نتساءل اليوم كناجحين عن أسباب هذا الصمت المطبق وعن سر هذا التعتيم. كما نأمل أن ينقشع غبار الرؤية وتتوضح الحقيقة وأن تكاشفنا سلطة الإشراف بالأسباب الحقيقية التي أقيمت من أجلها المتاريس وحواجز الصد في وجوهنا وكأننا لا ننتمي لهذا الوطن، وكأننا لسنا جزءا منه، وكأننا بتنا نمثل طائفة يُداس عليها فلا نتمتع بأدنى حقوقنا وعلى رأسها حقنا في الشغل المكفول دستوريا.

الاصلاح التربوي لا يكون فوقيا

التعليم هو الدعامة الأساسية والرافعة الحقيقية لتقدم المجتمعات، من خلاله يُقاس مدى تقدم مجتمع على آخر لذلك تُوليه الدول المتقدمة أهمية قصوى لأهميته الاستراتيجية في ضمان ديمومة تطورها وتُرصد له ميزانيات ضخمة من أجل الحفاظ على جودته وقيمته. حُبّرت آلاف المجلدات المتعلقة بتطوير النظم التعليمية وتشريك الجميع ولو بمقدار في تطويره بدءا من التلميذ الذي هو من أهم المحاور الناظمة للعملية التربوية وصولا إلى أعلى الهرم. إن المتابع للشأن التربوي في تونس لا يخفى عليه أن المناداة بالإصلاح التربوي لا تتعدى كونها شعارات رنّانة لا تحمل أي مشروع للإصلاح مقارنة مع دول عرفت اصلاحا تربويا حقيقيا مثل فنلندا البلد الذي يعد نظامه التربوي وجهازه التعليمي الأفضل في العالم أو في الشيلي وسيريلانكا أو في البلدان الأنغلوسكسونية. وجدير بنا التذكير أن الدولة الوطنية قامت على أولوية التعليم ومركزية المدرسة في توحيد الشعب وتكوين الكفاءات (ثلثي الميزانية) والمراهنة على العلم والمعرفة كما اقتضته المدرسة الوضعية وقيم الجمهورية الثالثة التي تأثر بها الزعيم بورقيبة ورفاقه من بناة الدولة الحديثة.

اعتماد المقارنة سيُحيلنا إلى تخلف النموذج التربوي التونسي رغم ادعائه الكمال، ونعتقد أن من أسبابه تهميش الأساتذة والمعلمين ومحاولة النيل منهم بكل طريقة ممكنة. إن كان التلميذ هو محور العملية التربوية فإن الأستاذ عمودها الفقري وقلبها النابض لأن وراء كل تلميذ متفوق استاذ متفوق بالضرورة. إن بوابة العبور إلى سلك التعليم منذ ما ينيف عن العقدين في تونس هو شهادة الكفاءة في الأستاذية وهي امتحان على مراحل لا يجتازه الا أصحاب الكفاءة، وقد اجتزناه بكل اقتدار وذللنا كل السبل. فما راعنا إلا أن تنقلب الدولة على أساتذتها تحت مسمى اصلاح تربوي وهي تستند في ادعاءاتها الى انّ تكويننا منقوص. لذلك نتساءل عن جدوى النجاح في هذه المناظرة التي وقع فيها الانتقاء مرتين؟

إن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة وليست سوى تعلاّت فاقدة للأسس الداعمة لها، مع غياب منهجية واضحة في تعامل الوزارة مع أساتذتها وتمييع الملف والهروب إلى الأمام بطريقة تسلّطية واضحة تحيلنا إلى العودة إلى مربّع الاستبداد والقرارات الأحادية الجانب وتجنب خوض نقاش حقيقي مع منظوريها بما فيه من ”حقرة“ لأصحاب الكفاءة. إن إدعاء وزارة التربية أن ضعف تكويننا على أنه السبب الرئيسي يجب أن يُراجع لما فيه من عنف رمزي وتجن واضح على مطالبنا المشروعة.  وتحويل ملفنا إلى وزارة التعليم العالي من أجل رسكلتنا في الجانب الأكاديمي هو محاولة للتشكيك والطعن في مصداقية شهائدنا العلمية، ونؤكد أن الخطوات المتعثرة للوزارتين لن تزيد إلا في إغراق المشهد التربوي وضرب التعليم العمومي.

هل نحتاج أن نفاوض هيئات النقد الدولي مباشرة حتى نضمن حقنا في الشغل؟

في الواقع، إن كل هذا اللغط يخفي الحقيقة التي تطمس الأعين وهي رضوخ الحكومة التونسية لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي يشترط وقف الانتدابات في الوظيفة العمومية وفي القطاع العام من بين شروط أخرى (تحرير الدينار/الخوصصة/رفع الدعم ….) مقابل تمكين تونس من القروض (القسط الثالث من القرض الذي منحه صندوق النقد في اطار“تسهيل الصندوق الممدد“ بقيمة 2.9 مليار دولار). ولا يخفى اعتماد حكومات ما بعد الثورة وخاصة حكومة الوحدة الوطنية على التداين من هذه الصناديق كسياسة دولة عاجزة عن بناء اقتصاد وطني منتج ومشغّل قادر على استيعاب عشرات الآلاف من خريجي الجامعات. فالاقتصاد التونسي القائم على المناولة مع الاتحاد الاوروبي (اتفاقية الشراكة 1995) والتبعية المالية والتجارية يعيش حدود هذا النمط الاقتصادي الاجتماعي الذي تسبب في الثورة وسيتسبب في هزات اجتماعية اخرى.

إن ما يعتبره صندوق النقد الدولي تضخّما لكتلة الأجور التي تصنف من بين الأعلى في العالم وتستحوذ على نصف النفقات العمومية وما ينتج عن ذلك من ضرورة الضغط على كتلة الأجور عبر تجميد الانتدابات وتجميد الأجور في الوظيفة العمومية والترفيع في الضرائب، هو ما رضخت له تونس منذ سنوات (رسالة النوايا التي أمضاها محافظ البنك المركزي ووزير المالية في ماي 2015 والمذكرة الثانية التي أمضاها رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي في جويلية 2017) والتزمت بالانطلاق في تنفيذ محاور هذا ”الاصلاح“ الاقتصادي المبرمج لسنة 2018. من هذا المنطلق يمكن فهم مأساة عشرات آلاف المعطلين عن العمل من الأساتذة الذين طالت بطالتهم رغم تميزهم العلمي وحسهم الوطني والتزامهم بإجراء المناظرات، غايتهم في ذلك الحصول على حقهم المكفول في كل الشرائع وفي مقدمتها الدستور التونسي الذي يعتبر الحق في العمل حقا تكفله الدولة وتسهر على تأمينه خاصة لفئة الشباب الذين خصهم الدستور بفصل خاص واعتبرهم عماد الوطن وفق الفصل الثامن ”الشباب قوة فاعلة في بناء الوطن. تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاته وتعمل على تحمله المسؤولية وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. لقد أصبح واضحا أننا أمام حكومة فاقدة للقدرة على حل المشاكل ناهيك عن استباقها وفاقدة لأي التزام دستوري ومواطني واجتماعي وأخلاقي وأننا أمام ميزانية 2018 معدة لإرضاء أوامر الجهات الدولية المانحة التي تخدم مصالح الشركات والبنوك وتحتقر المسألة الاجتماعية استنادا الى فلسفتها النيوليبرالية في الاقتصاد والسياسة والأخلاق.