لم يكن أمام نوّاب المجلس التّأسيسي الذين قاموا بصياغة الدّستور خيار آخر سوى التخلّي عن النّظام الرّئاسي. هذا النّظام الذي ارتبط في ذهن التونسيّين باستبداد بورقيبة وخاصّة بن علي. فسارعوا إلى تبنّي نظام شبه برلمانيّ بنكهة تونسيّة يتبوّأ فيه مجلس نوّاب الشعب مكانا هامّا في نظام الحكم، إذ له صلاحيّات سنّ القوانين ومنح الثّقة للحكومة وسحبها منها ومراقبة عمل أعضائها. وقد تركّزت السّلطة التنفيذيّة بين يدي رئيس الحكومة الذي أصبح الرّجل الأوّل -على الأقلّ نظريّا- في هرم السّلطة. أمّا رئيس الجمهوريّة فلم يحصل إلاّ على الفتات، فصلاحياته محدودة ولا تتجاوز مجال الدّفاع والشؤون الخارجيّة وتعيين بعض كبار المسؤولين مثل مفتي الجمهوريّة. فبعد أن كان مركز السّلطة في الدّولة والحاكم الآمر النّاهي أصبحت الرّئاسة مجرّد منصب صوريّ لا يمنح صاحبه سوى المقام.

النّتيجة نراها اليوم، نظام سياسيّ مشوّه جعل جلّ التونسيّين في حيرة من أمرهم. الكلّ يتساءل من يحكم البلاد حقّا؟. رئيس الحكومة لا يملك الشرعية التّي تمكّنه من فرض إرادته. في هذا السياق يقول الرئيس الفرنسي السّابق ساركوزي: “من الطّبيعي أن يملي من تمّ انتخابه أوامره على من تمّ تعيينه.”، فرئيس الحكومة مجرّد شخص تعيّنه الأحزاب وتسيّره كما يحلو لها ويمكن لها أن تتخلّى عنه ببساطة ولعلّ أبرز مثال على ذلك رئيس الحكومة السّابق الحبيب الصّيد الذي تمّت إهانته. رئيس الجمهوريّة من ناحيته لا يستطيع المجاهرة بتدخلّه في صلاحيّات الرّأس الآخر للسلطة التنفيذيّة خشية أن يُتّهم بخرق الدّستور.

لعلّ الوصف الأكثر نجاعة لهذا النّظام السّياسي هو “نظام الأحزاب”، فالمتأمل في السّاحة اليوم يرى أنّ هذه الأحزاب تمسك بزمام الأمور وتتصدّر عمليّة أخذ القرار. فهي تفرض إملاءاتها جهرا حينا وسرّا أحيانا، وتهدّد من يخرج عن بيت الطّاعة خاصّة وأنّها تتحكّم في مجلس النّواب صاحب السّلطة الأمّ في هذا النّظام الهجين. ومن المؤسف أن تكون أجندات الأحزاب مجرّد أطماع فرديّة ورغبة في التغلغل في مؤسّسات الدّولة والسّيطرة عليها.

تصريحات السّبسي فيها شيء من الحقيقة، فدستور سنة 2014 قام بتكبيل عمل السّلطة التنفيذيّة عندما تمّ تطبيقه على أرض الواقع. هذا التذمّر يمكن أن يُفهم لو صدر عن رئيس لا يشاركه حزبه الحكم في بقيّة المواقع. إلا أنّ السّبسي يسانده حزبه الذي تصدّر نتائج الانتخابات وترأّس مجلس نوّاب الشعب إضافة إلى شريكته في التّوافق حركة النّهضة، ويشاركه ممارسة السّلطة التنفيذيّة برئيس حكومة “ندائيّ” عيّنه وساهم في صعوده. لا يحقّ إذن لرئيس يتحكّم في السّلطات الثلاثة أن يبدي تذمّره من نظام الحكم خاصّة وأنّ الكلّ يؤكد أنّ القرارات الهامّة تُطبخ في قصر قرطاج. الحاكم الفعليّ لتونس حاليّا هو الرّئيس، فهو يأمر وينهى من وراء الكواليس ولا يتمّ شيء دون موافقته ورضاه.

