باعتبار أن الثورات تقيّم بنتائجها المؤسسية وُجِدت الثورة أمام تحد سياسي وآخر اجتماعي، الأول خلق تناسب حقيقي بين مجمل مكونات المشهد الديمقراطي أي تقييد سلطة المستبدين واستبدالهم بحكام عقلانيين ديمقراطيين وإقامة حكم القانون وتحويل الدولة إلى محرّك للرفاه الاجتماعي والأهم مقاومة الشكل المجتمعي الهيمني القائم على المصاهرة بين البيروقراطية الماسكة بجهاز الدولة مع المال الجديد أو لوبيات المال، التي تحولت من كتلة متجانسة متوحدة تحت وطأة نظام بن علي إلى تكتلات تبحث عن مصالحها داخل الدولة الحالية. في خضم هذا كيف يتشكل اجتماعيا وسياسيا الفصل الجديد من الانتقال الديمقراطي في تونس؟

المعطيات السياسية العامة داخل الحكومة أصبحت تشي بوضوح أن الشكل الحالي من نظام الحكم  والتوافقات التي أنتجتها الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة تجاوزت كل إمكان وجودها تحت وطأة متغيرات عدة، لا في التحالفات ذاتها في وجهها السياسي المعبّر عنه برلمانيا ولكن في الإصطفافات الاجتماعية والاقتصادية التي ترسم المشهد السياسي الحالي. ربما يكون الدليل الأبرز حسب هذا المحرار البرلماني -المعبر عن التوازنات الحالية- العجز لمرتين عن انتخاب رئيس للهيئة المستقلة للانتخابات والتلويح بعدم تمرير ميزانية السنة القادمة ومأزق وثيقة قرطاج. فعدى الاستتباعات المعروفة التي سيخلّفها عدم الاستقرار، فإن بنية التوافق الحاكم أصبحت بما لا يدع مجالا للشك في مفترق حاد، أصبح يستحيل معه مواصلة هذا “المنوال الديمقراطي”.

تناقضات ثلاث تشق نظام الحكم الحالي: تناقض نهضة/نداء، نداء/نداء والتحالف الحاكم/يوسف الشاهد. وجل هذه التناقضات هي التي تقوم برسم المجال السياسي في مستوى الحكم والمعارضة مع هامشية تأثير المعارضات الأخرى على الأقل في رسم الملامح الكبرى للمشهد. نداء تونس يسعى إلى العودة ببنية النظام الحالي إلى نقطة البدأ، أي إلى ما قبل 14 جانفي 2011، بتركيز نظام حكم أحادي الجانب شديد المركزة يكون النظام الرئاسي معبره الأساس، ولا يقبل الشراكة في إدارة الحكم إلا بما يقبله هو “لشركائه” وهم الإسلاميون حصرا، ويقف على قاعدة اجتماعية سنعود إليها لاحقا. أما حركة النهضة التي لم تكسب من هذا التحالف الحكومي سوى إمكانية البقاء في تحالف الحكم، ولئن كانت جزءًا مركزيا ومحددا فيه لمواصلته، إلا أنها لا تملك المقود الحقيقي وتجد نفسها تعاني من نزيف داخلي حاد من التنازلات التي نقلت عدوى أمراض الشقوق إلى الجسد النهضاوي الصلب.

راشد الغنوشي مازال يملك ورقة وحيدة تحميه من هزيمة قد تبعده سنوات طويلة على الحكم. كتلته البرلمانية هي الضمانة الحقيقية الحالية لمواصلة الحكم، لذا لا يفتأ أن يدفع خطابه نحو “الراديكالية” العنيفة كلما اقتربت الحرب من ذلك المربع. هذا ما يفسر ربما تكشيره عن أنيابه واستعمال لغة تهديد عنيفة في افتتاح اجتماع كتلته السنوي الذي اعتبر المس من كتلته ومن شكل التوافق البرلماني الحالي مسًّا من الأمن القومي. أما يوسف الشاهد، الشاب شديد الطموح والمشدود بهيام نحو المثال النيوليبيرالي اقتصاديا، والذي كسب مما أطلق عليه معركة “محاربة الفساد” فقد بدأ يبتعد رويدا رويدا عن مؤسسة الحكم بقطبيها ويطرح عداوة مفضوحة أخيرا مع حزبه نداء تونس، تجلت في رفضه تعيين مرشح الحزب لوزارة الصحة خلفا لسليم شاكر. يوسف الشاهد على ما يبدو ليس حبيب الصيد وينجو دائما من العزلة التي تحاول مؤسسة الرئاسة وحركة النهضة وضعه فيها. فهو تجاوز تزكية قطبي الحكم إلى طرح نفسه شريكا ودخوله إلى المعركة البرلمانية التي ترسم الآن ملامح القوى الحاكمة لاحقا. على ضوء هذه التناقضات كيف ستكون التحالفات اللاحقة وبالتالي أي دينامية ديمقراطية جديدة في طريقها للتشكل؟

