واستغرب أن يرتكب مجموعة من المغالطات منها :أنه اعتبر أنني قلت ”أن هؤلاء الشبان الذين ابتلعتهم حيتان المتوسط هم وحدهم المسؤولون عن مآلهم ومصيرهم” والحال أنني دعوت إلى تغيير عدسة النظر إلى الهجرة السرية والنظر إلى الموضوع من زوايا مختلفة ورفضت أن ”نلقي بالمسؤولية الكاملة على الحكومة والساسة.” وحملت ”«دعاة الحرقة» الذين يبيعون قصص النجاح الوهمية” المسؤولية أيضا ولم أغفل عن دور الأسر في حماية الأبناء والتبليغ عن المجرمين الذين يتزعمون شبكات الهجرة. وتكمن مغالطة أخرى في القول ”من غير المعقول، كما ترى الأستاذة قرامي، أن نُلبس ظاهرة الهجرة السرية لبُوسا سياسيا” وهنا يتعمّد الباحث حذف كلمة لها دور في توضيح الدلالات فما قلته هو :”لا يمكن أن نستمر في التعامل مع ملف الهجرة السرية على هذا النحو فنظهره في لبوس سياسي صرف” وشتان بين رفض اختزال التحليل في بعد واحد سياسي والزعم بأنني أرفض تسييس الظاهرة. ومن مظاهر التجني في مقال الباحث أن يجعل دوري هو نصب المحاكم إذ يقول الباحث:” أرادت الأستاذة قرامي أن تحاكم الضحايا وحدهم” مسقطا بقية ما ورد في افتتاحيتي من إشارات تعبّر عن رفض أحادية الطرح وتحمل المسؤولية لأطراف متعددة.

وأستغرب أيضا كيف يسعى باحث في علم الاجتماع إلى تثبيت التنميط طيلة ردّه. فجميع الذين ‘حرقوا ‘ هم ضحايا المنوال الاقتصادي والسياسات التعليمية و… ، والحال أنّه يعلم علم اليقين أنّ منهم من ترك وظيفته وفضل الحرقة، ومنهم من ترك فرصة استكمال مساره الدراسي وفضّل “الحرقة” ومن ثمة لا يمكن أن نتحدث عن الجمع المتنوع والمتعدد (من حيث التجارب الحياتية والمستوى التعليمي…) في صيغة الجمع المنسجم الذي يمثل كتلة واحدة وهي كتلة الضحية وأن نسعى إلى كتم تعدد الأصوات والسرديات في مقابل ترسيخ صوت واحد وسردية أحادية .

وأستغرب أيضا أن يتجاهل الباحث الفئة التي “حرقت” من شواطئنا وهي لا تنتمي إلى المجتمع التونسي وأسباب رغبتها في الهجرة قد لا تكون بالضرورة نفس الأسباب التي أبرزها الباحث. فلم الحديث عن “الشباب” وكأن الجميع من تونس؟ هل معنى ذلك أنّ هؤلاء “الأجانب” لا يستحقون التفاتة من باحث متخصص في علم الاجتماع؟ هل معنى ذلك أنّ تجاربهم لا تهمّ؟

أمّا ما لا أستغربه لأنني قد اعتدت عليه فهو التعامل مع الفكر المختلف والقول المختلف من زاوية تسعى إلى تشويه الآخر وتجريده من البعد الأخلاقي والمعرفي فصناعة العدو صارت حرفة. وكل من هو”ليس معي فهو ضدي” ولذلك فأنا “أعادي أوهام الحس المشترك”.وما لا أستغربه أيضا هو أن الذي يعرض وجهة نظر مختلفة عن السائد يتحول بالضرورة إلى “كلب حراسة للسلطة” ولم يكلف الباحث نفسه النظر في افتتاحياتي طيلة 7 سنوات فهل هي مندرجة في إطار حراسة النظام؟ وهل من الموضوعية أن نتهم الآخر بأنه متواطئ مع النظام لأنه عبر عن آراء أخرى استمع إليها ومصدرها لا السلطة كما يزعم الباحث بل فئة من عامة الناس… هي الأم التي تروي مأساتها حين يرفض الولد العمل ويصمم على محاكاة أقرانه ف’يحرق”… هي الأخت التي سرق الأخ مصوغها وأموالها في سبيل أن يحقق حلمه… هو الأب الذي لا يفهم سرّ افتتان الولد ب”الحرقة”… هي قصص تسمعها حين تقرر أن تصغي إلى الأصوات المختلفة التي تعترف بأنها عجزت عن الإقناع والمحاججة… ولكن حين نعبر عن هذه الأصوات وعن حيوات أخرى نتهم بالاصطفاف وراء السلطة… إنّ الموضوعية تقتضي أيضا أن لا نقصي القصص التي لا تعجبنا.

وما لا استغربه هذه النبرة الاستعلائية التي تسعى إلى التفاعل مع الآخر من موقع “تلقين الدروس” وادعاء امتلاك المعرفة والحقيقة وفرض وجهة النظر. فقد طالبنا “الغربالي” بأن نحلل تجربة الترويكا و المناويل الاقتصادية و السياسات التعليمية والثقافية وغاب عنه أننا في الافتتاحية نختار زاوية صغيرة لنعرض فيها موقفا، ولا نستطيع في الحيز المتاح أن نحلل كل الأبعاد فللمقال الأكاديمي مواصفاته وللافتتاحية مواصفاتها.

كنّا نودّ أن تتعدد مقالات التحليل لأنها تكمّل بعضها وتسعى إلى محاولة فهم الظواهر من زوايا مختلفة ووفق مقاربات متنوعة. كنا نود أن يكون النقد رصينا لا ينمط: “المثقفون المغالطون وكلاب الحراسة الجدد في تونس” ولا ينطلق من الأعمومات…

ولكن عندما تنقلب مقالات الرأي إلى تضليل وتشويه خطاب الآخر ودروس فهذا ما لا يعدّ في نظرنا، نقدا نزيها بل هو “كلام على الكلام بتصرّف مشين”.