يأتي هذا البحث ليسلط الضوء على أهمية “بانتلاريا” جيوبوليتيكيا عبر دورها المحوري على مر التاريخ، مقتفيا أثر الموروث التونسي بها الذي اتخذ أشكالا حضارية متعددة بدءا من التأثيرات اللغوية وصولا إلى العادات والتقاليد.

تاريخ “بانتلاريا” أو قصة المد والجزر بين ضفتي المتوسط

أظهرت عديد الدراسات الأركيولوجية وجود آثار حضارية لإنسان ما قبل التاريخ بـ”بانتلاريا” منذ العصر البرونزي، خصوصا في منطقة “المرسى” بالجزيرة وتتمثل في بعض التلال الاصطناعية والمقابر الحجرية. ثم عُرفت الجزيرة كمستوطنة فينيقية منذ القرن الثامن قبل الميلاد سمّيت في البدء “إيرانيم” قبل أن تصبح “كوسيرا” التي تعني السلة الصغيرة في اللغة الفينيقية وهو نفس المعنى في اللغة العربية لكلمة “قوصرة” الذي لُقّبت به الجزيرة بعد الفتح الإسلامي. حازت هذه المستوطنة على قدر من الاستقلالية إزاء مركز القرار السياسي في قرطاج، لكنها بقيت مع ذلك في حالة تحالف معها حيث ساهمت في مقاومة الزحف الروماني على صقلية، حسب ما أثبتته مصادر لاتينية عن الحرب البونية الأولى والتي أشارت إلى انتصار الجيش الروماني على القوساريين والقرطاجيين. إثر ذلك خصعت الجزيرة للحكم الروماني ثم الوندالي أين أنشأ هؤلاء مستوطنة صغيرة نشيطة في الشمال الشرقي للجزيرة، لازالت بقايا آثارها ماثلة إلى اليوم قبل أن يحتلها البيزنطيون الذين أقاموا عديد الحصون لحمايتها من الغارات البحرية. واستوطنتها حينذاك جالية يونانية تنتمي إلى المذهب الأرثوذكسي، ابتنت لها مكان عبادة يسمى “كنيسة القديس باسيليوس”.

ثم بداية من سنة 707م ومع بناء مركز للأسطول (دار الصناعة) في تونس بدأت سلسلة من الغارات البحرية على الجزيرة عن طريق القائد عبد الرحمن بن قطن، انتهت بسيطرة المسلمين النهائية على الجزيرة زمن الوالي الأموي عبد الرحمان بن حبيب الفهري (حفيد عقبة بن نافع) سنة 748 م. ثم أصبحت الجزيرة قاعدة للأسطول الذي قام بغزو صقلية بقيادة أسد بن الفرات لتبدأ بصفة فعلية سياسة تعريب الجزيرة.