يمين الوسط في مواجهة اليمين المحافظ

رغم أن التحول الديمقراطي التونسي لم يخلق بعد استقرارا سياسيا دولتيا، له قواعده الدستورية التي تضمن ديمومته. و بالرغم من أن التمشي الاقتصادي الحالي يفتح أبواب أزمات قد تدفع تونس لسياسات تقشفية كارثية اجتماعيا. رغم كل هذا فإن المشهد السياسي يتشكل بطريقة سلسة وناعمة إلى حد الآن. و يقبل كل الفرقاء حاليا بإدارة الحرب بأدوات سياسية فقط  -سياسي بالمعنى الليبيرالي الذي تحشد فيه كل أدوات السلطة الماكروسكوبية والميكروسكوبية على الدوام- من أجل ديمومة هيمنة المسيطرين. حركتا النهضة و نداء تونس بتحالفهما الصميمي يعبّران عن الكتلة السياسية الأكثر قوة واستقرارا اجتماعيا، فإذا كان اليمين الديني يرتكز على الشرائح الاقتصادية والاجتماعية المحافظة في سلوكها الثقافي والمحدد ضرورة في سلوكها الاجتماعي والاقتصادي، ينبني نداء تونس في مستوى قوته الاجتماعية على بيروقراطية النظام القديم المستفيدة من الإمتيازات القديمة والتي تسعى عبر ترابطها المصلحي العضوي في مواصلة الهيمنة على جهاز الدولة.

هذا الشكل من التحالف الاجتماعي يخلق قوة سياسية ضاربة، قادرة على الوقوف في وجه أعتى العواصف الاقتصادية والاجتماعية في غياب بديل جدي للحكم. والدليل على ذلك نجاح حركة النهضة في تلافي تصفية لاحت في الأفق في 2013 وقدرة ماكينة النظام القديم على فرض التوافق وتقاسم غنائم السلطة بما يرضي الطرفين نسبيا. في المقابل، لم يتحول اليسار -بالمعنى السياسي الواقعي لا الدعائي- إلى قوة ذات ارتكاز اجتماعي قوي قادر في أحسن الأحوال على ضمان التوازن السياسي في تونس. بالتالي أصبح الواقع يفرض حسب ضرورته الحتمية تكوّن كتل سياسية أخرى قادرة على طرح خصومة جدية مع التحالف الاقتصادي والاجتماعي الحاكم. هنا تظهر بوادر ترويكا جديدة تحاول دخول حلبة الصراع من مدخل التوافق السلطوي السائد وتطرح شكلا أكثر واقعية لمقولة التداول “الديمقراطي” على الحكم.

نحن أمام ترويكا سياسية جديدة عمادها محسن مرزوق، ياسين بن ابراهيم، يوسف الشاهد. وهذا الثلاثي “الشاب” وشديد الطموح  يتجه بإصرار نحو فرض معادلة جديدة في طبيعة توافق مُغلق أحادي الجانب لا يسمح بالمشاركة. يوسف الشاهد الذي سيغادر قريبا القصبة والذي يقاوم محاولات عزله وجد في محسن مرزوق المتعطش لإيجاد مداخل جديدة للفعل السياسي حليف الضرورة التي لا فكاك منها، و بالتالي دخول المعركة من الباب الكبير. افترض هذا التوجه خلق جبهة برلمانية داعمة ليوسف الشاهد من جهة ومُعيدة لمحسن مروزق إلى مسرح الفاعل في تشكيل المشهد السياسي الواقعي. ياسين ابراهيم الذي يتطابق مع الشاهد في رؤاه الاقتصادية النيوليبرالية والداعم لخياراته السياسية، يبحث أيضا عن مكان ذا وزن في السلطة. لذلك ترافقت بداية هذا المخاض الجديد مع رفع سقف العداء لحركة النهضة والسعي لتأزيم وضع قادر على تبديل موازين القوى. رغم أن الخلاف دبّ و المركب مازال على الشاطئ نظرا للطابع الإستعجالي والنزوع الهيمني لمحسن مرزوق إلا أن هذا التحالف الثلاثي لو كُتب له النجاح وتلافَى إجهاض -هو في حكم الممكن- طبعا سيشكل صورة جديدة من التداول “الديمقراطي” والأهم تصنيفا سياسيا جديدا قائم على ثنائية يمين محافظ يرتكز على القوى التقليدية في المحتمع وماكينة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي وبيروقراطية جهاز الدولة، في مقابل بورجوازية جديدة قد تجرّ خلفها الشرائح الوسطى الحديثة.

