لا يقتصر هذا النزيف على الهجرة القانونية، ففي سنة 2011 فقط سجلت وزارة الداخلية الايطالية قدوم ما يقارب 20 ألف تونسي إلى أراضيها بشكل غير قانوني. لكن هذه المغامرة لا تنتهي دائما بشكل سليم فحوض البحر الأبيض المتوسط يعتبر مقبرة المهاجرين حيث سجل في 2017 فقط غرق ما يقارب 2200 مهاجرا، فيما وصل إلى السواحل الايطالية ما يقارب 180 ألف شخص من جنسيات مختلفة خلال نفس السنة. هذا النزيف الذي يتواصل من الجانبين له عدة أسباب عدى الاسباب المادية، فلماذا رغم الاستقرار الذي تعيشه تونس على الأقل في الجانب الأمني فهي تحتل المرتبة الثانية ضمن قائمة الدول العربية في عدد المهاجرين.

مآسي لا تتوقف بسبب قوارب الموت

قبل كتابة هذه الأسطر بساعات قال المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة فلافيو ديجياكومو  “إن 230 لاجئا غير  نظامي تم انقاذهم اليوم في البحر المتوسط و يُنتظر  وصولهم غدا إلى ميسينا الأيطالية”. لكن قارب آخر لم يكتب له نفس المصير قبل أيام بعد أن غرق إثر إبحاره بساعات من جزيرة قرقنة مخلفا مأساة في تونس تتمثل في غرق 75 مهاجرا تونسيا في حصيلة أولية أعلنتها حسب وزارة الداخلية. المركب كان يُقل أكثر من 200 مهاجر ا غير نظامي أغلبهم تونسيون رغم أن بعض المصادر أكدت أن طاقة استيعاب المركب لا تتجاوز 75 راكبا. حدثت المأساة رغم تحذير الصحافة الإيطالية من خلال تقرير نشر في جريدة “تي جي” نبه إلى أن شبكات الهجرة السرية قد وجدت طريقا جديدة من السواحل التونسية و أن 2000 مهاجر ا قد وصلوا إيطاليا خلال 48 ساعة فقط. نفس المأساة تقريبا حصلت السنة الماضية في أكتوبر 2017 بعد أن اصطدمت خافرة للجيش التونسي بقارب للمهاجرين، وقد ذهب ضحية الحادثة 46 تونسيا . حافظ الميعادي شاب تونسي يبلغ من العمر 26 سنة كان أحد الناجين من حادثة الغرق يعاني الى الآن من إضطرابات نفسية بسبب ما رآه ليلة غرق المركب، ويقول في هذا السياق “مضى على غرق المركب أشهر لكن لازالت تراودني كوابيس مفزعة في النوم ووجوه الغارقين تتجول في عقلي”. لم يحظى حافظ بالإحاطة النفسية اللازمة، مما جعل أزمته النفسية بسبب المغامرة التي خاضها تتواصل، و عن ليلة الغرق يقول حافظ ” كانت مأساة بكل ما للكمة من معنى، كان المركب يبحر بسرعة كبيرة، فجأة صوت قوي تبين بعد أن مصدره اصطدام المركب بخافرة للجيش، انقلب المركب و بدأ الجميع بالصراخ، كان مشهدا بائسا و حزينا، الكل يحاول النجاة فتجد واحدا يحاول النجاة من خلال الإمساك بآخر  بجانيه، و تجد الأخير يصرخ و يحاول السيطرة على نفسه، بدأت أسبح  للوصول إلى الخافرة وكانت الجثث تسبح أمامي فأحاول إبعادها ثم أواصل السباحة، كان مشهدا مفزعا”. نجا حافظ بأعجوبة من الغرق بعد أن وصل إلى خافرة الجيش التي تمكنت من إنقاذ 120 مهاجرا.  مأساة حافظ و كوابيسه و مشاكله النفسية تعيد نفسها مع الناجين، لكن المصيبة الأكبر تحل بأهالي الضحايا.

