بين ضفتّي المتوسّط، ورغم الإختلاف البيّن على صعيد التاريخ والنظام السيّاسي، بين بلد مسلم في شمال أفريقيا ودولة أوروبية لائكية. تواجه هاتين الدولتين –تونس وفرنسا-ظاهرة الإرهاب بعد أن صار كلاهما هدفا لعمليّات دمويّة ومثّل مواطنوهم النسبة الأكبر من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلاميّة.

قد يبدو هذا النهج مفاجئا، لكن بالنظر إلى أوجه التشابه، بدا مناسبًا لـ Orient XXI ،بمساهمة CCFD Terre-Solidaire، إعداد هذا الملّف الذّين يقارن جهود كلّ من تونس وفرنسا في حربهما ضد الإرهاب. إذ تسلّط سلسلة المقالات المنشورة الضوء على أوجه الشبه بين الأوضاع في بلد مغاربي وبلد غربي دون إسقاط التباينات وعلاقات الهيمنة. هذا التحليل المتقاطع والقائم على مقاربة غير دارجة بعد ُفي أنماط الكتابة الصحفيّة ستمّكن القارئ من الخروج من بوتقة القراءة الثنائية والتبسيطيّة.

إذا كان نقص المصادر والأرقام قد جعل من التحليلات مهمّة صعبة، فإنّها تبدو اليوم ضروريّة أكثر من أي وقت مضى. لا يُعدّ الإرهاب ظاهرة حديثة ولا يمكن حصر تمثّلاته في وجه واحد. فمنذ 11 سبتمبر 2001، انخرط العالم في “حرب أزليّة على الإرهاب” بقيادة الدول الغربيّة ردّا على هجمات التنظيمات التي تتبنّى قراءة معيّنة للإسلام ترى أنّها تستجيب للسياسات العدوانيّة الغربية. رغم ما حظيت به تلك الهجمات من تغطية اعلاميّة واستثمار سياسيّ مبالغ فيهما، إلاّ أنّ الحرب الدوليّة على الإرهاب فشلت.

لقد كانت الحرب الأمريكيّة ضدّ الحليف “الإرهابيّ” السابق صدّام حسين سنة 2003 أحد أكثر فصول هذه الحرب الدوليّة دراماتيكيّة. إذ ادّى التدخّل العسكريّ الأمريكيّ إلى تمكين تنظيم القاعدة من إيجاد موطئ قدم لها في العراق ممّا مهّد الطريق لاحقا لظهور تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش). ومنذ ذلك التاريخ، تزايد عدد الهجمات الإرهابيّة، ممّا اضطر الأوروبيين إلى الاعتياد على العيش مع الخوف. هذا الخوف الذّي عايشه وإعتاده سكان العديد من الدول العربية و/أو المسلمة كالأفغان والعراقيين واليمنيين على سبيل المثال لا الحصر كي لا نعدّد سوى من انطلقت معاناتهم منذ 11 سبتمبر 2001. إلاّ أنّهم لا يحضون بالتضامن أو التعاطف من قبل المجتمع الدوليّ نتيجة لتصنيفهم كإرهابيّين أو حاضنة للإرهاب بدلا من اعتبارهم ضحايا.

هذا وقد كشفت مجموعة من الأطباء الحائزين على جائزة نوبل للسلام في تقرير لها سنة 2015، أن “الحرب على الإرهاب” أودت بحياة مليون مدني عراقي و220 ألف أفغاني و80 ألف باكستاني (دون حساب ضحايا الطائرات بدون طيار أو حرب الخليج الأولى). في نفس السنة، تعرّضت فرنسا إلى عدد من الهجمات التّي تبّناها أنصار أو أعضاء تنظيم الدولة الإسلاميّة. لكن وعلى عكس النرويج، التي دعت إلى الانفتاح والوحدة عقب الهجوم الإرهابي الذي نفّذه اليمينيّ العنصريّ أندريس بريفيك، اختارت فرنسا سياسة الميز والتقسيم واستراتيجية أمنيّة بحتة على غرار الولايات المتحدة الأمريكيّة. وبينما ذهبت أغلبيّة الراي العام إلى أنّ تلك العمليّات تهدف إلى النيل من “قيم” الجمهوريّة الفرنسيّة، فقد تمّ التغافل عن وجهة النظر التّي تعتبر التدخل الفرنسي في الشرق الأوسط أو إفريقيا أحد أسباب تلك الهجمات. لكن كيف يمكن تفسير حقيقة أن غالبية الهجمات الإرهابيّة استهدفت البلدان الإسلامية على غرار تونس التّي تصدّرت موجة الثورات العربية. ثورة وُلدت من رحم حقبة استبداديّة دعم خلالها الرؤساء الفرنسيون المتعاقبون زين العابدين بن علي فقط لأنّه كان في نظرهم حصنا ضد إرهابٍ مثّلت سياساته تربة خصبة لتكوّنه؟

