لم يسبق لحركة النهضة، منذ انتخابات 2014، أن تشبثت بموقف يخالف الاتجاه السياسي العام في البلاد، تحت مبررات التوافق مع نداء تونس. لذلك بدا موقفها الرافض لتغيير رئيس الحكومة يوسف الشاهد والمغامرة بتكوين حكومة جديدة قبل عام ونصف من الانتخابات التشريعية والرئاسية لافتا ويستحق النظر فيه مليّا.

يدرك راشد الغنوشي جيدا أن موقف حزبه، الذي تسبب في عدم الوصول إلى اتفاق بين الموقعين على وثيقة قرطاج وبالتالي إعلان الرئيس التونسي تعليق العمل بها مثلما ذكر الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يتمترس في صف الداعين للإطاحة برئيس الحكومة الحالي إلى جانب نداء تونس، أنه يغامر بالمكسب السياسي الأبرز الذي حققه على رأس النهضة منذ عام 2014، أي فلسفة التوافق التي ساهمت في “تصالح” الحركة مع أجهزة الدولة بما في ذلك منظومتها القديمة ممثلة في حزب نداء تونس، مما قد يهدد بعزلة الحركة مجددا، وهي خشية يتقاسمها قياديون بارزون في النهضة منذ أشهر، وتحديدا منذ تلويح حزب النداء بفك الوفاق عقب هزيمة مرشحهم في الانتخابات الجزئية بألمانيا. لكن مقابل ذلك، يرى تيار واسع داخل النهضة أن “عدم تقديم مزيد من التنازلات”، كما صرح الغنوشي نفسه عقب فشل مفاوضات “قرطاج 2″، سيحقق للحركة مكاسب سياسية تفوق في حجمها “الخسائر” المرتقبة.

تركيز خطاب النهضة على حجة الاستقرار ينطلق من قراءة داخلية في صفوف قيادات نهضوية بارزة عززتها نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، التي تقدمت فيها الحركة على “حليفها” نداء تونس، مفادها أن الناخبين التونسيين حافظوا، رغم حالة العزوف، على الوضع القائم المتمثل في قيادة حزبين كبيرين للمشهد السياسي، بل مَنحوا الحركة المركز الأول مجددا، إضافة إلى ما بات في خانة اليقين في تونس من رفض شعبي واسع لفكرة “التغيير العشوائي” للحكومات المتعاقبة منذ الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي. وبالتالي سيعزز موقفها الرافض لتغيير الشاهد صورة “الحزب المتماسك الرصين الذي يستحق ثقة الناخبين”. كما تستند النهضة إلى معطى آخر غاية في الأهمية يتمثل في تماسك كتلتها البرلمانية، وهي أكبر الكتل النيابية، مقابل حالة التشتت التي تعيشها بقية الكتل بما في ذلك مجموعة نداء تونس غير المتجانسة في علاقة بموقف الحزب من مصير ابنه يوسف الشاهد. وبالتالي يدرك العقل السياسي النهضوي أن لعبة التوازنات البرلمانية لن تسمح بأي تغيير حكومي دون موافقة الحركة، خاصة وأن سيناريو تفاقم الأزمة الذي يستدعي اللجوء إلى انتخابات برلمانية مُبكرة يبدو غير وارد حاليا بسبب الانقسامات التي يشهدها نداء تونس والتي لا تؤهله لخوض غمار انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

حسابات رئاسيات 2019 تبدو حاضرة بقوة أيضا، فموقف النهضة سيقف حجر عثرة أمام الطموحات المتزايدة لنجل الرئيس والمدير التنفيذي لحزب نداء تونس حافظ قائد السبسي الذي يرى نفسه، حسب مصادر متقاطعة داخل حزبه، مرشحا للاستحقاق الرئاسي المقبل، وهو ما يفسر موقفه المتصلب ضد رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد الذي يفكر هو الآخر في الموعد الرئاسي. ولن تحرج النهضة ابن السبسي فحسب، وإنما هي تحرج بموقفها الداعم لمقولة الاستقرار السياسي الرئيس الباجي قايد السبسي نفسه الذي تفيد مصادر سياسية عديدة أنه لن يترشح للانتخابات القادمة ولكنه حريص على الحفاظ على ضبابية الموقف في الوقت الحالي حتى لا يزيد في تأزيم الوضع السياسي في ظل التهافت “غير المسؤول” على الرئاسة كما يقول مقربون منه. ستُحرج النهضة الرئيس، فإن انحاز لموقف ابنه يكون قد خرج عن “حياده” المفترض وعزَّز الاتهامات الموجهة ضده بكونه “رهين حكم العائلة”، وإن لم يدفع في اتجاه الإطاحة بالشاهد سيكون قد أضعَف موقف ابنه داخل نداء تونس الذي يعيش صراعات داخلية لم تعد خافية على أحد، وفي الحالتين تكون النهضة الفائزة بمنطق الربح والخسارة في عالم السياسة.