قام الفريق المسؤول عن موقع الواب بعمل يُذكر فيشكر، رغم أن العمل لم يكتمل وبقيت تنقص الموقع العديد من الفقرات والمعلومات. لن أستعرض هنا كلّ نقائص موقع الواب لأنّه ليس موضوع المقال ولكني سأشير فحسب إلى الجانب الذي يهمّنا هنا وهو الجانب اللّغوي، يمكن تصفّح موقع الواب بثلاث لغات: العربية والفرنسية والإنقليزية وهو أمر جدير بالثناء ولكن لا يخفى عن قارئ النسخة العربية الغرابة في تعابير بعض النصوص والركاكة في الأسلوب. سريعا ما يتبيّن أن مردّها هو الترجمة الحرفية لنصوص النسخة الفرنسية. يعني أن النصوص كُتبت أوّلا بالفرنسية ثم تُرجمت إلى العربية من قبل مترجم غير محترف، يتجلى قلّة تمرّسه باللغة العربية، إذ صِيغت بنفس مجازات النص الفرنسي وتعابيره وغاب عن المترجم أنّ لكلّ من العربية والفرنسية (ولكلّ لغة من لغات العالم) منطقا ومجازات خاصة بها لا يجوز ترجمتها حرفيا. على سبيل المثال نقرأعلى صفحة الاستقبال في فقرة “اكتشف تونس” مايلي :

تاريخ لمرات ألفية، جغرافيا تقطع النفس. عادات إستضافة لا معادل لهاموقع أيام قرطاج السينمائية

وهي تعابير غريبة وأسلوب لا يستقيم بالعربية والحال أنّ الفقرة تُرجِمت حرفيا عن النّص الفرنسي التالي

« Une Histoire plusieurs fois millénaire, une géographie à couper le souffle et des traditions d’hospitalité inégalées1

 
ما من شكّ أنّ المترجم غير محترف ولا يتقن العربية وربّما عُهِد إليه بالترجمة، إضافة إلى عدّة مهامّ أخرى ولكن مهما كان الأمر فهذا ينمّ عن قلّة إكتراث باللغة الرّسمية للبلاد المحتضنة للمهرجان وهو أمرغير مقبول:  فلنتصوّرمثلا أنّ صفحة مهرجان “كان” السينمائي  تُحرّر بلغة أنقليزية سليمة، مقابل نسخة فرنسية ركيكة مترجمة برداءة عن النسخة الإنقليزية.

يومية المهرجان: أخطاء لغوية وترجمة مبتورة

تصدر نشرية المهرجان يوميا خلال فعاليات الدورة2 وهي تتضمن قسمين أحدهما بالفرنسية والثاني بالعربية، مستقلّين، حيث أنّ محتوى القسم الثاني ليس ترجمة لمحتوى القسم الأوّل (إذا استثنينا بعض المقالات القليلة جدّا) مما يعني أنّ القارئ غير الناطق بالعربية لا يمكنه الاطّلاع على مقالات القسم العربي للنشرية، كما ليس بإمكان القارئ غير الناطق بالفرنسية الاطّلاع على مقالات القسم الفرنسي منها (وليس بإمكان الضيف غير الناطق بأي من اللغتين الاطلاع على أي مقال من مقالات النشرية). كان من الأحسن لوأنه لم يتمّ حرمان القرّاء الغير ثنائيي اللغة (bilingues)من نصف مقالات النشرية، وذلك بإصدار كلّ مقال من المقالات باللغتين معا. الكلّ يعي أنّ مهمّة نشرية تصدر يوميا  ليس أمرا يسيرا وأنّ ترجمة مقالات كثيرة تصدر في نفس اليوم وتنشر في اليوم الموالي تقتضي فريقا مختصّا ماهرا ومتفرّغا للمهمّة وهو ما قد لا تسمح به إمكانيات المهرجان، ولكنني أريد  الإشارة إلى بعض النقاط التي أرى أنه لا صلة لها بظروف العمل واستعجاليته خلال المهرجان والتي كان بالإمكان تفاديها:

أولا، نلاحظ أن عددا من المقالات الواردة في النشرية لم يتمّ تحريرها خلال فعاليات المهرجان وإنما هي اقتباسات من مقالات قديمة نُشرت في بعض الصّحف أو مقالات كُتبت قبل المهرجان.3 ولذلك كان من الممكن نظريا ترجمتها في متّسع من الوقت حتى يتسنّى لأكبر عدد من القرّاء الاطّلاع عليها. ولكن الإشكالية لا تكمن هنا بقدرما تتمثل في رداءة الإقتباس، إذ لم تُؤخذ سلامة الجمل والتراكيب بعين الاعتبار عند حذف أجزاء من المقال الأصلي والنتيجة نصّ مبتور رديء.4

ثانيا، احتوت بعض المقالات (المكتوبة بالفرنسية خاصّة) على العديد من الأخطاء اللغوية التي كان من اليسير تفاديها لو تمّت مراجعتها قبل النشر وخاصة منها تلك التي كُتبت قبل المهرجان.

ثالثا إذا قبلنا بأنه يتعذّر إصداركلّ مقال من مقالات يومية المهرجان باللّغتين وأن يبقى القسمان العربي والفرنسي منفصلين: القسم العربي موجّه للناطقين بالعربية والفرنسي للناطقين بالفرنسية (ولا يتمتّع بالقسمين معا إلا ثنائيي اللغة وعددهم ليس كبيرا من بين ضيوف المهرجان) فإنّه يتوجّب على الأقل الانتباه لتقديم مادّة واضحة ومتناسقة في كلي القسمين. ولكننا نلاحظ مثلا خلطا بين اللغتين في جدول تقييم الأفلام: أسماء الأفلام مكتوبة بالفرنسية بينما أسماء الصحفيين المقيّمين مكتوبة بالعربية، وكذلك في جدولي برامج العروض اللذين يحتويان في كلّ عدد من النشرية على برنامج عروض الأفلام يوم صدور العدد واليوم الموالي له، حيث أنّ عنوان الجدولين مكتوب بالعربية فقط “برنامج اليوم (مع التاريخ)” و”برنامج الغد (مع التاريخ)” بينما محتوى الجدول مكتوب أساسا بالفرنسية مع الإكتفاء أحيانا بذكرعنوان الفيلم بالعربية. عدم التناسق يجعل الجداول مستعصية على الكثير من القرّاء (خاصة غيرالناطقين بالعربية منهم) وهو أمر ينمّ عن تهاون يجب تفاديه.

حفلا الإفتتاح والإختتام وارتباكات التعبير

افتتح مدير الدورة فعاليات المهرجان واختتمه بلغة عربية فصيحة لاءمت “رسمية” المناسبة من ناحية وبعدها العربي من ناحية أخرى، وقد تمت ترجمة كلمته مسبقا إلى الإنقليزية في حفل الإفتتاح وإلى الفرنسية في حفل الاختتام، وكُلّف كل من المنشّطين في كلي الحفلين بقراءة الترجمة. كل شيء هنا على ما يرام. ثم يغادر المدير الركح ويبقي الحضور مع كل من المنشطيْن المسؤوليْن عن تقديم البقية. استعان كل منهما في تقديمه لمختلف محطات السهرة بأوراق يبدو أنها احتوت على نصوص محرّرة باللغتين معا (العربية والفرنسية) وكان المردود مقبولا طالما التزم المنشط بالإستعانة بهذه الأوراق ولكن بمجرّد أن يتخلّى عنها للإرتجال ينزلق إلى الفرنكوعربي (أوحتى إلى الفرنكوأنقلوعربي) يعني أنّه يبدأ التعبيرعن الأفكار في لغة ويكملها في لغة ثانية، بحيث يتعذّر على المستمع الذي لا يفهم إحدى اللّغات أن يستوعب ما يقال. وكان بالإمكان تفادي ذلك بالتحضيروالتدريب الكافيين قبل العرض وبالإنتباه إلى الإلتزام بلغة واحدة لكلّ فكرة ثمّ ترجمتها إلى اللغة الثانية.