الأسباب المباشرة التي تدفع للهجرة غير النظامية

بعد أربع سنوات قضّاها محمد المومني، 34 سنة أصيل منطقة جبل الجلود غرب العاصمة التونسية، في إيطاليا، قرر عدم خوض مغامرة الهجرة ثانيا نظرا لما عاشه من مشاكل كبيرة في غربته.  هاجر محمد في ديسمبر سنة 2008 لكنه عاد بعد 4 سنوات أملا في تغيير ما قد يحدث في تونس بعد الثورة. يعتقد محمد اليوم أن  الأسباب التي تدفع الشباب لركوب قوارب الموت موجودة في تونس بكثرة، بل أكثر مما كانت عليه قبل الثورة “الشيء الوحيد الذي يمنعني من خوض التجربة ثانية هي عائلتي وزوجتي وابني، لكن أن تعيش كريما في تونس فذلك صعب جدا، لا يوجد عمل، يتحدثون عن تشجيع الشباب في الإعلام و لا نرى شيئا هنا، هذا إضافة إلى انعدام الكرامة”. على الجانب الآخر  و في مدينة المحرص، التابعة لولاية صفاقس، يحاول حافظ العودة إلى قاعة المسرح من خلال الاشتراك في عمل مسرحي يجسد الحادثة. رغم ما عاشه حافظ من أحداث أليمه إلا أنه لم يتنازل عن حلمه ببلوغ السواحل الإيطالية حالما تتاح له الفرصة، إذ يقول “لا يوجد ما يبقيني هنا،تونس مليئة بالأثرياء و مليئة بالفقراء أيضا، حتى قاعة المسرح التي نتدرب فيها يملكها أحد الخواص، لا يوجد وسيلة ترفيه، لا يوجد عمل، عندما أرى أصحاب الشهائد العليا يهاجرون بالآلاف كل سنة، فكيف سأفكر أنا الذي لم أتجاوز مرحلة الابتدائي” . لم تختلف تصريحات المختصين عن تصريحات محمد و حافظ. مسعود الرمضاني رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية أشار  إلى أن وضعية تونس اليوم و ماتعيشه من أزمات إقتصادية وسياسية قد أثرت بشكل مباشر على الوضع الاجتماعي، قائلا “لم تعد هناك أي قناعة بأن المستقبل سيكون أفضل، لايوجد أي حوار جدي مع الشباب لإقناعهم بدورهم في بناء تونس، غياب المشاركة الشبابية في كل ما يتعلق بمستقبل البلاد، لا يوجد دور شباب محترمة و مواكبة للعصر تستوعب الطاقة الكامنة عند الشباب، كل هذه أسباب تدفع الشباب إلى المخاطرة بدل البقاء في تونس دون عمل”.

هجرة الكفاءات : نزيف أخر يهدد تونس

بينما اختار جزء كبير من الشباب الهجرة بطرق “غير قانونية”، اختار  جزء آخر طرق مضمونة وقانونية، و في الوقت الذي وصل إلى السواحل الايطالية آلاف التونسيين عبر قوارب الموت، وصلت إلى دول أوروبا وأمريكا آلاف الكفاءات التونسية التي اختارت الرحيل من تونس لأسباب كثيرة. غانم السليمي، طبيب مختص في التبنيج يقيم منذ أشهر في إحدى ضواحي باريس و يعمل في مستشفى صغير  في العاصمة الفرنسية، درس الطب في كلية الطب بمدينة سوسة واشتغل لمدة سنة قبل أن يقرر  الهجرة إلى فرنسا. كانت السنة التي قضاها غانم بأحد مستشفيات العاصمة السبب وراء قرار الهجرة، ويتحدث عن هذه التجربة قائلا “بعد الثورة اختلطت المفاهيم و ازدوجت المعايير و أصبح حارس الباب يتحكم في مستشفى جامعي، فعندما ترى بأم عينيك كيف يهين عامل بمستشفى طبيبا قضى حياته في الدراسة، فهذا بالنسبة لي سبب كاف للهجرة، لكن بالنسبة لي الوضع المادي و الدراسة هما السببان الرئيسيان للمغادرة”. يعتقد غانم أن قرار الهجرة بالنسبة إليه قرار صائب بالنظر إلى التجربة الثرية التي يتلقاها هناك، مع توفر جميع الآلات الطبية رغم صغر المستشفى الذي يعمل به، إضافة إلى المعاملة الجيدة التي يتلقاها رغم أن أجره في السنة الأولى لم يتجاوز 1200 يورو. لكن الجانب المضئ في قصة غانم أن هجرته لن تطول حسب قوله “لن أمضي كل حياتي في باريس، هاجرت من أجل هدف معين وهو اكتساب التجربة و الدراسة و في حال تمكنت من تحقيق أهدافي سأعود إلى تونس من أجل تدريس الجيل القادم”.

