شادي غادريان، “قاجار 3″، صُورة فوتوغرافيّة مأخُوذة من سلسلة “قاجار”، بالأبيض والأسْود، 90×60صم ، “جيلاتين” الفضّة للطّباعة ، 1998.

شادي غادريان؛ المرأة الفنّانة نمُوذج من الواقع الإيراني المُعاصر لمُجتمعها، خاصّة وأنها قد شهدت تلك التحوّلات الثقافيّة داخل المُجتمع بعد الثورة الإسلاميّة سنة 1979، كما أنها عاشت وسط أحداث سياسيّة واجتماعيّة مُختلفة، تصل أحيانا إلى درجة التناقض بين العديد من الثقافات وحتى الأشياء اليوميّة. فالفنان إنسان يتأثّر ويؤثّر، يعيش في بيئة ومجتمع لا يستطيع الانسلاخ عنه أو عن قضايا مجتمعه السياسيّة أو الاقتصادية أو الاجتماعيّة، فكيف لا يتأثر الفنان بأحداث عاشها؟ وكيف لا يختزن مفردات بيئته ويعيد صياغتها حسب خبرته وتجربته الفنيّة وظروف نشأته لتخرج بشكل جمالي وسيميائي؟

إن هذا السّؤال يحتاج إلى العديد من الدّراسات والاجتهادات خاصّة وأنه مرتبط بسؤال ذاتيّة الفنّانة. و نحن نعلم جيّدا أن هذا البلد قد شهد عدّة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة “ساهمت في تحوّل صُورة المرأة منذ العهد الفارسي وصولا إلى قيام الدولة الإسلاميّة”[1]. و بالتالي فإن مفهوم الذّاتيّة ينطوي على منزلقات إبستيمولوجيّة عديدة خصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بالمُمارسة الفنيّة التي تجعل كل ما هو خارجها في طور المساءلة، لأنّها تحمل كل الممكنات والاستراتيجيّات الإبداعيّة “فهويّة الفن التشكيلي تغدو بذلك رهينة لما يمكن لهذه الممارسة الثقافية أن تقدم من أسئلة جديدة أو ما يمكن أن يثير من قضايا عموميّة وخصوصيّة كما أنّها حاملة لذاكرة يلزم إعادة النظر فيها بتسليط أضواء جديدة عليها”[2]. غير أن الإشكاليّ في هذه المسألة هو التناقضات البارزة لنا بين دوائر الانتماء والفوارق في المحدّدات التي تمنح المرأة تشخّصها وخصوصيّتها التي تميّزها عبر جميع العصور. لكن هل يمكن تأسيس “ذات بلا هويّة”؟

“أنا أعرف بكلّ تأكيد، أنّني حين أُبدع، هو ليس دليل على أنّ عملي الفنيّ سيكون له جمال و رُؤية جماليّة، فمن الضّروري أنّه يحمل بين طيّاته رسالة مُهمّة” شادي غادريان

تستقي الفنّانة صورتها الفنيّة من الحياة وتُعالجها وتُعيد خلقها وفقا لتصورها الذاتي. ومن المعلوم أنّ تصوّر الذات لا يمكن أن يكشف الموضوع  والإحاطة به إلاّ بشكل نسبيّ، ممّا يعطي لمعرفة الفنانة بالحياة مباشرة قوّة فاعلة ترتبط جدليّا بتصورها الفكريّ الخاصّ للعالم. وتلتقي ذاتها بالموضوع بوساطة فيلم التصوير، وقبل هذا اللقاء تقترب الذات أولاً من الموضوع الواقعيّ، قبل عمليّة تجسيده الماديّ، عبر آلة التصوير. تختار الذات موضوعاً وتتصوّر تشكيله في صور. وتمرّ عمليّة التصوّر بمراحل إنتاجيّة مختلفة، تسعى فيها الذات إلى التعرّف على حقيقة الموضوع المُختار. و تعبّر الصورة المجسّدة في هذه الصورة “قاجار” عن تصوّر المُصوّرة الخاصّ، وفقاً لعمليّة خلق مركّبة ومعقدة، لكنّها في آخر المطاف تكون في الغالب ذاتيّة.

في هذا السّياق الحادّ يفرض السُّؤال نفسهُ في هذه الصُّورة الفوتوغرافيّة من خلال بناء اللّقطة-المَشْهد أمام جدليّة الماضي والحاضر،  واقع المرأة الإيرانيّة بشكل كبير المُرتبط بالصورة الذهنيّة التي تشكّلت عنها عبر مختلف المحامل الفنيّة، والتي كرّست ثقافة الجسد، والأدوار الثانويّة لها في الحياة، كما أنّها تُلغي تواجدها كإنسانة في كثير من العادات اليوميّة، فتصبح مجرّد شيء يُستَخدم ويُستَهلك، وعلى الرغم من تزايد عدد الفنّانات الإيرانيّات إلاّ أن الصورة الذهنيّة التي ابتدأت منذ القرن السابق في إيران، لا زالت هي المسيطرة على واقع المرأة.