كما تجلّى بعض الإرتباك في سهرة الإختتام عندما تولّى رئيس لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية، البلجيكي تياري ميشال، الإعلان عن النتائج  حيث ألقى ميشال كلمة بالفرنسية وكان يسجّل توقفا بعد كل فكرة يصوغها، ليترك المجال إلى الترجمة العربية. ولكن هذه الترجمة لم تكن لتأتي لو لم  يقترح ميشال على عضوة لجنة التحكيم المصرية  التي رافقته على الركح أن تتولى الترجمة إلى العربية. وأمام امتناع هذه الأخيرة عن ذلك وجد المنشط مهدي كتو نفسه أمام مهمّة الترجمة الفورية إلى العربية، ولكنه لم يكن يترجم إلّا القليل وأحيانا بشكل خاطئ وغير دقيق5. إن الترجمة الفورية والمراوحة بين اللغتين ليست فعلا بالأمر السهل لمن لم يتعوده، ولذلك كان من الأفضل لو أنه تمّت ترجمة كلمة تياري ميشال إلى العربية مُسبقا، ثمّ تكليف إمّا كتو أوعضوة لجنة التحكيم التي صعدت على الركح (دون أن تتفوّه بكلمة) بقراءة الترجمة على الجمهور ويكون في ذلك احترام للجميع.

وأخيرا شدّ انتباهي، قبيل الإعلان عن نتائج المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، أنه بينما كان رئيس لجنة التحكيم المخرج الفلسطيني ميشال الخلايفي حريصا على إلقاء كلمته بالكامل في اللغتين العربية والفرنسية و-بنفس الوضوح-6 اختارت مقررة لجنة التحكيم التي رافقته على الركح التونسية ربيعة بن عبد الله أن تلقي كلمتها بالفرنسية دون العربية7.وهو أمر يُأسف له ولا يجوز لأن فيه عدم احترام للّغة الأم وللغة البلد المحتضن للمهرجان وعدم اكتراث بالبعد العربي للمهرجان وتجاهل للضيوف العرب غير الفرنكوفونيين .

قد تكون هذه الهفوات في التعامل مع اللغة مرتبطة بشكل أو بآخر ببعض الصعوبات التنظيمية للمهرجان وهي لا تقتصر على أيام قرطاج السينمائية. بل إنّ بعضا من جوانبها ليس إلّا تجسيدا لأزمة لغوية شاملة مستفحلة بالبلاد وآخذة في التفاقم. ولتظاهرات ثقافية كبرى كأيام قرطاج السينمائية دور هامّ في التصدي لها، إذ أن لها تأثيرا كبيرا في بناء التقاليد الثقافية وفي ترسيخها. ونرجوأن يتمّ تجاوز هذه الإرتباكات بأن تحظى مسألة اللغة باعتبار أهمّ، حتى تبقى هذه التظاهرة منارة مضيئة لبناء ثقافة مسؤولة ترتقي بشعوب “الجنوب” وتعزّز ثقتها بنفسها وبثقافاتها وتدفع بها إلى المزيد من الإبداع في كنف احترام الذات واحترام الآخر.

هوامش

  1. موقع أيام قرطاج السينمائية
  2. https://www.jcctunisie.org/presseQuotidienne.php
  3. انظر مثلا مقال ابراهيم العريس “القضية 23 لزياد دويري: دعوة لمجابهة الحرب كي ترقد أخيرا بسلام”, الصّادر بالعدد 5 لليومية , (ص 4 و5 من القسم العربي) والمقتبس من مقال صدر بيومية “الحياة” بتاريخ 15/09/2017 أو مقال حكيم بن حمودة ’ « Pour que dure le printemps du cinéma tunisien » الوارد بالعدد 4 من النشرية ص, 6 و7 (من القسم الفرنسي) والمحرّر بتاريخ 17 أكتوبر 2017 أي 3 أسابيع قبل صدوره بالنشرية
  4. انظر مثلا مقال ابراهيم العريس “القضية 23 لزياد دويري: دعوة لمجابهة الحرب كي ترقد أخيرا بسلام”, الصّادر بالعدد 5 لليومية , (ص 4 و5 من القسم العربي) والمقتبس من مقال صدر بيومية “الحياة” بتاريخ 15/09/2017
  5. ابتداء من الدقيقة 1:20
  6. ابتداء من الدقيقة 39
  7. ابتداء من الدقيقة 42:50