تصوير فتحي بلعيد

بقلم شمس الدين النقاز،

التحوير الوزاري الذي طال أكثر من اللازم أكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ الأزمة السياسية التي تعيشها تونس مردّها أساسا تعنّت أحزابها وتغليبهم المصلحة الخاصة على المصلحة العامّة، فبينما انكبّ رئيس الحكومة على إعداد قائمة وزرائه الجدد بما يتناسب مع طبيعة المرحلة ومقياسه في ذلك الكفاءات مثلما صرّح في أكثر من مناسبة، اختار المدير التنفيذي لحركة نداء تونس حافظ قائد السبسي فتح جبهة جديدة للضغط على الشاهد ومهاجمة النهضة.

ضغوطات حافظ قائد السبسي أتت أُكلها مقابل فشل “تكتيكات” راشد الغنوشي “العدوّ اللدود” للشاهد، فقد نجح نجل الرئيس في فرض إملاءاته وتعيين المقرّبين منه في الحكومة الحاليّة على غرار وزير المالية رضا شلغوم ووزير الداخلية لطفي براهم ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي. بينما فشل “الشيخ” في التشبّث بمطلبه في أن يكون التحوير جزئيّا وأن لا يتمّ المساس بوزير الداخلية الهادي مجدوب، رغم نجاحه النسبي في المحافظة على وجود “أبناء الحركة” في الحكومة الجديدة.

مطالبة النهضة بعدم المساس بالهادي مجدوب كانت مُقامرة خاسرة، فمن جهة يُعرف عن الأخير أنه وزير بلا صلاحيات كاملة نظرا لحجم الضغوطات المسلّطة عليه والمغالطات التي يتعرّض لها داخل الوزارة من أقرب المقرّبين منه، لكن يحسب له أن الوضع الأمني شهد تحسّنا خلال فترة إدارته، ومن جهة أخرى تسبّب موقف النهضة المتصلّب بإحراج “مجدوب” وإلصاقه بها رغم أنه أبعد ما يكون عنها.
خلال فترة إدارته للداخلية، عرفت البلاد عودة لِتغوّل الأجهزة الأمنية وانتهاكات طالت العديد من الناشطين بسبب تدوينات ناقدة للوضع العام. إضافة إلى اغتيال راح ضحيّته مواطن تونسي أمام منزله نفّذه الموساد الإسرائيلي في وضح النهار ولا تزال تفاصيله غامضة إلى حد اللحظة، نتيجة تكتّم الجهات الرسمية بدعوى سريّة الأبحاث والتحقيق. كل هذا وأكثر كفيل بإقالة الهادي مجدوب لكن شرط تعويضه بمن هو أفضل منه.

عزل الهادي مجدوب لم يكن سهلا مثلما يتصوّر البعض، فنداء تونس وفق ما أكّدت لنا مصادرنا أصدر أمرا لوسائل الإعلام المقرّبة منه والمعروفة بعدائها لحركة النهضة، بتشغيل الماكينة الإعلامية للحطّ من مكانة الهادي مجدوب واتهامه بأنه رجل النهضة مقابل النفخ في صورة آمر الحرس الوطني لطفي براهم بطريقة أو بأخرى، وهو ما أحرج الحركة ودَفَعها لمراجعة قرارها.

على صعيد آخر، استغلّت الدائرة المحيطة برئيس الحكومة يوسف الشاهد وهي نفسها المقرّبة من حزب نداء تونس وسائل الإعلام لتسريب معلومات عن بعض الأسماء المقترحة في هذا التحوير كانت قد تحمّلت سابقا مسؤوليات صلب التجمع الدستوري الديمقراطي. وذلك بهدف جسّ نبض الرأي العام هل سيقبل بعودة منظومة بن علي للحكم أم لا.

بعد كل هذا الصراع السلمي، نجح نداء تونس فيما فشلت فيه النهضة، فعيّن رجاله غصبا عن “الشاهد” العاجز عن اتخاذ القرار المناسب بدون دعم السبسي الأب ونجله. في المقابل أحدث التحوير الوزاري رجّة داخل حركة النهضة المنقسمة أساسا إلى نصفين غير متساويين: نصف يمثّل الأغلبية موافق على التصويت للحكومة الجديدة، ونصف آخر رافض لـ”تغوّل” النداء ومُرتبك من تعيين لطفي براهم لسيرته المُثيرة للجدل خاصة فيما يتعلّق بتعامله مع ملفّ الإرهاب في تونس.

الوزراء الجدد رضا شلغوم وسليم شاكر وحاتم بن سالم هم الآخرون ليسوا أفضل حالا من أسلافهم، ولا نخال أنهم الرجال المناسبين في الأمكنة المناسبة، فالزمن ليس زمن رجال بن علي حتّى وإن صاح البعض صباحا مساء منظومة بن علي هي الحل وليست المشكل. لأن الوضع الراهن مختلف كلّيّا عمّا قبل 14 جانفي 2011.

استقراءً للوضع العام بالبلاد، من المرجّح أن حكومة الشاهد الثانية ستكون مكبّلة وعاجزة عن إيجاد الحلول الناجعة لإخراج البلاد من مآزقها الواحد تلو الآخر. العجز بلغ أرقاما غير مسبوقة، الدينار يُستنزف والوضع الأمني غير مطمئن، والتكتلات الحزبية زادت المشهد السياسي قتامة حتى إنّنا أصبحنا نتحدّث عن تأجيل وشيك للانتخابات البلديّة المقبلة بدعوى عدم استكمال التحضيرات اللازمة.
عَلى يوسف الشاهد وحكومته أن يَحذروا من الألغام المزروعة في كلّ مكان والتي كان هو نفسه أحد زارعيها في وقت سابق. فالبلاد اليوم لا تتحمّل أي صراع سياسي أو إيديولوجي جديد مثلما تريد ذلك بعض الأطراف على غرار رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي. كما أن الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة لن يكتب لها النجاح مادام “الشاهد” و”الغنوشي” يقومان بحملاتهم الانتخابية المبكّرة على مصلحة البلاد الغارقة في المديونية والمحسوبية والفساد بأنواعه.