لا تكمن هاته الخطورة فقط في ما يقترفه البوليس من فضاعات، بل أيضا في أنّنا لا نرى رأسا يحكم هذا الجهاز يمكن أن نطالبه بأن يفرض على أعوانه احترام الدولة والقانون. ما نراه في الواجهة هم إما أفراد أو تشكيلات أمنية على الميدان (مثال في طبربة أو رادس) أو نقابات أمنية تحكم بأحكامها (واقعة محكمة بن عروس، منع عروض كلاي وفرقة البحث الموسيقي، التهديد بعدم تأمين المنشآت أو النواب…) ولا نلمس لوزير الداخلية أو لرئيس الحكومة أو للعدالة أي ذرّة سلطة على هؤلاء. صيرورة الاحداث منذ الثورة فنّدت تفسيرات العنف البوليسي المبنيّة على منطق الخضوع للتعليمات ووضعتنا أمام واقع مخيف: جهاز البوليس هو جسم له هامش واسع من الاستقلالية في علاقة بالدولة والعنف الذي يمارسه على الشعب هو تطبّع اكتسبه هذا الجسم.

العنف البوليسي: الأولوية لمن هم خارج دائرة ضوء النظام

خُمسي اليفرني وبشير السماتي وعمر العبيدي. الأول مات دهسا خلال احتجاجات جانفي في طبربة والثاني من شباب الحْوُمْ الشعبية مات تحت التعذيب والثالث شاب من مجموعة الفاندالز المشجعة للنادي الإفريقي. ثلاثة حالات تلخص قسوة البوليس على من هم تحت. فخُمسي اليفرني خرج إلى الشارع مع أمثاله من شباب طبربة للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية واحتجاجا على غلاء المعيشة ضمن موجة الاحتجاجات التي عمّت البلاد في جانفي والتي أشعلت فتيلها حملة ”فاش نستناو“. هؤلاء يزعجون السلطة التي تريد مسيرات معلومة المنظمين وذات مضامين هادفة ومسؤولة وتكتفي برفع شعاراتها برهة من الزمن في النهار وخلال التوقيت الإداري إن لزم الأمر. بشير السماتي هو نموذج من شباب الحْوُمْ الشعبية التي تخضع يوميا للهرسلة البوليسية بتعلة البحث عن ”المفتش عنهم من المنحرفين وأصحاب السوابق“ واللذين يمنعهم الشرطي من دخول شارع الحبيب بورقيبة و”الأحياء الراقية“ ليحافظوا على حسن مظهر واجهات البلاد ولا يقلقوا راحة المواطنين الصالحين. أما عمر فهو من أبناء مجموعات الفيراج التي ما فتئت تتحدّى سلطة البوليس داخل الملاعب.

أثناء الاحتجاجات التي عقبت جنازة خمسي اليفرني. طبربة، جانفي 2018. (صورة لكالوم فرانسيس هوغ)

خُمسي وبشير وعمر شخصيات ثلاثة لخصت عنف البوليس تجاه كل المصنفين سلبيا داخل المجتمع ممّن وضعهم النظام على الهامش (الأحياء الشعبية والجهات الداخلية) ومن يعارضونه بأساليب لا يحبّذها (الحملات الشبابية والحركات الاجتماعية). نلاحظ في نفس الوقت خلال هذه الفترة التي تلت هروب بن علي أن المجموعات السياسية والنقابية المناضلة لم تعد تحت سطوة البوليس. فالأحزاب التي عارضت النظام صارت اليوم ممثلة تحت قبة البرلمان وصارت البطحاء تحت حماية قارة وأعتى المعارضين أضحوا من الشخصيات التي تحظى بشرعية التواجد في رحاب السلطة، إن ليسوا كحاكمين فعلى الأقل كأطراف وازنة في الساحة السياسية. تطوّر المشهد بعد الثورة حتّم حركة من التموقع وإعادة التموقع لدى أغلب الفاعلين ومنهم البوليس الذي أعاد تشكيل خارطة القمع. لكن المحدّد في رسم الحدود واحد: أن تكون جزءا من النظام يعطيك الحماية. ومنها: قوات حفظ النظام.

