في هذا السياق العام يتنزّل موضوع الأساتذة الناجحين في الكاباس الذين تمكّنوا من اجتياز أهم مناظرة وطنية للانتداب صلب الوظيفة العمومية والبالغ عددهم 2356 ناجح من جملة 115000 اجتازوا المناظرة. تمّ الإعلان عن النتيجة يوم 15 سبتمبر 2017، واليوم انقضى ما ينيف عن الثلاثة أشهر لم يترك فيها الناجحون بابا إلاّ وطرقوه ابتداءً من وزارة التربية إلى الدواوين والإعلام ومجلس نواب الشعب واتحاد الشغل، وصولا إلى قصر الحكومة بالقصبة من أجل معرفة مصيرهم. ورغم مشروعية وعدالة قضيتهم إلا أنهم جُوبِهوا بآذان صمّاء من طرف المسؤولين ولا مفاوض أمامهم في كلّ تحرّكاتهم إلاّ قوّات الأمن وأحيانا عصاهم الغليظة. لمتابع أن يسأل، لماذا تتجاهلهم الدولة؟ هذا الملف يعيد قضية التشغيل من جديد إلى الواجهة ويكشف عن عجز الحكومات العشر المتعاقبة منذ 2011 عن تبني منوال تنموي آخر خاصة مع ارتفاع مؤشر البطالة وغلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية وضعف مؤشر التنمية البشرية.

تغييب الملف الاجتماعي

كانت قضية التشغيل مربط الفرس في فهم السياق الاجتماعي للمطالب الشعبية وخاصة فئة الشباب المهيمنة من الناحية الديمغرافية، بالمقابل انشغلت النخبة السياسية بمعاركها الدونكيشوتية المتعلقة بالتموقع في دوائر السلطة والنفوذ مع احتقار المسألة الاجتماعية وتغييبها عن النقاش العمومي. كان الناجحون في الكاباس كبش الفداء في هذه الصراعات التي أخرجت الاجتماعي من دائرة الاهتمام، وفيما يتعلق بهذا الملف يمكن أن نذكر سابقة لم تحدث في التاريخ السياسي لأي دولة وهي تغيير وزير التربية مرّات متعدّدة (6 مرّات في ظرف 7 سنوات) ولاعتبارات انتخابوية دعائية جرى الحديث عن إصلاح تربوي لم يرَ النور. وعلى هذا الأساس وقعت الدعاية لإنجاز مراكز متخصّصة لتدريب الأساتذة والمعلّمين وهو المشروع الذي رحل بترحيل الوزير السّابق ناجي جلّول، والذي على قاعدته أجرى الناجحون المناظرة.

إن ما حصل هو مثال صارخ عن أزمة الدولة التونسية من حيث استمراريتها، فكيف يمكن الحديث عن دولة ومؤسسات وقوانين وتشريعات وإصلاحات بعقلية أنّ الجديد يجبّ ما قبله. لقد تداول على هذه الوزارة الاستراتيجية خمسة وزراء (الطيّب البكّوش، عبد اللطيف عبيد، سالم الأبيض، فتحي الجرّاي، ناجي جلّول) وسادسهم حاتم بن سالم الوزير الذي أطاح به شباب 17 ديسمبر. وقد رافقت هؤلاء مع طواقمهم أثناء تعيينهم أو عزلهم أوقات فراغ جَرت فيها الكثير من المياه داخل هذه الوزارة الأكبر من الناحية العددية والأكثر كلفة ضمن الميزانية العامة. وسط هذه الفوضى التّي تمعّشت منها لوبيات إدارية ونقابية استفادت من امتيازات وترقيات خيالية، من ذلك إحداث رتب جديدة لغاية الترفيع في الأجور وصلت إلى مستوى كوميدي مثل رتبة “أستاذ أوّل متميز فوق الرتبة” وكأنّنا إزاء رتب عسكرية في الجمهوريات الموزية حيث تُعلّق النياشين لجنرالات لم تخض أي حرب. كلّ ذلك جرى برعاية ما يفترض أنّها نقابة الأساتذة التّي لم تحرّك ساكنا أمام قضية الأساتذة الناجحين في الكاباس في حين تتعالى أصواتهم دفاعا عن جماعات “الحبايب” الذين تغلغلوا داخل الوزارة نفسها وأصبحوا يتعاملون بمنطق ابتزازي غنائمي. الدولة تتجاهل والنقابة تتجاهل والإعلام يتجاهل وقوّات الأمن بالمرصاد لأيّ احتجاج. فماهو مصير آلاف الناجحين وعشرات الآلاف من المنتظرين وجيش المعطّلين عن العمل الذّي يطارد السراب دون كلل أو ملل؟

فشل تنموي مُزمن

يطرح ملف الأساتذة الناجحين في الكاباس دورة 2017 عديد القضايا والإشكاليات المتعلقة بملف التشغيل منذ سنة 2011 في ظل تعاقب عشر حكومات استبطنت نفس المنوال التنموي، فرفعت شعارات التنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التي لم تتجاوز عتبات قصر الحكومة بالقصبة. كانت جحافل الخريجين وجيوش العاطلين تنتظر الانعتاق والتحرر من سلطة اللوبيات الاقتصادية المتحكمة في الاقتصاد الوطني، المُسَخّر لخدمة الحزب الحاكم والعائلات المتنفذة المحيطة به وبعض الثقفوت وأبواق الدعاية وأحزاب الديكور والكرنفالات الانتخابية. كان التشغيل الخيط الرفيع الناظم للعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين، وعلى هذا الأساس تُطرح مسألة العلاقة بين الدولة ومواطنيها لأن المتعارف عليه في العرف الاجتماعي هو أن الدولة -مؤسسات وهياكل- تلعب تلعب دورها الاجتماعي وتسهر على حماية مواطنيها مقابل التزامهم بقوانينها.

رحل بن علي ولم ترحل منظومته المتمثلة في التحالف التاريخي بين عالم المال والإدارة العميقة من جهة وبين الأمن والإعلام من جهة أخرى، وبأكثر وضوح تأسّست منظومة الهيمنة على أفضلية وأولوية أقلية من الدائرين في فلك السّلطة الذين تمتّعوا بامتيازات مرحلة الانفتاح التي بدأت منذ السبعينات وجسّدها قانون 1972. وعليه فإنّ الاقتصاد التونسي يعيش أزمة خانقة، هي أزمة منوال التنمية والنمط الاقتصادي الاجتماعي السّائد الذي عمّقته -في إطار تبني النيوليبرالية- برامج الإصلاح الهيكلي واتفاقية الشراكة المبرمة سنة 1995 مع الاتحاد الأوروبي، رغم ناقوس الخطر الذي دُقّ منذ سنوات وتجلت تمظهراته في ارتفاع نسب البطالة وتفاقم العجز التجاري والوضعية الحرجة لميزانية الدولة. لا يختلف عاقلان حول الطبيعة البنيوية للأزمة رغم الدعاية المفجوجة لأبواق النظام الزاعمة لظرفية الأزمة وتعلّقها بالاضطرابات الاجتماعية وضرورة عودة الهدوء والصمت حتى يعود الاستثمار وبالتالي تدور عجلة الاقتصاد.