باعتبار أن اللّقطة وطبيعتها ودلالاتها في صورة “قاجار” تستند إلى المسافة القائمة بين العدسة والموضُوع الممثّل لكي تنتج عالمها الخاصّ، فإنّ البحث عن دلالات هذا الاختيار لا يمكن أن يتمّ إلاّ من خلال تحديد حجم هذه المسافة ذاتها. فعلى أساسها سيتمّ استيعاب دلالات “الأشكال” و”الخطوط” و”الوضعيّات” و”التأّطير” و”زاوية النّظر”. فالتّركيب هو صيغة من صيغ إعداد المساحة القابلة لاستيعاب معطيات الصُّورة عبر أشكال خاصة من التأطير. ففي صورة “قاجار” نلاحظ  في وضعيّة الجسد تركيبة تشكيليّة وجماليّة. قسمان يشكّلان الصُّورة الفوتوغرافيّة. اختارت شادي غادريان التركيز على المرأة من خلال وضعيّتها. كما نلاحظ مُحافظة الفنانة على نفس مكان التصوير والذي يحمل خلفيّة يعود تاريخها للعصر القاجاري. أماّ “المُوديل” فقد وُضِع  في مركز التكوين، لأنّها تعكس في هذا المكان الهندسي الفضاء الرئيسي الذي تضع فيه الإنسانيّة الفرد.

فضلا عن ذلك، فإنّ بناء الّلقطة المَشْهد في هذا العمل الفنّي، لابدّ أن تتضمّن تنوّعا في العناصر التشكيليّة مع تثبيت حركة آلة التصوير عند اقترابها أو ابتعادها من الموضوع المصوّر (جسد المرأة). وقد ارتبط هذا المُصطلح بأساليب الإخراج  بشكل واعٍ بعد ظهور التيّارات  الواقعيّة ولاسيما الإيطاليّة الجديدة والموْجة الجديدة الفرنسيّة، فالّلقطة-المَشْهد هي”لقطة طويلة نحصُل عليها من تَصوير مرحلة بكاملها دون توقّف الكاميرا”[3]. وعليه فإنّ الفنّانة  قد اتخذت ربّما التّعريف “الإجرائي” في ثنايا البَحْث، اللّقطة-المَشْهد، وهي تلك اللّقطة التي تعمل على تشكيل تأطيرات جديدة بمُوديلات وزوايا متنوّعة نجدها خاصّة في سلسلة أعمالها “قاجار”(1998) والتي ينتج عنها إغناء على مستوى الشّكل وتُعبّر عن حقيقة ما و تُصوّر باستمراريّة الفعل الدّرامي المعرُوض، فتغدُو اللّقطة أقرب منها لأنّها الوَسيلة الأولى في تصوير الأحداث التّاريخيّة، أو سردها للمُشاهد عبر تدفّق الصُّور المرئيّة.

تسعى الفنانة إلى خلق المعنى أو نقله عبر الأداة الفوتوغرافيّة وعرض الحَركة الثّابتة وتجسيدها في بناء اللّقطات والمشاهد، ولاسيما بناء الّلقطة-المَشهد، لأنّ اللّقطة هي أساس الفن الفُوتوغرافي بغضّ النّظر عن مصدرها أو نوعها، سواء من قبل الموجودات داخل الإطار أو من قبل آلة التّصوير نفسها. فالفوتُوغرافيا تتميّز عن باقي الفُنون بقدرتها على نقل المَشهد الزّمني الموجُود في الحياة، ووجُود العناصر الثّابة داخل الصُّورَة الفُوتُوغرافيّة مع اللّقطة يُؤهّلها لإنتاج المعنى ونقل الدّلالة.

لكن عند تناول تقنيّة الأبيض والأسود في هذه الصورة، نُلاحظ أن هناك توازن بصريّ بين مكوّنات الصورة. حيث اعتمدت المصوّرة على توليفة مُعقّدة ما بين صُورة المرأة من جهة والخلفيّة، وما بين الثياب التّقليديّة والراديو. و”قاجار” هي صورة فوتوغرافيّة و”بورتريه” في وقت واحد، أي أنّ شادي غادريان قد صوّرت صورة لامرأة مجهولة “لا نعلم إن كانت أختها أو صديقتها…لأن أغلب نسائها الموجُودات في أعمالها الفوتوغرافيّة كُـنّ من الأقارب”[4].

