بقلم د.مكرم السافي، باحث بيولوجي بمعهد باستور بتونس،

إن الملفت للانتباه في منظومة البحث العلمي ببلادنا هو غياب شبه تام لثقافة الملكية الفكرية والصناعية –خاصة لدى أغلب الزميلات و الزملاء- فنحن أمام إشكال خطير ومعضلة كبرى وجب الوقوف عندها بالمعالجة اللازمة، إشكال أطلقت عليه ظاهرة نزيف الاختراعات. فالأدمغة التي اختارت أن تعمل على أرض الوطن في ظروف صعبة وشاقة من أجل إعلاء شأنه والرقي به، نجدها تقوم في غالب الأحيان بنشر أعمالها واكتشافاتها على صفحات المجلات العلمية وعرضها في المؤتمرات الدولية، دون أي حماية قانونية عبر آلية إيداع براءات الاختراع لدى الهياكل الوطنية والدولية المختصة. وللتذكير فان أي عمل يتم عرضه بأي شكل من الأشكال حتى وإن كان شفويا فهو يصبح غير صالح للحماية الصناعية ويعتبر إهدارا للمجهود البشري القيّم لباحثينا وللمال العام معا بما أن أغلب الأبحاث العلمية مموّلة بالأساس من طرف الدولة.

ويعود نزيف الاختراعات التونسية إلى أمرين أساسيين: أولا عدم إرساء ثقافة الملكية الفكرية والصناعية داخل الجامعات ومراكز البحث. وهنا نتساءل كيف لبلد يضم كمّا هاما من الباحثين ويتصدّر مجموع الدول الإفريقية والعربية في عدد النشريات العلمية، مقارنة بعدد سكانه1، وله تاريخ محترم في الاكتشافات الطبية، منذ ابن الجزار مرورا بأعمال شارل نيكول واكتشافات أخرى كالتوكسوبلاسما، أن لا نجد في البرامج التكوينية لجامعاته مواد تدريس تُعنى بقوانين وقواعد حماية الملكية الفكرية والصناعية؟ لذلك نرى الباحث ينجز عمله دون الأخذ بعين الاعتبار احترام سرية النتائج وضرورة التكتم على اختراعاته إلى حين حمايتها عبر تحرير وإيداع براءات الاختراع. وهنا ننتقل إلى الخوض في السبب الثاني لنزيف الاختراعات وهو غياب الأطر الهيكلية التي تمكننا من حماية اختراعاتنا. فعملية تحرير براءة الاختراع في ذاتها تحتاج إلى مهارات عالية وأخصّائيين متمرسين في الميدانين العلمي والقانوني على حد السواء. وبحكم اطلاعي في هذا المجال فإني أؤكد هنا أنه لا وجود في بلادنا لأي مختص في تحرير براءات الاختراعات، ولعل هذا وحده يمثّل سببا كافيا لتفسير المرتبة المتدنية التي تتبوأها بلادنا ضمن التصنيف الدولي، الذي تنشره سنويا المنظمة العالمية للملكية الفكرية، اعتمادا على عدد براءات الاختراع الصادرة عن كل بلد 2.

لذلك يضطر الباحث المهتم بحماية اختراعه في أغلب الأحيان إلى تحرير براءة الاختراع بنفسه، وهو ما يمثل هشاشة للبراءة يسهل لأي مختص أن يقدح في مصداقيتها أمام المحاكم ويحيلها إلى العدم. إضافة إلى ذلك فإن المؤسسة الوطنية التي نودع لديها مطالب البراءة، وهي المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية، هي كذلك غير قادرة على إعانة الباحث عبر تقييم علمي وقانوني لمطلب براءة اختراعه كما هو معمول به في جل البلدان الأخرى، وهنا أيضا وجب الإشارة إلى أن تلك المؤسسة تفتقر هي ذاتها إلى مختصين في المجال، ومن هنا لا لوم عليها ففاقد الشيء لا يعطيه.

ولو سلمنا أن الباحث قام بكتابة البراءة بطريقة مثالية، وهو شيء مستبعد نظرا للحرفية العالية التي تتطلبها عملية تحرير براءات الاختراع، فإن مجرد إيداعها لدى المؤسسة الوطنية آنفة الذكر لا يمكّنه سوى من حماية اختراعه على الصعيد الوطني لا غير، رغم أن الأولوية تبقى له من أجل الحماية على الصعيد العالمي لمدة سنة منذ تاريخ إيداع مطلب براءة الاختراع. أما إذا رغب المخترع في حماية عالمية في دول تمثل أسواقا كبرى كأوروبا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، فإنه لا مناص له من الاعتماد على مكتب مختص في واحدة من تلك الدول كي يهتم -لا بالتحرير فقط- بل أيضا بالإيداع ومتابعة المطلب لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وكل هذا يستلزم أموالا يجب رصدها للمكتب المكلف، ولدفع الإتاوات السنوية بكل دولة تحصّل فيها المخترع على حماية براءة اختراعه.