الهشاشة الزرقاء:  محاولة لقراءة الوضع

خلال فترة الدكتاتورية كان لجهاز البوليس موقع واضح: هو يحمي منظومة النهب والاستبداد بينما يُشرعن أعلى هرم السلطة لتواجده كجزء أساسي من النظام عبر تمكينه من الهيمنة على مختلف دواليب الدولة وأجهزتها. تسلّط البوليس من تسلّط الدكتاتور. رحل الدكتاتور لكن جسم الجهاز البوليسي لم يقبل أن يتخلى عن موقع الهيمنة. هنا تكمن الهشاشة: فعلى نحو ”الهشاشة البيضاء“ و”الهشاشة الذكورية“، يعبّر مفهوم الهشاشة عن حالة من الهستيريا التي تنتاب أي جسم في موقع هيمنة (الأبيض في حالة الهشاشة البيضاء، الرجل في حالة الهشاشة الذكورية) وعن ردود فعله العنيفة لمّا تتمّ مقاومة ما يتمتع به من امتيازات. اليوم لم يعد لجهاز البوليس أي سبب ليحتل ذلك الموقع المهيمن على المجتمع بين أجهزة الدولة، لكنه لم ولن يقبل بالتنازل بسهولة ودخوله ضمن صفوف باقي الأجسام المكونة للمجتمع. من هذه الزاوية، تغوّل النقابات الأمنية يندرج في هذا الإطار لصياغة استراتيجيا ”نقابية-عسكرية“ مبنية على المراوحة بين المطالب المادية والمطالب القانونية (كقانون جزر الاعتداءات على الأمنيين) وخطاب سياسي يعوّض رأس النظام السابق: النقابات الأمنية تحمي الأعوان من عواقب التجاوزات بقدرتها على التجييش وهي التي تنتج الخطاب الإعلامي المبني على الإبتزاز والترهيب الذي يشرعن للجسم البوليسي أن يحافظ على موقعه المهيمن ضدّ خطاب الجمعيات والمنظمات الحقوقية. وبما أن سلطة البوليس اليوم موضوع  انتقاد ومساءلة، صار لا يتوانى عن إظهار قوته الخارقة وتعاليه في كل مرة تتاح له الفرصة لذلك: إذلال المشجعين عند دخولهم للملعب، قنابل مسيلة للدموع موجهة ضد الفيراج، قمع شرس للاحتجاجات التي تقلق راحة النظام، تواتر لحالات التعذيب ضد شباب الأحياء والحْوم الشعبية، إذلال للمواطنين المصنفين سلبيا عند الإطلاع على بطاقات هوياتهم في المناطق الراقية ودعوتهم للعودة من حيث أتوا. على مستوى آخر، نرى تكاثر السيارات الغير خالصة معاليم الجولان وغير الخاضعة للفحص الفني وذات النوافذ السوداء واللوحات المنجمية ذات الكتابة الصغيرة التي تكاد لا تُقرأ إلخ. الرسالة واضحة: ”نحن فوق القانون!“

واقعة محكمة بن عروس

من أجل تحسين موازين القوى لصالح المصنفين سلبيا

يبقى اليوم السؤال مطروحا: ما العمل تجاه كل هذا العنف؟ سؤال لا ينفي وجود مناضلين يقاومون هذا العنف البوليسي: ففي كل مرة يتجند المحامون والجمعيات والمنظمات الحقوقية ليشكلوا دعما لضحايا العنف البوليسي والتعذيب. كذلك تندرج حملة #حاسبهم ضمن مجهود لتعزيز شبكات الإسناد للضحايا. إلا أن طبيعة هذه التحركات بقيت في سياق حقوقي بحت في غالب الأحيان. مهما تكاتفت المجهودات، لم نشهد على أرض الواقع إلا تعزيزا لمنظومة الإفلات من العقاب. أن يحكم قاض بكامل مداركه العقلية في وضع عادي على بوليس بالسجن أو حتى أن يعترف بمسؤوليته في قضية ما يعتبر ضربا من الخيال العلمي. فـكما قال فوكو في تحليله لعلاقة السلطة القضائية بالبوليس  ”القضاء في خدمة البوليس، تاريخيا ومؤسساتيا“.

يجب إذا تحليل هذه الاعتداءات سياسيا من زاوية الفئات المستهدفة. من المفروغ منه أن السلطة السياسية إما تستعمل جهاز البوليس لتحمي نفسها أو تغض النظر عن تجاوزاته لتقاطع مصالحها الآنية مع مصالحه. لكن الأمور قليلا ما تتم بهذا الوضوح. حتى وإن مارس البوليس العنف في سياق هامش الحرية والمناورة التي يتمتع بها ضمن أجهزة الدولة والمجتمع، فإنه بعد أن استقرت موازين القوى بعد 2014 لم يتمّ الاعتداء على التحركات التي ينظمها الأحزاب التي استوعبها نظام الحكم البرلماني (الجبهة والتيار الديمقراطي…) ولم يتم الاعتداء على التحركات التي تقررت تحت سقف هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل بينما تعرض المغردون خارج سرب المعارضة الممأسسة إلى عنف ممنهج خاصة في الجهات وإلى رمي للغازات المسيلة للدموع داخل الأحياء وإيقافات عديدة (المظيلة وتطاوين مؤخرا). البوليس يرسم جيّدا الحدود بين من هم في رحاب النظام، أي من هم أطراف معه على طاولة الحكم والتسيير والمعارضة والمفاوضة، وبين من هم خارج دائرة ضوء النظام القائم واللذين يصنفون في خانة الأعداء: هو استبطن دوره كأداة قمع طبقي وعنصري بين أيدي الفئات المهيمنة.

الدعوة لأمن جمهوري مثل الدعوة إلى أعراف يحترمون قانون الشغل أو لبرجوازية وطنية تستثمر في الجهات المحرومة أو لمثقفي  نظام لا يحملون خطابا عنصريا مليئا بالحقرة والاستعلاء الطبقي. لا يمكن فرض ممارسة على فئات لا مصلحة لها فيها. كلها مهام سياسية لن تتحقق سوى عبر تحسين موازين القوى لصالح الفئات الشعبية والمهمشين والمقصيّين. وليس عبر دعوة من لبس الزي إلى أن يتذكر أنه هو نفسه من المهمشين والمقصيّين.