في فرنسا كما في تونس، تواظب الحكومات المتعاقبة على التشبث بالحل الذي أثبت أنه غير ملائم، وذلك عوض التفكير في تطبيق سياسة دائمة وناجعة. وقد يبلغ بهم الأمر حد توظيف مكافحة الإرهاب في أطر لا علاقة لها بشيء، وهو ما أدانته المنظمات غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية أو هيومن رايتس ووتش.

في المقال الأول من هذا الملف، عادت زهرة المختاري إلى مفهوم الإرهاب. و”الإرهاب” مثل “التطرف” و”السلفية” هي مصطلحات تُستَخدم دون أن يتم تفسيرها. إلى ماذا يحيل الإرهاب في فرنسا وتونس وفي العالم؟ من هو “الإرهابي” أو “المقاوم”؟ لماذا لا تُصنف أعمال نشطاء اليمين المتطرف كإرهاب، وعندما يكون هؤلاء الأشخاص مسلمين يصنَفون كذلك بشكل شبه ممنهج؟ هذا المصطلح ليس مُعرّفا بوضوح في النصوص التشريعية، وبالتالي كيف نكافحه؟ كانت تونس إلى وقت قريب بمنأى نسبيا عن الإرهاب، ومن الآن فصاعدا صار يُطرح السؤال. التونسيون باتوا الأكثر تمثيلية في صفوف الدولة الإسلامية، والفرنسيون كذلك لم يتخلفوا عن الركب. ما الذي يدفع الفرنسيين والتونسيين إلى مثل هذا الخيار؟ ملاك الأكحل وياسين النابلي يحاولان تفسير ذلك. وأين يتم تجنيد النشطاء؟ السجون صارت مكانا سانحاً، لذلك يتوقف جيريمي فيلكوفسكي على السياسة السجنية التي تقود إلى سجن “المجرمين الصغار” و”الإرهابيين” في نفس الأماكن.

رغم الانتقادات الموجهة لهذه السياسة ولبقية التدابير الأمنية، فإن الإجابة كانت عبر تشديد القوانين والقمع المهدّد للحريات الأساسية. لقد ذهبت فرنسا إلى حد إبلاغ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 24 نوفمبر 2015 بعزمها على الانتقاص من الحقوق المضمونة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ومن قبل الأمم المتحدة. من جهته تحصّل الرباعي للحوار الوطني التونسي، المتكون من الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، على جائزة نوبل للسلام سنة 2015 من أجل “مساندته للانتقال الديمقراطي” وذلك بعد أربعة أشهر من الهجمات الإرهابية على سوسة ورغم القمع المكثف آنذاك. إضافة إلى هذا تُحصي حسينة مشاي سجل تجاوزات حالة الطوارئ، الموضوعة من قبل فرنسا بالجزائر سنة 1955 طيلة الحقبة الاستعمارية من أجل اضطهاد حركات المقاومة، وفي تونس سنة 1978 تاريخ الإضراب العام، وتوظيفها في كلا الدولتين.

في مثل هذا السياق، كيف يتفاعل المجتمع المدني؟ يشرح سيريل ليمبا المبادرات المقدمة في هذه المجتمعات التي تنخرها البطالة والهشاشة وأشكال أخرى من عدم المساواة، وهي عوامل انحراف نحو الإرهاب حسب الدراسات التي أجريت، ولكن الحكومات لم تتحرك بعد بشكل مُجدي ضدها.

تم إعداد هذا الملف من قبل وردة محمد من أوريون XXI، بمساهمة مع أليس تشامسيكس من CCFD Terre-Solidaire وثامر المكي من نواة و كاتي ستون وجيمس براونسل منThe New Arab . وهو متوفر باللغة الفرنسة على أوريون XXI وباللغة الأنجليزية على The New Arabوباللغة العربية على نواة. كل الشكر إلى اللاتي والذين ساهموا في هذا الملف.