رُبّما نكتشف من خلال صورة الرّاديو في الصورة ذات الفنّانة المُغتربة، الذّات التي تبحث في طيّات الماضي عن نفسها في أرض الوطن. لكنّ مفهوم الحاضر في حدّ ذاته ظلّ لصيق الإنتاج الاستهلاكيّ في الأثر الفنّي للفنانة، وهو ما يفرضه الواقع الإيرانيّ ورغبة الحركة النسائيّة في تحويل المفهوم التقليديّ للمرأة إلى نموذج متطوّر ومواكب للتغيّرات، و ذلك سعيا منها إلى خلق التّاريخ و تغييره. فالذات الأنثويّة مرهونة على وجه الدوام بأفكار الخلق والعقل والتفاعل مع الواقع ومحاولة الدخول في “العالم الحديث” ونقصد بذلك على حدّ قول ألان تورين “العالم المُنتج والحرّ و السّعيد”. وقد تكون مجمل اللحظات الفنيّة “للموديل” الذي أمامنا في الصورة، مصحوب بوضع مُربك للجسد في حدّ ذاته، وبعلاقة إشكاليّة بين تجربة التجسّد في العالم وبين وضعيّات اغتراب متعددة، فكأنّ قدر الجسد الأنثوي أن يوجد على هامش الوجود وأن يحيا خارج الحياة نتاج عمليّة المنع و التّحريم، وهو ما جعل جسد المرأة جاهلا ًأو خاضعاً أو مغترباً. وهو ما تعكسه النظرة الدونيّة لهذا الجسد في عصرنا الرّاهن والحطّ منه.

تقف هذه المرأة وسط مشهد الصّورة، منتصبة القامة، حادّة النّظرات، تقدّم قدما على أخرى، وتضع قبضتيها على المكنسة الكهربائيّة. أمّا الخلفيّة التي اختارتها هذه الفنّانة، فهي منظر طبيعي بسيط و مُجرّد خالٍ من التّفاصيل والتّعقيدات، يذكّرنا بواجهة القُصور الملكيّة القاجاريّة المُزيّنة والمُطلّة على الحدائق. وهذه الواجهة التي تعتمدها غادريان، مُستوحاة من الخلفيّة التي يتّخذها “ناصر الدين شاه” في قصره أثناء أداءه للتصوير الفوتوغرافيّ مع جمع من نسائه. فكان أوّل من جلب”الكاميرا” إلى إيران وأوّل المصوّرين بها. وقد أنشأ أيضا أستوديو في “قصر جلستان”.

من المُمكن أن نطلق على ناصر الدين شاه الملك السّائح، “ذلك أن رغبته في تدوين ونشر المذكّرات أدّت إلى أن يترك وراءه عشرة أجزاء تقريباً في أدب الرّحلات. وكانت رحلاته إلى بلاد  “الإفرنج” بمثابة توجّه جديد، إذ يعتبر أوّل ملك إيرانيّ يقوم بذلك. وهو ثالث حكام إيران من حيث طول مدّة الحكم. وقد احتفظ بالسيادة على إيران لنحو خمسين عاماً، كما كان أوّل عاهل فارسيّ يكتب وينشر يوميّاته. وقد تمّ استخدام العديد من التقنيّات الحديثة في عهده. شاع استخدام التصوير الفوتوغرافي في إيران في أواخر الفترة القاجارية، وقُوبِل بحماسة شديدة من قبله، وقد اشتهر بأخذ صور للعديد من نساء القصر القاجاري. وفي عهده ازداد التفاعل بين الصورة الفوتوغرافية واللوحات المرسومة سواء من ناحية الأسلوب أو التركيب”[5].

من خلال التحرّي في تاريخ لبَاس المرْأة الإيرانيّة عبر العصُور التاريخيّة التي تُحيط بها، نُلاحظ ذلك النفس الدّيني الذي طغى على مظهريتها منذ الفتح الإسلامي لفارس سنة 644م. حيثُ كان يُفرض عليها أنماط مختلفة من الأحجبة والأردية ويكون أحياناً بدافع سياسيّ أو دينيّ، مثل وضع غطاء للرّأس من عدَمه، أو تلوين الملابس باللون الأحمر أو باللون الأسود.

