Crédit photo : Akram Belaid

رغم تباين الرّوايات وتناقضها في بعض الأحيان فإنّه من المؤكّد أنّ التحرّكات الاحتجاجيّة كانت وليدة اللّحظة ولم يقع تنظيمها وتأطيرها من قبل أيّ طرف. كانت هبّة تلقائيّة للفئات الشعبيّة ولم يتوقّع أحد حدوثها. وهذا ما يلغي من البداية إمكانيّة أن تكون انقلابا. ومن المرجح أنّ رجال بن علي، وهم من نفس المدرسة الانتهازيّة، راودتهم فكرة الاستيلاء على السّلطة. إلاّ أنّ خوفهم من عدم نجاح هذه المحاولة ومن العقاب الشديد الذي ينتظرهم في هذه الحالة منعهم من ذلك.
كما أنّ تونس حينئذ لم تكن تتوفّر على خاصيّات بقيّة الدّول التي عرفت انقلابات، فالجيش هو المؤسّسة الوحيدة التي يثق فيها التونسيّ ولم يكن مُسيّسا أو ضالعا في جرائم النّظام. لكن يبدو أنّ بداية سقوط بن علي جعلت من بعض الوجوه تطمع في اعتلاء عرش قرطاج، وتشير بعض الرّوايات التي لم تؤكَّد صحّتها إلى أنّ الجنرال رشيد عمّار أراد اغتنام الفرصة. وهو ما أكّده الرّئيس المؤقّت السّابق في برنامج “شاهد على العصر”. حسب رواية منصف المرزوقي بدأ الجنرال مخطّطه بإيقاف مدير الأمن الرّئاسي السّابق علي السّرياطي حتّى يعزله ويتجنّب منافسته. ثمّ عمد إلى التّنسيق مع قائد فوج مقاومة الإرهاب سمير الطرهوني لإيقاف أفراد عائلة بن علي وزوجته في المطار مساء 14 جانفي 2011. كلّ هذه المعطيات تشير إلى وجود محاولة انقلابيّة. لكنّ هذه المحاولة أفشِلت بطريقة غير مقصودة من قبل سامي سيك سالم عندما طلب من فؤاد المبزّع ومحمّد الغنّوشي أخذ زمام الأمور وممارسة صلاحيّات رئيس الجمهوريّة. الفراغ السياسيّ الذي كان بإمكانه أن يسمح لرشيد عمّار بتقلّد منصب الرّئيس بطريقة شبه شرعيّة لم يعد موجودا. ولعلّ اعتقال سيك سالم بعد ذلك دليل على صحّة هذه الأقاويل، فكأنّه عُوقب بسبب إفشاله مخطّطا ما.
حتّى وإن ثبتت صحّة هذه الرّوايات فإنّ محاولة الانقلاب لم تكن جوهر ما حدث. فالجنرال لم يقم إلاّ باستغلال فرصة بلوغ غضب الشّعب أوجه. فهي إذن مجرّد حدث عرضيّ وفشلها خير دليل على ذلك. لذلك علينا استبعاد هذه الفرضيّة، خاصّة وأنّ عمليّة الانقلاب تقتضي أن يتبوّأ صاحبها مكان من كان في السّلطة وأن لا ينتج عنه تغيير مهمّ في السّياسات، فلا يجوز مثلا مقارنة انقلاب بن علي على بورقيبة سنة 1987 بثورة 14 جانفي 2011.

هل هي مجرّد انتفاضة؟

بعد العودة إلى السّاحة السياسيّة وبعد أن أتاحت لهم الثّورة فرصة التّعبير بحريّة، أصرّت الوجوه التي عملت مع النّظام السّابق على أنّ ما حدث ليس إلاّ انتفاضة شعبيّة ولم تصل إلى مرتبة الثّورات. المشكلة أنّ هؤلاء وغيرهم لا يفقهون ما يقولون. التّفريق بين الانتفاضة والثّورة مسألة يقوم بتحديدها الجامعيّون والمؤرّخون. للمصطلحين تعريفات علميّة دقيقة ولا يمكن لأيّ كان أن يصدر حكما. والأكيد أنّ هذه التّصريحات تهدف إلى تقزيم الثّورة وجعل الشّعب يتحسّر على الماضي.