أدرك الأغالبة ما تحمله هذه الجزيرة من أهمية استراتيجية لحماية إفريقية من الغارات البحرية البيزنطية، فاستحدثوا سياسة استيطانية مبتكرة قامت على جلب مجموعة من المستوطنين المسيحيين من أصيلي جزيرة صقلية بالتدريج واستغلال مهاراتهم في الفلاحة والبستنة لتجربة بعض الزراعات التي تم جلبها من المشرق كالقوارص وخصوصا القطن الذي ازدهرت صناعاته في”قوصرة” الإسلامية، ليطبع الجزيرة بطابعه الخاص وإن حاول بعض المؤرخين الإيطاليين نسبة هذا الأمر إلى الإسبان الذين احتلوا الجزيرة بعد ذلك. إذ يبقى الأثر التونسي ماثلا في التسميات التي تتعلق بهذه الصناعة مثل “محلوج”، أي القطن المنتوف و”ردانة”، وهي خشبة صغيرة يُدار بها القطن أثناء الغزل. وقد اندمجت هذه المجموعة الصقلية في ما بعد بفلاحين أتوا من قرى الساحل التونسي ومن الوطن القبلي ليبدأ المجتمع في التجانس وتُبني العوائد الإسلامية. من الملاحظ عموما أن ملوك الأغالبة قد أولوا الجزيرة اهتماما خاصا، فقد زارها الأمير الأغلبي محمد الثاني (أبو الغرانيق) لعدة أيام متفقدا التجهيزات العسكرية واستعدادات الجيش هناك. كما تمت إعادة تهيئة مرفأ الجزيرة ليكون همزة وصل مع الممتلكات الإسلامية في جنوب إيطاليا وتشييد محطة لنقل الرسائل العاجلة عن طريق الحمام الزاجل بين صقلية ومدينة الحمامات. أما في العهد الفاطمي فقد أصبحت “قوصرة” لموقعها النائي قبلة لبعض الأقليات الفارة من اضطهاد أتباع المذهب الإسماعيلي الحاكم على غرار فئة “الوهبية” من إباضية جزيرة جربة، التي استوطنت الجزيرة بداية من القرن العاشر، أو بعض الجماعات من اليهود. وقد بقيت جملة من الشواهد على حكم السلالات الإسلامية للجزيرة وتشمل بعض النقود الذهبية من الفترتين الأغلبية والفاطمية وعدد من شواهد القبور والنقوش، من بينها نَقشٌ فيه بيت يُنسب إلى علي بن أبي طالب، يذكر فيه اسم قوصرة بمعناه الأصلي، أي السلة الصغيرة، يقول فيه:

                              حبذا من كانت له قوصرة    يأكل كل يوم منها مرة

ومع استسلام صقلية للنورمان بداية من سنة 1091 م، بدأت الغارات المسيحية تستهدف قوصرة التي خضعت نهائيا لحكمهم سنة 1123 م، وانطلق منها أسطول أراد غزو مدينة المهدية قبل أن يفشل في تحقيق مهمته. بعد ذلك ورثت أسرة “هوهنشتاوفن” الألمانية حكم الجزيرة، أين أبرم ملكها فردريك الثاني معاهدة سياسية مع أبي زكرياء الحفصي في 20 أفريل 1231م. تنص المعاهدة على تقاسم الحكم بين مملكته والدولة الحفصية على الجزيرة، وكان هدف توقيعها من الجانب الحفصي الحفاظ على الطابع التونسي للجزيرة وحماية سكانها من القمع. تواصل العمل بهذه المعاهدة لمدة 10 سنوات ونصّت على اعتراف الحفصيين بسيادة فردريك السياسية على “بانتلاريا” مقابل أن تعود نصف محاصيلها السنوية إلى تونس وأن تُحترم عقائد المسلمين ويستقلوا بأحكامهم الشرعية والعرفية، حيث كان أبو زكرياء متفطنا لأهمية الجزيرة وحريصا على بقاء المجتمع الإسلامي بها، لذا كان يقدم عديد الإعانات المادية للسكان المحليين كما كان يرسل إليهم مرارا المرشدين والوعاظ الدينيين. غير أنه وبمجرد وفاته تم نقض هذه المعاهدة والفتك بعدد من المسلمين وإرسال فرقة منهم إلى مستوطنة “لوشيرة”، جنوب البر الإيطالي، رفقة مجموعة من مسلمي صقلية. رغم هذا الاضطهاد واصل المسلمون تواجدهم بالجزيرة وكان لهم قاضي شرعي ينتخبونه من بينهم، واستمرت صلاتهم التجارية بالبر التونسي وخاصة موانئ الحمامات وسوسة والمهدية وجربة، كما تبين ذلك فتوى للإمام ابن ناجي القيرواني تعود لسنة 1398.