وقد أدّى عدم المَعرفة الدّقيقة بالأحداث والبواعث والمُعتقدات الشعبيّة وعدم التوصّل إلى حقيقة الأمور في إيران إلى صُعوبة التعرّف على لغة ملابس الإيرانيين بشكل جيّد. فقليل من المؤرّخين من يعرف تاريخ ظهور الـ”شّادور”(العباءة)، أو يعرضُون تعريفا تاريخيّا للحِجاب، “ولا يعرفون أن هذه الأشياء الثلاثة إنّما هي نتاج الدّين الإسلامي”[6]. والمُلفت للنّظر أن بعض الملابس في العصر القاجاري –مثلما أشار إلى “جاسبار دورفيل”[7] في كتاب رحلاته إلى ملابس الّنساء في العصر الزّندي والقاجاريّ- كانت شائعة آنذاك من بينها “التّبيان” (سروال فضْفاض و مُستقيم)، بينما لم يعد لها وُجود في العَصر الرّاهن.

صورة لامرأتين من نساء ناصر الدّين شاه (1848-1896)، قام بتصويرهما شخصيّاً في الحرملك.

إضافة إلى القميص الذي ترتدي فوقه المرأة سُترة مُبطّنة تسمى “أرخالق” (انظر الصورة) وتلبس تحتها تنّورة قصيرة تعرّف بالفارسيّ “شِليتة” وجوارب بيضاء وحجاب أبيض مربّع يسمّى “روبند”، مثلما نراه أمامنا في هذه الصُّورة. وكان هذا النّوع من اللّباس يفتن الملك “ناصر الدين شاه” في ذلك العصر لأنه يذكّره باللّباس النّسائي الأوروبي خلال رَحلاته الاستطلاعيّة”[8]. وقد استوْحت شادي غادريان هذا النّوع من الّلباس في لقطة زمنيّة طويلة من الماضي، فنجد أنفسنا نعيش النّفس القاجاري الذي تعبق به رائحة هذه الصُّورة.

هناك في هذه الصورة مُحاولة لإلغاء كلّ القوالب الجاهزة التي تُنمّط هذه المرجعيّة الثقافيّة الإيرانيّة، و ذلك من خلال المُقاربة بين فترتين زمنيّتين مختلفتين. فصورة المكنسة الكهربائيّة التي ترمز إلى التطوّر التكنولوجيّ في عصرنا الرّاهن، قد وُضعت كعنصر تشكيليّ في هذه اللوحة. لكن في المُقابل، نلاحظ ذلك النّفس القاجاري (القرن التاسع عشر) الذي يُهيمن على هذه الصورة والمتمثّل في صورة اللّباس القاجاري الذي ترديه المرأة والخلفيّة. فنجد أنفسنا أمام واقعًا معاشا مُنفصِماً بين ماضيه وحاضره وبين القديم والحديث. وتُظهر لنا الفنّانة هذا الصّراع من خلال المُزاوجة بين اللباس والمعمار القاجاري مع المكنسة الكهربائيّة التي اعتمدتها كصورة تُعبّر عن توق المرأة إلى رُؤية العالم الآخر الذي رمزت له بصورة هذه المكنسة.

ما أفرزته الثقافة الإيرانية وخاصّة بعد الثورة الاسلاميّة غَلق الانفتاح على التحوّلات التاريخيّة التي شهدها الغرب، والتي أفرزها المُجتمع “المابعد-صناعي” الذي قوامه النّزعة الاستهلاكيّة وصناعة الثقافة وتسليعها. فانعكس ذلك على الإرث الفنّي وثقافة المُجتمع الإيرانيّ عموما وخصوصاً على مظهريّة المرأة التي رُبّما فقدت الثقة في التحديث، وهو ما قد ينجرّ عنه رفض لإقامة الحُدود بين التطوّرات التكنولوجيّة والمؤسّسة الدينيّة التي رُبّما تحدّ من الحرّيات الاستهلاكيّة داخل إيران.

في الحقيقة إن الواقع الفُسيفسائي للمجتمع الإيراني قد شكّل تأزّما واضحا بسبب انقسام المجتمع إلى من هو متمسّك بالموروث الفارسيّ وآخر مُتطلّع نحو التجديد. وفي المُقابل محاولة الفنّان الإيراني كشفت ذلك الجهل وضيق الأفق والتزمّت والانغلاق على الذّات التي لا تقتصر فقط على إعاقة المُشاركة الفاعلة في صياغة الذات المبدعة، و إنّما بتداعياته ونتائجه يصبح أيضا في طاحُونة العنصريّة الموجّهة ضدّ صورة المرأة ومظهريّتها، ويُضعف من إمكانيّاتها وفاعليتها وآفاقها. فتراوح شادي غادريان بين الإشكاليّات المُعاصرة والمَرجعيّات الإسلاميّة الإيرانيّة التُّراثيّة،  تفعيلا لحِسّها النّقدي السّاخر.

