Crédit : Ahmed Meslameni

السينوغرافيا هي العمود الفقري للنصّ المسرحيّ وسنده الذي بفضله يمكن تجسيد المكان الواقعيّ، مكان حدوث القصّة، وقد نجح الفاضل الجعايبي في إعادة تشكيل الركح بديكور يخدم حكايته بتشعّباتها وأطوارها المتباينة، وبإضاءة متجانسة مع الحالات الانفعالية للممثّلين التسعة، وهم فاطمة سعيدان ونعمان حمدة ورمزي عزيّز ولبنى مليكة وأيمن الماجري ونسرين المولهي وأحمد طه حمروني ومعين مومني ومروى المناعي. ليس من السهل على أيّ مخرج أن يحوّل النصّ المكتوب إلى نصّ مرئيّ تكتمل فيه جميع العناصر التي بها يمكن تجسيد الواقع إلى أبعد حدّ ممكن على خشبة المسرح، وهذا ما عمل عليه الجعايبي دون أن يعوّل على خيال المتفرّج، فسينوغرافيا ”خوف“ تُحيل بشكل واضح إلى مكان مهجور، مُستشفى مُظلم لا تصله أشعّة الشمس، أسرّة متآكلة وجدران سوداء تعبّر عن الرهبة والفزع والشعور الدائم باللاجدوى والإحباط الذي رافق الممثّلّين في مختلف أطوار المسرحيّة وبالتحديد منذ هبوب العاصفة الهوجاء.

دلالة العاصفة

استعار الفاضل الجعايبي دلالة العاصفة لبناء نسق رمزيّ تنصهر داخله مشاعر الخوف والرعب التي تدفع الشخصيّات -وهم أفراد فرقة كشّافة- إلى البحث عن النجاة حين تُسدّ جميع منافذ المستشفى بالرمل، كما تدفعهم إلى التناحر من أجل البقاء. وكأنّ بهذه العاصفة التي يمكن أن ترمز إلى الثورة كما ذهب إلى ذلك البعض، تُعرّي عبثيّة الواقع وتضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع مخاوفهم، محاولين إشباع حاجتهم الملحّة إلى الأمن لكنّهم فشلوا في ذلك ليكتشفوا بعدها أنهم مجرّد دمى تُحرّكهم أياد خفيّة. فرج (أيمن الماجري) هو اليد الخفيّة التي تعبث بأقدار الشخصيات وتتحكم في مصائرهم، هو آلهة القدر، مناة عند العرب أو أنانكا عند الإغريق لا يهمّ، هو الشيطان الخفيّ، هو أيضا حكومة الظلّ، ويمكن أن نذهب بالتأويل إلى أبعد من ذلك لنقول أنه المؤامرة الخارجيّة التي تُحاك ضدّ الوطن وفي ”خوف“ ضدّ الشخصيات الذّين خرقوا قوانين منظمتهم وتخلّوا عن قيم العمل الكشفيّ. ويُلخّص مشهد البداية، حين هبّت العاصفة الرمليّة ودفعت الممثّلين إلى اتجاه معاكس لوجهتهم الأصليّة، معنى التوهان والضياع في دوّامة لا نهاية لها.