في تلك الأثناء تداولت على حكم الجزيرة عديد الأسر من بينها أسرة “أنجو” الفرنسية، التي قامت بتنصير عدد من المسلمين هناك، لتعقبها مملكة “أراغون” الإسبانية لمدة قرنين من الزمن قبل أن تنتقل إلى الحكم الإسباني الموحد الذي سلمها إلى مجموعة صليبية تسمى “فرسان القديس يوحنا”، والتي جعلت من مالطا مقرا لأنشطتها فقامت بعملية تنصير قسري شملت بقايا المسلمين ببانتلاريا. ثم عرفت الجزيرة احتلالا عثمانيا لفترة قصيرة جدا قام به القبطان العثماني “درغوث باشا” سنة 1553، قبل أن تسترجعها مجموعة فرسان مالطا مرة أخرى. لتتبع مملكة إيطاليا منذ سنة 1866 وتصبح في ما بعد مركزا متقدما، حيث أقِيمت فيها قاعدة عسكرية بحرية وجوية إيطالية تم نحتها في صخور الجزيرة وتم استعمالها كقاعدة إمدادات للقوات الإيطالية الموجودة في ليبيا. إثر ذلك شهدت الجزيرة أثناء الحرب العالمية الثانية عملية إنزال بحري من قبل القوات الأمريكية التي حاصرت الجزيرة لمدة 35 يوما، ثم احتلتها يوم 8 ماي 1943. كان أثر هذه العملية مدمرا، إذ تم تفجير المنازل بـ5000 طن من الديناميت بغاية تصوير شريط دعائي أمريكي يسمّى “كومبات فيلم”، يسوّق لسيطرة قوات الحلفاء على جزيرة صقلية مما أدى إلى محق معظم التراث الثقافي والحضاري للجزيرة.

أثر هذا الدمار ماثل إلى اليوم في أبنية “بانتلاريا ” ولم تفلح كل محاولات الترميم التي بدأت منذ الخمسينات في القضاء على تداعياته. غير أنه تم استغلال الأبنية المتبقية والمُرمّمة في نشاط سياحي بدأت الحكومة الإيطالية في الترويج له منذ السبعينات، حيث أصبحت الجزيرة وجهة لعديد الشخصيات العامة في إيطاليا، ولعل أبرزها “جيورجيو أرماني” المصمم الشهير الذي أقام له مسكنا راقيا في هذه المنطقة. كما أقدمت وزارة السياحة الإيطالية على القيام بتسهيلات لبعض رجال الأعمال الليبيين لإقامة مشاريع فندقية هناك، إلا أن هذه المحاولات لم تلق النجاح المطلوب لعديد الصعوبات الاقتصادية واللوجستية كموقع الجزيرة النائي وندرة المياه العذبة وضعف الترويج السياحي.

الأثر التونسي في جزيرة بانتلاريا

دَوّن “جان بوني” التاجر الفرنسي، الذي أُسِر في تونس سنة 1670 ثم فرّ من سجنه إلى “بانتلاريا”، وصفا للجزيرة مفاده أن السكان ظلوا يتحدثون باللهجة التونسية إلى أواخر القرن السابع عشر، حتى أنه استنجد بمترجم من أهل مالطا للتواصل مع السكان المحليين الذين لم يكونوا حينذاك يفهمون حتى اللغة الإيطالية. ومن المناطق التي بقيت محافظة على أسمائها العربية “المرسى” “المنية” “الجبل” “الشرفة” “الشمالية” “الحمة” “الكدية” “حروشة” “الخربة” “السلوم” “الخنقة” “بلاطا” “السداري” “بو جابر” “كدية بن سلطان”. كذلك هو الأمر بالنسبة لعديد الكلمات مثل “زبيبو”، أي الزبيب الذي أدخله المسلمون هناك  ثم تحول بعد الحكم النورماني إلى مادة تتم منها صناعة أحد أنواع المشروبات المشهورة عالميا و “بيفرة” أي البيثر(باكورة التين)، دكانة (المصطبة)، سكارة (قفل)، وحربوشة التي يقصد بها على عكس ما هو معروف الآن الخبز الريفي المعروف بخبز الطابونة. وكذلك نمط البناء المعروف بـ”الداموسو” في تحريف لكلمة الداموس، وهي بيوت قرميدية مبنية بالحجارة البركانية للجزيرة مزودة بمواجل لحفظ مياه الأمطار. وقد أكسبت المنطقة خصوصية سياحية فريدة باستغلالها كبيوت للضيافة ومن الكلمات الأخرى المتداولة كذلك “خفافي” و”مطيرة” و”سبالة” و “حفيان”. أما من حيث العادات فقد بقي ارتداء القشابية الصوفية والبرنس والشاشية من عادات البانتلاريين لمدة طويلة، حيث لم يعوّضها اللباس الإيطالي إلا من فترة قرنين، بل يذكر المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب أن النساء في الجزيرة كن يرتدين الإزار الأسود المعروف في مدن الساحل التونسي، كما كن يعمدن إلى تغطية وجوههن عند الخروج من المنزل للذهاب إلى الكنيسة أو لقضاء شؤونهن على طريقة النساء التونسيات قديما، وذلك إلى حدود القرن 19. كما كان السكان يستوردون الأوعية الفخارية والجوابي المصنوعة في جزيرة جربة لخزن إنتاجاتهم الفلاحية. وبقي فن القص التونسي راسخا في أسمار بانتلاريا ومن أهم معالمه نوادر “جيوفا “، وهي النسخة الإيطالية من جحا. وكذلك الحال بالنسبة للمأكولات حيث لا يزال الكسكسي بالسمك الطبق الرئيسي المميز للجزيرة وأضحت “الشكشوكة” التي حافظت على تسميتها التونسية تزاحم “الرافيولي الإيطالي” في مطابخ بانتلاريا، إضافة إلى الكعك التونسي الطويل المعروف الذي يطلق عليه سكان الجزيرة اسما عربيا “المستطولة” .