نلاحظ أن داخل العمل الفنّي هناك تطّلّع إلى كيفيّة تواصل الماضي ﺒالحاضر، ومُحاولة للتذكير ﺒالأجواء القاجاريّة في خضمّ واقع تعيشه المرأة الإيرانيّة كلّ يوم. ورُﺒما ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻤﺎ ﻜﺎﻨﺕ ﻟﺘُﻁﺭﺡ ﻋﻠﻰ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺼُّﻭﺭﺓ ﻟﻭ ﻟﻡ ﻴﻜﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺸﻲﺀ ﺠﺩﻴﺩ ﺃﺨﺫ ﻴﺸﻕّ ﻁﺭﻴﻘـﻪ ﺒﻔﻌل ﺍﻟﻭﻋﻲ ﻭﺍﻟﺸﻌﻭﺭ ﺒﺎﻟﻐﻠﺒﺔ ﻭﺍﻟﻘﻬﺭ ﻨﺘﻴﺠﺔ التحوّل الاجتماعي ﺒﻌﺩ الثّورة الإسلاميّة الإيرانيّة.

ﻭﻤﻤّﺎ ﻻ ﺸﻙّ ﻓﻴﻪ أن ﻫﺫﻩ ﺍﻹﺸﻜﺎﻟﻴّﺔ الذاتيّة ﻤﺎ ﻜﺎﻨﺕ ﻟﺘﻁﺭﺡ ﻭﺘﺠﺩ ﺼﺩﺍﻫﺎ ﻓﻲ فكر المُجتمع الإيراني، ﻟﻭ ﻟـﻡ ﻴﻜﻥ الإﺤﺴﺎﺱ ﺒﻀﺭﻭﺭﺓ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺭ ﻭﺍﻟﺘﻘﺩّﻡ ﻗﺩ ﺸﻕّ ﻁﺭﻴﻘﻪ ﻭﺍﺼﻁﺩﻡ ﻤﻨﺫ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺒﻌﻘﺒﺎﺕ ﻭﺤﻭﺍﺠﺯ ﺍﺴﺘﺩﻋﺕ ﺤﻭﺍﺭﺍﹰ فنيًّا نسائيًّا ﺤﺎﻤﻴﺎﹰ ﻴﺴﺘﻬﺩﻑ ﺍﻟﺨُﺭﻭﺝ ﻤﻥ ﺩﺍﺌﺭﺓ ﺍﻟﺘﺨﻠّﻑ الذي تعيشه المرأة المُسلمة في ظلّ هويّات ذاتيّة مُتضاربة ومُتناحرة منذ العصُور الأولى من تاريخ إيران.

لكن هذا التغيير الذي تُناشده الفنانة الإيرانيّة شادي غادريان يستلزم فهم واقع المُجتمع الذي تعيش في داخله المرأة الإيرانيّة من جميع النواحي. و مع ذلك يظلُّ الجسد المغترب مُلتبسا خاصّة في التشكيل الإيراني النّسائي المُعاصر، حيث يتلاحم فيه الأسطوري بالواقع والخيالي بالحقيقة التي تناشدها لبناء الدولة العصريّة التي تتحقق على مستوى العادات وطرائق عيش المرأة وأنماط الحياة اليوميّة. وقد يبلغ الأمر أحيانا إلى حد إنتاج صور فوتوغرافيّة كاريكاتوريّة داخل نُزعة تحديثيّة. وبما أنّها مُتحوّلة في أشكالها ومضامينها في الزّمان والمكان، فهذه الصّوُرة التي أمامنا  (صورةرقم2) ليست ثابتة ولا تقبل الإحالة عليها إلاّ من حيث هي منظومة من القيم  التي تتعارض مع الأخلاق المُقنّنة للتقليد.

كانت في أغلب الأحيان صورة مظهريّة المرأة ومشاركتها الفوتوغرافيّة مسارًا للنقاش والجدال وحتى الصّراع الذي لا ينقطع داخل السّاحة الفنيّة، وكلّما تغلغلنا في صفحات تاريخها حتى العهد القاجاري أو تقدمنا به إلى العهد البهلوي ووصولاً إلى عهد الثورة، لسوف نجد أن هذا الجدال لا يتناقص وإنّما يتزايد يومًا بعد آخر. ومن المُحتمل أنّ سُؤال التقليد والتحديث في إيران، السّؤال الصّعب اليوم على جميع المستويات السياسية والثقافيّة والفنيّة وحتى الاجتماعيّة و”الانتروبولوجية” المتعدّدة الجُذور والأعراق. و هو ما دعى شادي غادريان إلى التعبير عن رغبة المرأة الإيرانيّة في التّجديد ومواكبة التطوّرات الرّاهنة وتحوّلاتها المُتنوّعة بعيداً عن التغريب الذاتي.