تقول أرقام منظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية في تقرير صدر أواخر العام 2017 أن أكثر من 94 ألف كفاءة غادرت البلاد منذ سنة 2011 وهو رقم ضخم جدا جعل تونس في المرتبة الثانية عربيا من حيث هجرة الكفاءات. أضف إليهم وجود 85 ألفا من الإطارات في الخارج. أمّا الاختصاصات التي تجد رواجا في الخارج فهي الهندسة والطبّ والبحث العلمي والتعليم الجامعي والقضاء. وعرفت هجرة المهندسين، خاصّة في مجال الإعلامية، تزايدا في السنوات القليلة الماضية حيث أفاد أحد المسؤولين في شركة تونسية متخصّصة في البرمجيات أنّ سنة 2017 شهدت استقالة حوالي 80 من المهندسين العاملين في الشركة بسبب عروض أوروبية مغرية.

حالة إحباط متفشية و غياب تام للحلول

في مواجهة النزيف المتواصل من الجانبين تقف الحكومة عاجزة، خاصة مع بوادر انفجار أزمة سياسية جديدة. تحاول فرق الانقاذ إنقاذ أكبر عدد ممكن من المهاجرين وفي الوقت نفسه تواصل الأطراف السياسية المشاورات لتجنب أزمة سياسية أخرى بعد تصريحات رئيس الحكومة الأخيرة. ايمن .ع صاحب الـ30 ربيعا يعمل مهندس برمجيات في شركة ألمانية منتصبة بتونس، وأحد المتابعين للشأن السياسي باهتمام. رغم الراتب الجيد الذي يتقاضاه إلا أنه دفع بملفه للهجرة إلى كندا في أحد المكاتب وسط العاصمة. يعتقد ايمن أن “غياب مشروع وطني” هو السبب الرئسي الذي دفعه لقرار الهجرة، “لا  أريد أن أعيش في كل هذه الفوضى، ليس هناك أية نية لإصلاح الوضع، ازداد عدد الأثرياء في تونس و في المقابل تفجّرت الطبقة المتوسطة، أغلبهم انحدر إلى الفقر و الأقلية أصبحت برجوازية بيروقراطية تعتاش على الرشوة، في تونس أصبح المستقبل غير واضح”. شهور قليلة تفصل ايمن عن السفر بعد أن حصل على موافقة مبدئية من ولاية كيبيك الكندية و يسعى اليوم إلى استكمال كل الوثائق اللازمة. يرى ايمن و آخرون أن قرار الهجرة بعيد كل البعد عن الدوافع المادية، فحسب رأيهم ليس هناك أية مؤشرات تشجعهم على التضحية من أجل الوطن و ليس هناك أية إرادة سياسية للإصلاح، وعن الدوافع الأخرى للهجرة يقول ايمن ” تونس بلد جميل لكن تسيير أي بلد جميل بطريقة سيئة يجعله سيئا، فإذا أردت شراء منزل في تونس يجب أن تحصل على قرض بمدة خلاص تفوق الـ 20 سنة، إذا  أردت الحصول على سيارة يجب أن تحصل على قرض بمدة خلاص تفوق الـ 7 سنوات، إذا أردت بعث مشروع يطالبونك بالتمويل الذاتي و إذا تمكنت من بعث المشروع ستأكلك الحيتان الكبيرة خلال سنة أو سنتين” .

يرى مسعود الرمضاني أنه “بمجرد توفير فرص عمل لائقة للشباب وإلاهتمام أكثر  به وإقناعه بضرورة البقاء للمساهمة في بناء المستقبل، وتوفير وسائل ترفيه للشباب وعَصرنة دور الثقافة والشباب و الأهم إشراكه في العمل السياسي ستنخفض وتيرة الهجرة بشكل ملحوظ”. لكن من جانب آخر  وفي انتظار حلول جذرية من الدولة لمنطقة المحرص يظل حافظ يراوده حلم الوصول إلى سواحل أوروبا، و في إنتظار تحسين مستوى العيش و مكافحة الفساد و إرساء حياة سياسية قادرة على استيعاب الشباب هاهو ايمن .ع يجمع حقائبه للسفر ، و في انتظار توفير حد أدنى من التجيهزات الطبية و إعادة هيكلة المستشفيات العمومية وإرساء ثقافة العمل في تونس هاهو غانم السليمي ينتظر في باريس تغييرا قد يأتي و قد لا يأتي.