القطب الثالث المكون للمشهد السياسي: داخل الصراع وخارج السياسة

الفاعل السياسي اليساري، الذي تعبّر عنه الجبهة الشعبية وأحزاب اليسار الديمقراطي الاجتماعي، يعجز حسب المعطيات الحالية على الدخول إلى حلبة صراع يتضمن قوانين تصب ضدّه، أي القبول بالانتقال الديمقراطي ببنيته الحالية والمشاركة بطريقة هامشية في تشكيل فصوله وتتحرك في مستوى الفعل السياسي خارجه. التكتيك الوحيد الأنجع الذي كان مطروحا على اليسار الاجتماعي بتلويناته المتعددة هو توسيع حلبة الصراع خارج البرلمان من أجل الضغط للحصول على مكاسب داخله، وهو تمشٍّ فشل كل اليسار في تحويله إلى فعل سياسي واقعي. إذا وبعيدا عن العموميات يجب الإقرار أن الإمكانية الوحيدة لكسر ثنائية الصراع هي المحافظة التي لا تتناقض في مستوى الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والرؤية العامة لشكل الانتقال الديمقراطي والمتمثلة في جبهة ديمقراطية اجتماعية مُوحدة، تضّم كل القوى الديمقراطية التي تتقاطع في التصورات الاجتماعية العامة من أجل دفع الصراع السياسي لتوازن قادر على جلب مكاسب حقيقية -بمعنى فعل سياسي بسقف الوصول إلى الحكم في المستوى الواقعي لا الخطابي الدعائي طبعا- وبالتالي خلق دينامية ديمقراطية قادرة من جهة على مواصلة مسيرة ديمقراطية هي في كل الحالات مكسب جبّار للبلاد وتهشيم ماكينة البنية السلطوية الحالية لمنعها من مواصلة الإنحراف نحو النيوليبرالية المتوحشة ودفع البلاد أكثر فأكثر نحو الانهيار الاقتصادي وبالتالي الإجهاز النهائي على كل مكتسبات الانتفاضة التونسية.

واقعيا مازالت فكرة إجماع سياسي ديمقراطي اجتماعي ما بعد-إيديولوجي فكرة بعيدة المنال نظرا لأسباب ذاتية بحتة مرتبطة أساسا بالعقل السياسي اليساري وأفق رؤيته لإدارة الصراع  حتى لا نقول أكثر. وبالتالي عدم استثمار اللحظة الراهنة سيدفع الحركة بالهروب إلى الأمام تاركة البقية. فالفاعل السياسي الأنجع ليس الذي يجهز على خصمه في مبارزة شبيهة بالمعارك الإغريقية، الأنجع بكل بساطة هو الذي يحسن إدارة المعطى الموضوعي لا من خلال رؤاه الذاتية فقط بل من خلال فهم وقعاني للمحيط الاقتصادي والإجتماعي ولموازين القوى، وبالتالي يستطيع الهروب على الخصم بخطوة فقط هي الكافية لتحقيق الفارق.

لنقل من منطلق واقع واقعي، حتى ذلك الذي يخرج عن إرادتنا ولا يتماشى مع أهوائنا السياسية والأديولوجية، أن التمشي الديمقراطي مهتزّ ويعاني عقبات غياب البدائل. ولكن إلى حدود اللحظة مازالت كل ممكنات خلق دولة ديمقراطية اجتماعية حديثة متاحة وسوق الكسب السياسي مازال مفتوحا. سلمية هذا الانتقال وعدم انجراره للهاوية التي لن تقدم سوى إعادة إنتاج النظام القديم مكسب كبير مازالت القوى السياسية الديمقراطية تسيء استغلاله لمصلحة بديل ديمقراطي اجتماعي حقيقي، إلا إذا أردنا كتابة تاريخ على أهوائنا مبني على أبطال وأوغاد. عدى ذلك فإن التحول يمضي حتميا حسب قوانين البنية الاجتماعية وإرادات الفاعلين الاجتماعيين فيه، مما يشكل مشهد جديدا هو الفصل الثاني من الانتقال الديمقراطي التونسي. لنقل إذا أن بناء تجربة ديمقراطية حديثة إذا أردنا أن ننظر لها انطلاقا من تاريخ التجارب التاريخية الديمقراطية ومنطلقاتها المتباينة في العالم في غياب القوة التاريخية الفاعلة في تشكيل الديمقراطية أي بورجوازية الثورة الفرنسية أو نبلاء بروسيا، وفي غياب كل ممكنات الاستقرار الواقعي، لن يسود في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ التحولات التي تشهدها تونس بعد الثورة سوى إقامة التوازن بين البيروقراطية الماسكة بجهاز الدولة والبورجوازية المسيطرة ذات الطموح الهيمني. في هذا الطريق فقط يمكن أن تسير موضوعيا سفينة بناء المشهد الديمقراطي التونسي، ديمقراطي نعم ولكنه نموذج ديمقراطي مضاد للشعب.