ربّما نستشفّ من عملها هذا الحقل المعرفي الذي نكتشف من خلاله الواقع الفني الإيراني. نجد فيه العديد من المفاهيم النقديّة ذات النفس الاحتجاجيّ. إذ تتعامل المصوّرة مع الصُّورة من خلال علاقات معرفيّة وسلطويّة، حيثُ تقوم بإخضاعها لعمليّة تشريحيّة دقيقة وعميقة وتُحوّلها بالفعل إلى موضوع للذّات.

إنّها تستخلص تاريخ المرأة الإيرانيّة نفسها، أي من خلال العلاقات القائمة بين الذات المُغتربة وبين الخضوع للماضي أو الذوبان في العولمة. فهي تمزج المُعالجة البنيويّة والتحليل التاريخي في الصورة الفوتوغرافيّة، كقضيّة وثيقة الصّلة بالواقع الاجتماعيّ والسياسيّ. وقد تُمعن المُصوّرة تأمّلا في التّراث القاجاريّ، وتلتقي في نفس الوقت بالحيثيّات النسويّة في التحرّر من وجع الماضي. ومن خلال هذه  الصورة نستشف ذلك النفس التقليديّ والحداثي لأن كل شيء تقريبا على ضوء موقف معين. فهذا العمل الإنتاجي يمثل بطاقة هوّية لصاحبه. بالإضافة إلى ذلك يحمل الفنّ الإيراني المعاصر مساءلة للموروث الفارسيّ والفنّي، بمعنى كلّ مساءلة لكل محتويات الماضي من أفعال تشكيلية وتراث وثقافة، لبناء أسس جديدة للمستقبل والمعاصرة، وهذه المعاصرة لا تتم إلاّ عن طريق ما سبق.

تضعنا شادي غادريان من خلال عملها قاجار 1998 أمام “أنثروبولوجيا” اللّباس داخل الحياة اليوميّة للمرأة الإيرانيّة قبل وبعد الثّورة الإسلاميّة التي تستند أساسا إلى السّياق الثقافي والأيديولوجيّ. وبذلك لم يعد ارتداء الحجاب في إيران يمثّل قرارا يعبّر عن رغبة في تحقيق تمييز صارم بين ما هو إسلامي وما هو تقليدي أو غربي على صعيد لباس وجسد المرأة.

في خضم إشكاليّة مظهريّة المرأة بين الماضي والحاضر، تبحث الباحثة “خديجة صبّار” في كتابها  “المرأة بين الميثولوجيا والحداثة” عن واقع المرأة  في المخيال التُّراثي العربي والإسلاميّ  من خلال الأمثال الشعبيّة  ضدّ المرأة، حيث تمارس هذه الثقافة القمع المعرفيّ والجنسيّ على المرأة وإغراقها  في بحر من النّقائص أو يصبحُ لها امتداد من شأنه أن يؤسّس عميقا لهويّتها التي غابت عنها طويلا فتقول حول ذلك: “موضُوع تحريم وأصل الخطيئة، يُمكّنها أن تكون أي شيء ما عدا أن تكون إنسانا تاريخيّاً، لها وضع اجتماعي وسياسيّ وثقافيّ”[9]. فقد حظيت المرأة بأدوار قيّمة في العديد من النّصوص الأسطوريّة القديمة، فهي الربّة والآلهة وهي الفاعلة والمُسيطرة وهي صاحبة القوى الخارقة وهي فوق كل ذلك المعشُوقة، وآلهة الحبّ والجمال والخصب… ولا تتوقّف وظيفة الأمثال عند حدود رسم معالم الحياة الاجتماعيّة للمرأة الإيرانيّة ورصد أنماط سُلوكها، بل تتعداه إلى تقديم نموذج يُقتدى به.

لكون مظهريّة صورة المرأة محور بحثنا وإشكاليّتنا في هذا العنصر، فإنّنا نغوصُ في سيميائيّاتها النقديّة الإيديولوجية بالتحليل الذي اعتمده رولان بارت في كتابه “أسطوريّات، أساطير الحياة اليوميّة”[10]. فبالنسبة إلى شادي غادريان، إذا كانت صُورة المرأة نتاج تواضع جماعي فهنالك أيضا لغة فوتوغرافيّة مُتواضع عليها تشتمل على علامات وقواعد ودلالات لها جذور في التمثّلات الاجتماعيّة السّائدة. بهذا المعنى، فإن قراءة الصُّورة الفوتوغرافيّة ليست جردا لدوالها التقريريّة بل عليها أن تبحث عن المدلُولات الإيحائيّة للوُصول إلى النّسق الإيديولوجي.