عرفت الجزيرة هجرات إلى البر التونسي، منذ  أواخر القرن 19 مع الاحتلال الفرنسي لتونس، حيث قطن العديد من الوافدين منطقة قليبية القريبة من جزيرتهم وكذلك سهول قرمبالية أين اشتغلوا في ضيعات المعمرين المختصة في القوارص والكروم. و قد عرف هؤلاء المهاجرين عكس غيرهم بسرعة اندماجهم في المجتمع التونسي وتبنيهم جملة من عاداته ثم سرعان ما تأقلموا مع اللهجة التونسية التي أصبحوا يتحدثون بها بطلاقة. لكن غادرت نسبة كبيرة منهم البلاد التونسية بعد الاستقلال باتجاه المناطق الصناعية في الشمال الإيطالي وقلة منهم عادت إلى الجزيرة الأصلية أين مازال كبار السن منهم يحنّون إلى ذكرى البلاد، ويحتفظون بعديد الصور الفوتوغرافية القديمة التي تجسد حياتهم في تونس وعملهم الفلاحي هناك مع بعض الذكريات عن اللهجة التونسية.

كما لا تزال ذكرى قوصرة بدورها ماثلة في الوطن القبلي حيث أن السكان مازالوا يسمون الريح القادمة من الجهة الشمالية الشرقية بـ”الريح القوصري”، كما يظل لقب “القوصري” الذي يحمله عدد من العائلات التونسية شاهدا على المهاجرين الذين غادروا الجزيرة هربا بدينهم زمن العصور الوسطى.

تبقى هذه الجزيرة في حاجة إلى عديد الدراسات الأكاديمية للنبش أكثر في تاريخها، خصوصا منه المسائل الأنثروبولوجية، حيث تعوز الباحث عديد التفاصيل المتعلقة بالتطور الحضاري وسط طغيان الأبحاث المتعلقة بالجيولوجيا كدراسة النشاطات البركانية والزلزالية على حساب الدراسات التي تتعلق بتاريخ الجزيرة. من جهة أخرى تغيب الرؤية الموضوعية والمحايدة في التاريخ المدوّن الرسمي لبانتلاريا وتسود بعض النظريات المتحيزة التي تحاول غض النظر عن الأثر التونسي وتتجاهل مساهماته في الموروث الحضاري، هذا عدا عن توقف الأبحاث الجدية حول الحضارة الإسلامية بالجزيرة منذ مجهودات العلامة الإيطالي “ميشيلي أماري” في أواخر القرن 19. لذا يُأمل في المستقبل أن تنشأ فرق بحث مختصة تونسية وإيطالية تكون مهمتها بناء تصورات جديدة في فهم التحولات التي طرأت على الجزيرة طيلة العهود المختلفة.