من المرتبة 40 من إجمالي 137 دولة في تقرير دافوس حول التنافسية الاقتصادية لسنة 2010 -2011 إلى المرتبة 95 سنة 2017. هذا التراجع الكارثيّ في مؤشرات التنافسيّة العالميّة، كان الحافز الأوّل لمختلف الحكومات المتعاقبة لتدعيم حضورها خلال الدورات السابقة بأعلى مستويات التمثيل الديبلوماسي. وقد جرت العادة طيلة السنوات السبع الماضية على حضور رئيس الحكومة ووزراء القطاعات المالية والإقتصاديّة في محاولات متكرّرة لإعادة ثقة المانحين الدوليين والمستثمرين الأجانب في السوق التونسيّة .هذه المرّة، وبعد أن أعلنت رئاسة الجمهوريّة مشاركة الباجي قائد السبسي، غاب هذا الأخير وغاب معه رئيس الحكومة يوسف الشاهد دون تبرير، ليقتصر التمثيل الرسمي لتونس هذه المرّة على وزير الخارجيّة خميس الجهيناوي في أدنى مستوى حضور منذ سنة 2012.

تسلسل التمثيل التونسي في منتدى دافوس بعد 2011

  • جانفي 2011

    وزير النقل والتجهيز ومحافظ البنك المركزي وكاتب الدولة لدى وزير الصناعة والتكنولوجيا يمثلون تونس بعد سقوط نظام بن علي
  • جانفي 2012

    تونس تعود إلى المشاركة بوفد ترأسّه رئيس الحكومة حمّادي الجبالي إضافة إلى وزير الخارجيّة ومحافظ البنك المركزي والوزير المكلّف لدى رئيس الحكومة بالملفّ الاقتصادي وكاتب الدولة للاستثمار.
  • جانفي 2013

    المشاركة بوفد مكوّن من رئيس الحكومة حمادي الجبالي ومحافظ البنك المركزي والوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية رضا السعيدي ومهدي جمعة وزير الصناعة.
  • جانفي 2014

    رئيس الحكومة مهدي جمعة يعتذر لأسباب تتعلّق بانتهاء الآجال للإعلان عن تركيبة حكومته، ليقتصر الحضور على رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي بدعوات رسمية من المنظمين.
  • جانفي 2015

    رئيس الحكومة مهدي جمعة يمثّل تونس
  • جانفي 2016

    رئيس الحكومة الحبيب الصيد يترأس الوفد التونسي، والذّي ظمّ وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي ووزير الصحة ورئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة إضافة إلى رئيسة منظمة البوصلة أميرة اليحياوي التي كانت ضمن الفريق الذّي ترأس المنتدى.
  • جانفي 2017

    رئيس الحكومة يوسف الشاهد يشارك على رأس وفد رسمي ضمّ وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي ووزيرة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة.
  • جانفي 2018

    التمثيل التونسي في منتدى دافوس ينخفض إلى أدني مستوى بحضور سياسي اقتصر على وزير الخارجيّة خميس الجهيناوي، ودعوة شخصيّة لرئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي.

تغير الرهانات وترتيب جديد للاولويات

مستوى التمثيل الأخير للمشاركة التونسيّة في منتدى دافوس الذّي اختتم أعماله يوم الجمعة 26 جانفي الجاري، حمل في طيّاته عديد الدلالات المرتبطة بالرهانات الإقتصاديّة التونسيّة، إذ بينما تمحورت المشاركات السابقة حول ضرورة الدعم الدولي لانتفاضة الشعب التونسي ومساندة المسار الديمقراطيّ، راهنت بقيّة المشاركات إلى حدود سنة 2017 على محاور الحرب المشتركة على الإرهاب كما حدث في سنة 2015، أو الإيفاء بالوعود الدوليّة الخاصّة بحزم القروض والمساعدات والتحضير لمؤتمر تونس الدولي للاستثمار في نوفمبر 2016. أما هذه السنة، فيبدو أن الرهانات التونسيّة على مثل هذه المؤتمرات قد تقلّصت بعد الموافقة على استلام القسط الثالث من قرض “تسهيل الصندوق الممدد” وتنفيذ مجموعة الإصلاحات المطلوبة على مستوى القانون المالية والمؤسسات العموميّة. كما يعكس هذا التمشّي مراهنة الحكومة التونسيّة على التفاهمات الثنائيّة التي بدأت تتضّح مع لقاء الشاهد والمديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي اليوم على هامش مؤتمر مراكش حول “النهوض بالتنمية والتشغيل والاندماج في العالم العربي” أو الإتفاقات المنتظرة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانيوال ماكرون إلى تونس في 31 جانفي الجاري.

السقوط من السلّم ومؤشّرات الدخان

بعد أن احتلت تونس المركز 32 عالميًا سنة 2010 و40 سنة 2011 حسب التقرير السنوي لمنتدى دافوس حول التنافسية الاقتصادية، تمّ إقصاؤها سنة 2012 بعد أن تحفظ التقرير عن نشر تصنيف تونس لتحتلّ في سنة 2013 المرتبة 83 وصولا إلى المرتبة 95 لسنة 2017-2018. الإنهيار السريع والمفاجئ أماط اللثام عن عمليّة تحيّل كبرى مارسها النظام السابق على مستوى التلاعب بالمؤشّرات الاقتصادية والإحصائيّات الرسميّة ذات العلاقة بنسب الفقر والبطالة والنمو الاقتصادي قصد تلميع صورته لدى الهيئات المالية والاقتصاديّة الدوليّة، وتقديم وضع مغاير حول ما اعتبره الرئيس الفرنسيّ جاك شيراك ذات يوم “المعجزة التونسيّة”.

هذه المعجزة التي انهارت بانهيار نظام بن عليّ، وضعت هذه الهيئات الدوليّة أمام تضارب صارخ بين المعطيات والإحصائيات الرسميّة قبل سنة 2011، والتقارير الجديدة الصادرة عن وفودها أو عن المنظّمات المحليّة المستقلّة ذات الصلة. وقد طالت عملية التزييف الممنهجة الركائز الأساسيّة لتقرير التنافسية الاقتصادية، والتي تتمحور بالأساس حول مستوى المؤسسات والبنية التحتية، استقرار الاقتصاد الكلي، الصحة، التعليم، فاعلية سوق العمل، تطور السوق المالية، حجم السوق، التطور التكنولوجي، مستوى الابتكار، مناخ الأعمال ومدى التجديد. لتقذف بتونس إلى المراتب الأخيرة بما يحمله هذا التراجع من ارتدادات كارثيّة على المستوى المالي والتجاري ونوايا الإستثمار.

بين مديونية تستنزف أكثر من ثلثي الناتج المحلي الخام وتراجع للاستثمار المحلي والأجنبي وانهيار قيمة الدينار التونسيّ، ما تزال تبعات حيلة بن علي لتلميع صورة نظامه، والتعتيم بمؤشرات من دخان على واقع اقتصادي هشّ، تلاحق التونسيين بعد سبع سنوات من سقوط نظامه الذّي كمّم أفواههم لسنوات وما زالت سياساته تعتصر جيوبهم وأمعائهم.