تحولت أحداث هذه الصُّورة (صورة قاجار) إلى جملة من العلامات المُتحوّلة والمفاهيم التي تملأ “الأسطورة” بتواريخ جديدة، أي بمعرفة الواقع الذي تعيشه المرأة الإيرانيّة والتي يستند إليها القارئ أثناء قراءته التي بَرمجتها هذه الفنانة لحظة إنتاجها. وبالتالي فإن هذه الصُّورة تعمل على تسجيل ما هو تاريخي وما هو ثقافي (بالمعنى “الانتروبولوجيّ” للكلمة).

استنادا إلى صُورة “الراديو” المُمسكة به المرأة في الصُّورة الفوتوغرافيّة “قاجار”، هو في الأصل علامة رمزيّة قدّمتها الفّنانة كوسيلة احتجاجيّة  تكشف عن تمزّق الجسد الأنثوي وتشيّئِه بين العولمة والتقاليد. فمرجعية صورة “الرّاديو” التي اعتُمدت في هذه الصُّورة هي نوعاً من الوسائل التكنولوجيّة المُتطوّرة التي رُبما قد حوّلت المرأة في حدّ ذاتها إلى آلة مُهمتها تنظيف البيت وترتيبه. ويُمثّل هذا الراديو عنصرا معزولا. حيث أنّ المُتفرّج يقوم بشكل سابق بانتقاء العناصر المميّزة لهذه الصُّورة للتعرّف على علاقتها بالعناصر الأخرى التي لا تمتُّ لها بصلة نظرا لاختلافهم الزّمني. إن هذه الصُّورة لا يمكن قراءتها إلا من خلال التعرّف على أشيائها والتعرّف على معناها. حيث أن الرّاديو، الذي يبدو في الصُّورة بشكل جليّ، سيتم تسريبه من خلال نظرتنا لوضع المرأة المُغتربة. ونظرتنا هذه هي مُدركة لواقع الصُّورة غير المادي واللاجوهري، وهو ليس واقعا معزولا بل هو في الحقيقة ما يتسرّب إلى الذّهن وهو صُورة مجردة.

يمكن القول في هذا الإطار أن الأمر يطال التجربة النمطيّة التي تقوم بربط علاقة دلاليّة بين بعض العناصر التي تنتمي إلى تجربة بصريّة وبين تجربة لسانيّة، أي مدلولات، تُترجم ما يعطى عن طريق الأيقونة إلى مضمون لساني.

لقد أدركنا في هذه الصورة الفوتوغرافيّة سؤالا عن القيمة الفنيّة، ألا وهو سؤال عن الزّمن. فأغلب صُور غادريان في سلسلة أعمالها “قاجار” قد تبدو لنا وكأنها فكّ لعدة أسئلة، فكل مرّة نلاحظ أن الإجابة زمنيّة محضة. فمن خلال مُساءلتها للهويّة الذاتيّة قد قامت بتثبيت الزّمن في الصُّورة معتبرة الزّمن في جوهره مسألة اتصال وامتداد، يتجاوز جهود اللحظة الفوتوغرافيّة وسعيها إلى المُحايثة والآنيّة. و يذكّرنا هذا التمشي الفوتوغرافي في الصُّورة بطريقة “هوشني” الذي يشتغل على عمليّة الإدراك البصري في بُعدها الواقعيّ، “فقد اهتم بامتداد الزّمن كإنتاج يُجسد “كرونولوجيّة” اللحظات و اتصالها في عمليّة مشاهدة الصُّورة”[11]. فهذه الأزمنة المُختلفة التي تُذكّرنا بها شادي غادريان في صور قاجار هي امتداد النظر عبر الفوتوغرافيا، التي لا تتم إلاّ بتواز مع تقطيع الفضاء وتركيبه من جديد. أي أن جميع النظرات إلى هذا الفضاء، هي تقطيع في المكان (الأستوديو) واتّصال النظرات يرتبط بتجزيء الفضاء الذي يُشكّل موضوع الصُّورة الفوتوغرافيّة.