الانتفاضة هي حالة من التمرّد والاحتجاج لكنّها لا تفضي عادة إلى نجاح مطالب أصحابها بالكامل، فهي عادة ما تؤدّي إلى تغيير بسيط لا يمسّ السّلطة كالإصلاحات الإداريّة مثلا. ولعلّ انتفاضة الخبز في الثّمانينات أبرز مثال على ذلك، فقد أُجبرت السّلطات على العدول عن قرارها المتعلّق بزيادة سعر الخبز. فهي إذن تحرّك جزئيّ له سبب طارئ يساهم في نشوبه. كما يمكن أن تحدث عديد المرّات خلال فترة حكم واحدة. الأحداث التي عرفها الحوض المنجمي سنة 2008 مثلا يمكن اعتبارها انتفاضة لأنّها تستوفي جميع شروطها.
أمّا في ما يخصّ احتجاجات سنة 2011، فبالإمكان القول أنّها انتفاضة خلال أيّامها الأولى. إذ انحصرت في البداية في مجال جغرافيّ معيّن وهو منطقتي سيدي بوزيد والقصرين وكانت نتيجة ردّة فعل آنيّة لمّا قام البوعزيزي بإضرام النّار في جسده. لكنّها أصبحت بعد ذلك فعلا ثوريّا بامتياز عندما عمّت التحّركات أغلب المناطق وأصبحت المطالب سياسيّة تدعو إلى إسقاط النّظام وتنحّي بن علي وكل من حوله.

ثورة بأتمّ معنى الكلمة

كانت هبّة الشّعب التونسيّ إلى الشّارع سابقة في المنطقة وجعلت العالم يقف مندهشا لرؤية أناس – لطالما اعتُبروا أنّهم غير جديرين بالحريّة – يطالبون بها ويتجرؤون على تحدّي الحكّام. وكان بذلك تصرّفا ثوريّا بغضّ النّظر عن النّتائج اللاّحقة. لم تطالب الاحتجاجات بتغيير جزئيّ أو بإصلاحات، بل استهدفت النّظام كلّه وهاجمت رموزه. ولم تكن أيّ منطقة بمنأى عن هذه التحرّكات، إذ شملت جلّ أصقاع البلاد وشارك فيها الشّعب بمختلف انتماءاته الاجتماعية والسياسيّة. كانت هذه المطالب تنادي بقيم مضادّة لتلك التي يؤمن بها النّظام السّابق. وحتّى مع غياب ثورة تنويريّة تنظّر لها كما هو حال الثّورة الفرنسيّة مثلا، ورغم عدم توفّر قيادة توحد تحرّكات الأفراد أو إيديولوجيا تحكمهم، فهي تعتبر ثورة لأنّها أضفت إلى اقتلاع نظام واستبداله بآخر. فالتّغيير كان عميقا وشمل عديد النّواحي، من الحكّام إلى مؤسّسات الدّولة وخاصّة الدّستور. انتخاب مجلس تأسيسي وصياغة دستور جديد خير أدلّة على أنّ ما حدث هو ثورة بأتمّ معنى الكلمة، لاسيما عندما يكون هذا الدّستور أفضل من الذي سبقه على صعيد الحريّات الأساسيّة واحترام الحقوق. إضافة إلى ذلك فإنّ محاكمة وجوه النّظام السّابق والسعي إلى تحقيق عدالة انتقاليّة لا يحصل إلاّ بعد الثّورات.
لعلّ من يدّعون أنّ ما حصل لم يكن ثورة يعبّرون عن إحباط خاصّة أمام الوضع الاقتصادي الصّعب الذي تمرّ به البلاد وعن خيبة أمل ناتجة عن عودة بعض رموز نظام بن علي إلى السّلطة. لكن ذلك أمر عادي، فكلّ المراحل الانتقاليّة تعرف هزّات. لكنّ المؤكّد أنّ انتصار إرادة الشّعب قادم لا محالة. فالثّورة الفرنسيّة على سبيل المثال عرفت تقلّبات وحتّى مراحل عادت فيها الدّولة إلى الاستبداد، لكنّها في النّهاية تمكّنت من بلوغ أهدافها.

ليس من المهمّ الاتفاق على توصيف معيّن لما حدث في تونس، ثورة كانت أم انتفاضة، فقد تمكّنت من تحقيق هدفها الأوّل والرّئيسي وهو إرساء الديمقراطيّة. لعلّ الشّعب اليوم لا يدرك أهميّة ذلك لكنّه مكسب هامّ تتطلّع إليه بقيّة دول المنطقة. فعليه إذن أن لا يفقد الأمل وأن يواصل العمل على تحقيق أهداف الثّورة – كلّ من مكانه – لأنّ العودة إلى مربّع الاستبداد تبقى دائما واردة.