عديد العوائق تحول دون صقل دور الشباب في تكريس التحول الديمقراطي، وبمعنى أدق منعهم من المشاركة الإيجابية والفعالة بهدف تطبيق سياسة تعيد هندسة المجتمع القائمة على الهدم والتدمير بدل ثقافة البناء والتنمية. و يبرز هذا جليا في عدد نواب البرلمان الذي يقل سنهم عن 30 سنة، الذي لا يتجاوز 7 نواب فقط من جملة 217 مقعد وبالتالي فإنه رغم القوانين والتشريعات التي تعزز مشاركة الشباب في الحياة السياسية والتي تؤكد أن الشباب قوة فاعلة في المجتمع كما نص عليه الفصل 8 من الدستور إلا أن هذا يبقى مجرد حبر على ورق ، حيث أن الشباب في تونس يمثل ورقة سياسية يقع استغلالها والمزايدة بها في البرامج التلفزية – موسميا – خلال الحملات الانتخابية لكسب تأييدهم كما حصل في 2011 و 2014 حين اقتصر دورهم على التصفيق و المشاركة في المسيرات وتنظيم الكراسي في قاعات الاجتماعات و التهليل بالأعلام ثم التقاط الصور مع ما يسمى ب ” قيادات الحزب ” … ولكن الأجدر بالسؤال هنا ، كم من شاب يتقلد منصبا في المكتب التنفيذي أو المركزي لحزبه من جملة 205 حزب سياسي اليوم؟

أعتقد أو ربما أجزم أن عددهم لا يتجاوز أصابع اليد وفي حالات شاذة جدا، فمنذ 1956 انطلاقا من فترة طاهر بن عمار وصولا إلى يوسف الشاهد ، تعاقب 16 رئيس حكومة ووزير أول ومر مئات كتاب الدولة والوزراء ولكن لم نشهد على الساحة السياسية بعد الثورة سوى 4 لا غير ممن تقلدوا موقعا لأخذ القرار نذكرهم على التوالي : سليم عمامو كاتب الدولة للشباب، ربيعة نجلاوي مستشارة رئيس الجمهورية ، سيدة الونيسي كاتب الدولة للتشغيل و فاتن قلال كاتب دولة للشباب.

وفي إطار الاستحقاق الانتخابي القادم، فإن سبر الٱراء الذي أجرته منظمة أنا يقظ كشف أن 69% من الشباب التونسي أعربوا عن عدم ثقتهم بالأحزاب السياسية، و60 % من الشباب أكدوا عدم نيتهم المشاركة في الانتخابات البلدية المقبلة. ولعل أهم أسباب هذا العزوف هي عبارة “مازلت صغير”، فالنخبة السياسية في تونس لازالت ترى أن الشباب غير قادر على تولي مناصب قيادية وتحصر دوره في تنسيقية شبابية. من وجهة نظري فإن مهام الشباب تتعدى العمل الاحتجاجي والدعائي والتسويقي لأن الشباب اليوم يفكر ويبادر ويقترح وقد نجح عديد الشباب في اثبات ذواتهم في عديد الدول وأبرز مثال على ذلك إيمانويل ماكرون الذي تدرج بخطى ثابتة من العمل السياسي إلى الوزارة إلى قصر الإيليزي في عمر لا يتجاوز 39 سنة.

واستنادا الى المعطيات الحالية، نجد أنفسنا في مواجهة إشكالين أساسيين، ألا وهما: تدني مستوى الثقة في القيادات الحزبية، إلى جانب تواصل تغييب الشباب وإقصاءه من القيادة الفعلية، وما يكشف عنه من مفارقة عجيبة تتمثل في تصريحات الأحزاب علنا عن رغبتها في ضم الشباب إلى صفوفها، في حين أنها لا تقدم خطابا فكريا مؤثرا يرقى الى مستوى تطلعاتهم أو تكوينا متواصلا ولا تخصص لهم مهام قيادية وهو ما ينم صراحة على أن كل نداءاتهم ليست الا لغو وشعارات جوفاء خالية من التفعيل. بل إن هذه الاحزاب تسعى فقط الى رفع عدد منخرطيها رغم أن قانون الاحزاب ينص على تأطير المواطنين وتوعيتهم بالثقافة السياسية وقيم المواطنة الفعلية. ومن جهة أخرى، فإني أعتقد أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لم تتمكن بعد من كيفية الاقناع بالتسجيل أو التصويت وثنيهم عن حالة العزوف حيث أن الحملات التحسيسية ضعيفة وغير جدية ولا ترقى الى المستوى المطلوب واللائق بهيبة الحدث.

كان على الهيئة أن تدرس بكيفية جيدة التأثير الإيجابي، وتدعو الشباب بصفة خاصة إلى المشاركة وممارسة حقهم وواجبهم في هذا الاستحقاق الانتخابي. حيث أنه وفق المعهد الوطني للاحصاء معدل الذين يبلغون 18 سنة سنويا هو 150 ألف شخص وقد بلغت نسبتهم من 2014 إلى حدود ديسمبر 2017 حوالي 500 ألف شخص، وهذا ليس بالرقم الهين لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا كلهم من ناشطي المجتمع المدني الذي يشارك في الدورات التكوينية أو شباب الجامعات الذين يمتلكون الحد الادنى من الوعي والثقافة مقارنة بالشباب المهمش الموجود بالمقاهي والمعطل عن العمل والذين لم تسعفهم الظروف. هؤلاء من يجب على الهيئة تشجيعهم و إقناعهم بإمكانية تغيير المستقبل وجعله أفضل. هؤلاء الذين لم تبلغهم عدسات الكاميرا، ولكن وصل إليهم تجار الدين ونجحوا في دمغجة الكثير منهم، مستغلين حالاتهم الاجتماعية وغياب شبه كلي للدولة، هؤلاء الذين فقدوا كل بصيص أمل وانعدام الثقة بالساسة، كيف يمكن إقناعهم بأن تونس ستكون أفضل ويكون لهم فيها مكانة و دور في المجتمع؟

فلنتفق أولا أنه مما لا شك فيه التأثير الكبير لمغني الراب على الشباب التونسي، إذ يعتبرونهم الأقرب اليهم في نقل معاناتهم ومشاكلهم وهو ما جعل الراب يحقق ملايين المشاهدات على يوتيوب حتى تجاوز بعضهم 20 مليون مشاهدة وهو رقم لم يبلغه أي خطاب وزير أو حتى رئيس جمهورية منذ الثورة الى حد الساعة. وبالتالي فان فكرة “خاطب القوم بما يفقهون” تتمحور حول تعاون الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مع مجموعة من فناني الراب بهدف تشجيع الشباب على التصويت بنفس خطابهم أمثال  بلطي ، كلاي. وهو ما سيلقَى حسب اعتقادي تفاعلا جماهيريا من الشباب خاصة وأن أغلب فناني الراب في جولة بالمهرجانات الصيفية…وأمام التطور التكنولوجي لوسائل التأثير صوتا و صورة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك ويوتيوب سيساهم بنسبة كبيرة جدا في ارتفاع نسبة التسجيل والتصويت ولما لا الترشح للانتخابات وبالتالي يكون تفعيلا حقيقيا لمبدأ تشريك الشباب في الحياة السياسية و ترسيخ مقتضيات الديمقراطية بشتى مفاهيمها.