غير أن هذه الفنّانة لا تتناول في موضوع الصورة إلاّ جزءا مستقلاّ من فضاء محدود وخاصّ جدا، وهذا الفضاء هو عبارة عن مشهد من حضور رُكحي، يستدعي المُشاهد التمعّن في لباس المرأة الإيرانية باعتبارها فعلاً في الزمن، وتكتفي في بعض الأحيان بإثارتنا بلحظات ثابتة من عهد القاجار. ومن خلال سلسلة أعمالها (قاجار) تشخّص عدّة أوضاع تخصّ المرأة وهيئات لموضوع مُشترك، ألا و هو ذلك الصّراع القائم بين الحضارات المتواترة على إيران وتأثيرها على مظهريّة المرأة. فمن خلال توثيق اللحظات التاريخيّة، تُمسك شادي بالزمن وتُوقفه، ليس للتذكير بل للسُّخرية من واقع المرأة المُضطرب. ومن هنا نُلاحِظ نزع الفنّانة كلّ بعد أسطوري وثيق الصّلة بالتّقليدي. فتُسائل هذه الفنانة اليومي والعادي والعابر، إلا أن هذا العابر يتحوّل إلى مكان للتوتّر والسّؤال الحقيقي.

وبما أنها تتخذ من الحداثة “السّجل” أو المدوّنة التي بواسطتها نتمكن من الفهم الأعمق للواقع المعيش، أين يتّخذ الدّاخل الإيراني بعدا إشكاليًّا بما أنه يصبح ضدا للوطن ولكنه كذلك وطن مؤقّت أو دائم على المستوى الشخصي أو الجماعي. هل أنّ مظهريّة نساء غادريان في الصورة الفوتوغرافيّة، هي في الحقيقة امتداد للعصر القاجاري و للموروث الفارسي عموما، أم هي مُحاولة للقطع مع مفهوم الاستشراق في الفن الإيراني؟

 

المراجع:

  • حسن كريم الجاف، موسوعة تاريخ إيران السياسي، المجلد الرابع، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى،بيروت، 2008.
  • فريد الزّاهي، العين و المرأة، الصُّورة و الحداثة البصريّة، منشورات وزارة الثقافة، الرباط-المغرب، 2005.
  • جانيتي و لوي دي ، فهم السّينما، ترجمة جعفر علي، دار الرّشيد للنشر، بغداد، 1981.
  • مهدي كلجان، رحلات ناصر الدين شاه القاجاري إلى بلاد الإفرنج، المجلّد الثاني، ثقافتنا للدراسات والبحوث، إيران،
  • خديجة الصبار، المرأة بين الميثولوجيا والحداثة، إفريقيا الشرق، بيروت، لبنان، 1999 .
  • رولان بارت، أسطوريات، أساطير الحيات اليوميّة، ترجمة د.قاسم المقداد، دار نينوى للدراسات للنشر و التوزيع، دمشق-سوريا،2012.
  • Marie-Claude Lutrand, Behdjat Yazdekhsti, Au-de la du voile , femmes musulmanes en Iran, L’Harmattan, Paris,2002.
  • Gaspard Drouville, Voyage en Perse, fait en 1812 et 1813, Chapitre 1, éd. POCHARD, Tome2, 1825.Paris.
  • David Hochney, Thames and Hudson, AlfredA Knopf, New York, 1984.

[1] حسن كريم الجاف، موسوعة تاريخ إيران السياسي، المجلد الرابع، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى،بيروت، 2008،ص 296.

[2]  فريد الزاهي، العين و المرأة، الصُّورة و الحداثة البصريّة، مصدر سابق، ص145.

[3] جانيتي و لوي دي ، فهم السّينما، ترجمة جعفر علي، دار الرّشيد للنشر، بغداد، 1981، ص  25.

[4]https://www.bm-lyon.fr/expositions-en-ligne/shadi-ghadirian/exposition/article/propos-de-l-artiste

[5]  مهدي كلجان، رحلات ناصر الدين شاه القاجاري إلى بلاد الإفرنج، المجلّد الثاني، ثقافتنا للدراسات والبحوث، إيران، 2010. ص 116.

[6]Marie-Claude Lutrand, Behdjat Yazdekhsti, Au-de la du voile , femmes musulmanes en Iran, L’Harmattan, Paris,2002. P 154, 156,158.

[7]Gaspard Drouville, Voyage en Perse, fait en 1812 et 1813, Chapitre 1,  éd. POCHARD, Tome2, 1825.Paris 29, 30,31.

[8] مهدي كلجان، رحلات ناصر الدين شاه القاجاري إلى بلاد الإفرنج، مصدر سابق، ص 107-186.

[9]  خديجة الصبار، المرأة بين الميثولوجيا والحداثة، إفريقيا الشرق، بيروت، لبنان، 1999 ، ص89.

[10]رولان بارت، أسطوريات، أساطير الحيات اليوميّة، ترجمة د.قاسم المقداد، دار نينوى للدراسات للنشر و التوزيع، دمشق-سوريا،2012.ص 15.

[11] David Hochney, Thames and Hudson, Alfred A Knopf, New York, 1984.P11.