من السجن إلى داعش: أي بدائل في تونس وفرنسا لمجابهة هذه الظاهرة؟

في فرنسا كما في تونس، مثّلت السجون أحد الفضاءات التّي يتمّ فيها استقطاب أو تكوين الإرهابيين المستقبليين. بعد أن أيقنت السلطات محدوديّة سياساتها وأمام إكتظاظ السجون، تحاول الحكومات في البلدين تكييف منظومتها التشريعية وأساليبها في التعامل مع هذه الظاهرة.



حالة الطوارئ في فرنسا وتونس: غياب النجاعة وانتهاك للحقوق والحريات

"الحرب على الإرهاب" التي تُخاض على نطاق عالمي بلغت ذروتها، وقد كان لفرنسا وتونس نصيب منها. وفي خضم البحث عن حلول للهجمات الإرهابية لسنتي 2015 و2016 لجأت الدولتان إلى عدد من التدابير الأمنية، من بينها حالة الطوارئ. ولكن على ضفتي البحر الأبيض المتوسط تقع إدانة العديد من التجاوزات التي رافقت هذا الإجراء.



بين فرنسا وتونس: سردية الجهاد تتغذى من التهميش الاجتماعي

من تونس إلى فرنسا، تَرك المئات من الشبان -على امتداد السنوات الفارطة- بلديهما للالتحاق بجبهة القتال السورية. هذه الهجرة التطوعية التي تحضنها فكرة "الجهاد تحت راية الخلافة الإسلامية" جعلت فرنسا وتونس تتصدران المراتب الأولى في تزويد التنظيمات الجهادية المسلحة بالعناصر البشرية. وقد ساهمت أيضا في قلب المسارات المعيشية للمئات من الشبان، الذين اندفعوا بحماسة إلى مغادرة حدودهم الجغرافية والركض وراء سراب الأمة المُتخيلة. بين فرنسا وتونس يُطرح السؤال دائما حول العوامل التي ألقت بكل هؤلاء إلى مثل هذا الخيار، هل أن سردية الجهاد كافية لوحدها أن تمارس جاذبيتها الخاصة عليهم أم أن الواقع بمستوياته المتشابكة ساهم في صناعة هذه التجربة؟



تونس-فرنسا: تعبئة مواطنية ضد القمع بإسم مكافحة الإرهاب

منذ سلسلة الهجمات التي ضربت فرنسا سنة 2015 وحالة الطوارئ التي تلتها، يرى الكثير من الفرنسيين أن حقوقهم قد انتُهِكت. وهكذا فإن بعض الجمعيات الفرنسية والتونسية، وكذلك الأفراد، يتجندون يوميا من أجل الدفاع عنها وإدانة التجاوزات المرتكبة.



الإرهاب: من أين يُستمد هذا الإسم؟

ماهو الإرهاب؟ التشريعات الفرنسية والتونسية والدولية ليست واضحة، والأمم المتحدة لديها صعوبات جمة في تحديد مفهوم يتغير معناه وفقا لمستخدميه. من هذا المنطلق كيف نحارب شيئا ليس واضح التعريف؟



تونس-فرنسا: الإرهاب، تحدّ مشترك لضفّتي المتوسط

منذ سنة 2015، وخلال النقاشات الدورية التي جمعتنا بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لفت انتباهنا تقارب الأوضاع بين فرنسا وتونس بخصوص مسألة الإرهاب، من ضمنها؛ إقرار حالة الطوارئ كإجراء طبيعي، والجدل حول سحب الجنسية وحول الشباب المهمش أو الذي أضاع بوصلته، والرابط بين السياسات السجنية والتطرف... من خلال مسألة الإرهاب، وخلف الروابط التاريخية التي تجمع الدولتان، لاح لنا أن المجتمعين الفرنسي والتونسي، كمجتمعين شقيقين، يمران بصعوبات مشتركة. وقد تبعتها نقاشات بين CCFD-Terre solidaire و"أورينت XXI"، وهكذا وُلدت فكرة القيام بتحليل مقارن بين فرنسا وتونس بخصوص مسألة الإرهاب.