و للأمانة فإن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي حاولت إيجاد بعض الحلول للباحثين الذين أرادوا حماية اختراعاتهم على الصعيد العالمي إلا انّه في أغلب الأحيان يتخلى الباحث عن تتبع ملفه نظرا للتعقيدات الإدارية ومستلزمات الحماية خاصة في غياب هيكل تابع لمؤسسته يُعنى بكل مراحل حماية الاختراع وتثمينه، ومن ثمة ضمان قيمة مضافة يمكن أن تدر أموالا طائلة على مركز البحث أو الجامعة وعلى البلاد عموما. وحتى يقف القارئ على أهمية البحث العلمي في بناء اقتصاد قوي، قد يغني عن الثروات الطبيعية الزائلة لا محالة، عليه الالتفات إلى دول كاليابان وفلندا وكوريا الجنوبية التي تتصدر الترتيب العالمي في النمو الاقتصادي والبشري اعتمادا على القيمة المضافة الهائلة التي يدرها البحث العلمي عبر آليات براءات الاختراع وتثمين الاكتشافات.

إن نزيف الاختراعات الذي تشهده بلادنا -رغم نشاط وحيوية باحثيها- يعد من أهم التحديات التي وجب العمل على مجابهتها عبر حلول عملية وجب تسخير كل الطاقات المادية والبشرية لأجل تحقيقها والتي يمكن حصرها، كالآتي:


  1. إدخال الملكية الفكرية كمادة أساسية في المنظومة التربوية ودفع ثقافة الملكية الفكرية، لا في الجامعات فقط بل أيضا في التعليم الثانوي، ولما لا في التعليم الابتدائي.
  2. 
 إحداث هياكل بكل جامعة ومركز بحث، على غرار ما يقع في الدول الرائدة في تثمين البحث العلمي، تتكون من مختصين في الملكية الصناعية، ويعملون بالقرب من الباحثين من أجل دراسة إمكانيات حماية اختراعاتهم والاهتمام بملفات تحرير وإيداع مطالب براءات الاختراع. وتقوم هذه الوحدات في نفس الوقت بربط الصلة بالمؤسسات والصناعيين من أجل التعاقد معهم لتثمين الاختراعات و إيصالها إلى السوق، وهو ما سيكون له الوقع الإيجابي على مركز البحث أو الجامعة التي ستحصل على إيرادات إضافية لضخها في المخابر دعما للباحثين، مما سيعود بالنفع على مردودية البحث، ومن هنا ندخل في الحلقة الإيجابية لإنتاج الفكر والعلم والاختراعات. فإنتاج القيمة المضافة يعود ايجابيا (positive feedback) على منظومة البحث والاقتصاد معا.
  3. 
 تكوين أخصائين في مجال تحرير براءات الاختراع، حتى نقلص من الالتجاء إلى المكاتب الأجنبية حفاظا على العملة الصعبة ومن أجل ضمان العمل المباشر والمستمر بين المحررين والباحثين. يُوجه التكوين إلى من لهم زاد علمي جيد في مجال اختصاصهم، إن كان ذلك مثلا في البيولوجيا أو الميكانيك، والذين يتلقون فيما بعد تكوين قانوني جيد حول الملكية الفكرية، وتكوين في تقنيات كتابة البراءات اعتمادا على المصطلحات الدقيقة المعمول بها عالميا.


لقد شنّفت سابقا آذان الباحثين بالبلاد التونسية بعديد البرامج والإصلاحات التي طغت عليها الشعبوية أكثر من الجدية، التي من المفروض أن تطغى على كل معالجة فعالة لنزيف الاختراعات. وقد تعالت ولا زالت عديد الأصوات الرسمية وغير الرسمية بانتقاد أعمال الباحثين ونعتها بالطوباوية وابتعادها عن الواقع وضعف مردوديتها، دون مراعاة لظروف البحث وغياب الأطر اللازمة لتثمين الاختراعات، فالأدمغة التي اختارت البقاء في البلاد لن تعود عليها بالفائدة الاقتصادية المرجوة إذا بقيت اختراعاتها تنشر، دون أي حماية على صفحات المجلات العلمية والمعلقات الحائطية بالمؤتمرات العلمية.

إن منظومة البحث العلمي في أي بلد أراد الاعتماد على الفكر لبناء اقتصاد قوي وجب أن تتكون من ثلاث حلقات مترابطة لا غنًى عن أي واحدة منها؛ أولها حلقة التكوين الأكاديمي الجيد اعتمادا على التحديث المستمر لمناهج التعليم وتطويرها بما يتماشى مع متطلبات العصر، لتأتي بعدها حلقة الدعم المادي واللوجستي لمخابر البحث، وأخيرا الحلقة الأهم هي الغائبة في بلادنا، والمتمثلة في حماية الاختراعات وتثمينها بما يخدم المصلحة الوطنية. إن غياب هذه الحلقة يعد إهدارا للمال العام، وواجبنا الوطني يحتم علينا القيام بربط هذه الحلقة، لنكوّن سلسلة متماسكة في بناء اقتصاد المعرفة.

الهوامش

  1. تتبوأ تونس المرتبة الأولى عربيا و إفريقيا في عدد النشريات العلمية قياسا بعدد سكانها حسب إحصائيات معتمدة على مصادر
  2. انظر التصنيف الدولي، الذي تقوم به المنظمة العالمية للملكية الفكرية، اعتمادا على عدد براءات الاختراع الصادرة عن كل بلد.