرا ما يتم السهو عنه هو سعي النواة المؤسسة للجزيرة من صحفيين، كانت جمعتهم تجربة البي بي بسي الإخبارية العربية في لندن بتمويل في جزء منه سعودي، والتي لم تعمر لبثها برنامج لم يرق، الانخراط في مشروع جديد متحرر من الوصاية السعودية. هذه المجموعة التي كانت تضم إسلاميين وقوميين ولبراليين كانت حاملة لمشروع يريد التأسيس لتجربة اعلامية رائدة قوامها الراي والراي الاخر. تظافر هذه العوامل افرز الجزيرة وكان ثمن ذلك سكوتها عن القضايا القطرية الداخلية. ثروات قطر البترولية وخصوصا الغازية وانخفاض نسبة السكان الحاملين للجنسية القطرية فيها سمح لها بخوض المغامرة دون خوف من عواقبها السياسية والاجتماعية الداخلية.

مرت الآن أكثر من عشر سنوات انقطع فيها اهتمامي الأكاديمي بهذه القناة. خلال هذه الفترة عرفت المنطقة نزاعات وتحولات لم تكن مرتقبة. تواصلت ضغوطات وحملات الأنظمة الاستبدادية العربية عليها، اتهمت في محطات عدة بالترويج للجهادية، تدخلت قطر في أحيان أخرى لمراجعة سقف محظوراتها. ثم بدأ يخفو بريقها حين تصالحت قطر مع السعودية وأقصت من شاشتها معارضي آل سعود، غادرها بعض من أهم صحافييها والتحق آخرون فاختل التوازن بين مكوناتها الأولى. لم يمنع كل ذلك الجزيرة من أن تلعب دورا هاما في مساندة الحراك الثوري في المنطقة منذ انطلاقته من تونس. لكن تداركها الالتباس فسكتت عن الثورة في البحرين واصطفت بدون تحفظ وراء الاخوان ومرسي في مصر. وهجرها كثير من الشباب وجد في الشبكات الاجتماعية فضاء أكثر حرية. وذلك مع بروز فاعلين اعلاميين وطنيين في سياق الثورات العربية استمالوا جزئاً هاماً من الجمهور الذي لم يكن يجد ضالته في غير الجزيرة.

في غمرة الأزمة الخليجية الحالية وعلى وقع ارتفاع الضغوطات السعودية-الامارتية والإسرائيلية على قطر لغلق القناة تعالت أصوات من هنا وهناك في تونس لتطعن في القناة في حين سكتت اخرى. بعضها صدى لحرس قديم لم يغفر للقناة دورها في تعرية نظام بن علي. بعضها الآخر ذو خلفيات استئصالية لم يرى في الجزيرة يوما غير قناة تطبيع وترويج للإسلام السياسي. لكن بعضها الآخر مازال يحلم ببديل اعلامي مستقل عن كل الأنظمة العربية وأجنداتها. وبقطع النظر عما ستسفر عنه الازمة ستبقى الجزيرة تلك القناة التي أحدثت شرخا في الفضاء الإعلامي العربي وسيبقى لبعض مكاتبها الى اليوم الفضل في كسر هيمنة الاعلام المعادي للانتفاضات العربية.

هوامش

  1. Olfa Lamloum, Al-Jazira, miroir rebelle et ambigu du monde arabe, Paris, La Découverte 2004
    ترجم الى السويدية واليابانية والاسبانية