التجربة الديمقراطيّة في خطر؟

عديد الدّول الديمقراطيّة تتبنّى النظام الرّئاسي الذي يستأثر فيه الرّئيس بالسّلطة التنفيذيّة أوالرّئاسوي المتكوّن من رأسين للسلطة التنفيذيّة مع تمتّع الرّئيس بأهمّ الصلاحيّات. الإشكال لا يكمن إذن في هذه الأنظمة وإنما في خطورة تركّز السّلطة بين يدي شخص واحد في ديمقراطيّة ناشئة لم تركّز بعد أعمدتها. أثبتت تجارب الدّول الأخرى التي عرفت ثورات أثناء الربيع العربيّ أنّ العودة إلى الوراء واردة. لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ المسار الديمقراطي التّونسي في خطر خاصّة في هذا الإطار الإقليمي والجيوسياسي. فالكلّ يعلم أنّ بقيّة الثورات تمّ إجهاضها وأنّ النّجاح التّونسي يشكّل خطرا على استقرار الأنظمة الاستبداديّة المجاورة التي تخشى انتفاضة شعوبها. فكانت تونس إذن هدفا لهذه الأنظمة لتشويه التّجربة ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما شاهدناه على شاشات التلفزيون المصريّ من هجوم غير مسبوق.

أمام كلّ هذه المعطيات، فإن تركيز السّلطات بين يدي شخص واحد لن يزيد الأمر إلاّ سوءا. العديد من الوجوه البارزة على السّاحة تشدّد على ضرورة إبقاء النّظام كما هو عليه خوفا من انزلاق البلاد نحو مربّع الاستبداد. فتوسيع صلاحيّات رئيس الجمهوريّة يعتبر مُجازفة قد تكون نتائجها وخيمة على مسار ديمقراطيّ يعتبر الجانب المشرق الوحيد للثورة، فلم يبق للتونسيّ سوى حريّته ليفتخر بها بعد أن سجّل الوضع الاقتصادي والاجتماعي تراجعا في السّنوات الأخيرة.

لا شكّ أنّ للنّظام الحاليّ عيوبه. لكنّه يحدّد لكلّ طرف في الحكم ما له وما عليه في إطار الديمقراطيّة التشاركيّة التي تستوجب مشاركة الجميع في بلورة القرارات. الاستفراد بالرأي في هذا السّياق الذي تعيشه بلادنا، لن يفيد الشّعب ولا الرّئيس نفسه. فالباجي قايد السبسي يعلم أنّه لن يكون رئيسا لولاية ثانية بحكم تقدّمه في السنّ، كلّ ما يريده هو أن يذكره التّاريخ ولعلّ ذلك يفسّر مبادرته الأخيرة حول المساواة بين الجنسين. وإن لم يعدل عن رغبته في تعديل الدّستور فسيذكره التّاريخ كرئيس أعاد البلاد إلى الاستبداد.

استفتاء أم تعديل مباشر؟

تعدّدت آراء الفاعلين السّياسيّين حول هذا الموضوع، لكنّ المُساندين له اقترحوا تنظيم استفتاء يدلي من خلاله الشّعب برأيه في هذه المسألة. لا يمكن أن نتحدّث عن هذا الأمر دون الإشارة إلى استفتاء سنة 2002. فالمضامين لم تتغيّر لكن الديكور جديد. فقد شهدت تونس استفتاءا حول تعديل الدّستور أثناء حكم الرّئيس الأسبق والذي مكّنه من إلغاء تحديد الولايات الرئاسيّة بثلاث ومن إلغاء الحاجز العمري.

مناصرو السّبسي يريدون إعادة نفس التّجربة ولعلّهم يأملون في الحصول على نسبة ال99.52 بالمائة التي تحصّل عليها بن علي في استفتاء 2002. لكنّ خبراء القانون الدّستوري يشيرون إلى وجود خلط كبير في أذهان السّياسيين حول هذه المسألة. فحسب الباب الثّامن من الدّستور لا يمكن التوجّه إلى الشّعب بسؤال حول تعديل النّظام السّياسي بل حول تعديل الدّستور.

ينصّ الفصل 143 على أنّه لرئيس الجمهورية أو لثلث أعضاء مجلس نواب الشعب حقّ المبادرة باقتراح تعديل الدستور، ولمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر. أمّا الفصل 144 فيشير إلى أنّ مبادرة التّعديل يجب أن تعرض على المحكمة الدّستورية لإبداء الرّأي في كونها لا تتعلّق بما لا يجوز تعديله. وهو ما يضعنا أمام إشكال آخر، فالمحكمة الدّستورية لم تتركّز بعد ومهامّها تؤدّيها حاليّا هيئة مراقبة دستوريّة القوانين. فمن غير الممكن إذن المبادرة بتعديل نصّ الدّستور في غياب المحكمة الدّستورية. فهل سيتعامل السّبسي مع الأمر كما فعل مع قانون المصالحة الإداريّة؟ فقد صادق مجلس النّواب على مشروع القانون دون انتظار تقرير المجلس الأعلى للقضاء وهو ما يعتبر خرقا واضحا للدّستور.