زيادة على ذلك نظرياَ، الإعلام النزيه المِهني هدَفُه عرض امين للقضايا، ويَقِف على مسافة واحدة مع جميع الأطراف التي يتعاملُ معها؛ فلا يُجامِل طرفًا على حساب الآخر، ولا يَتحامَل عليه؛ لأنَّ كلَّ هَمِّه الوصول إلى الحقيقة، فليس همُّه إحداثَ السَّبق الصحفي، ولا هدَفُه تشويه فَصيل يَختلِف معه في الرُّؤى، ولا يَستخدِم إعلامه من أجل تحقيق مَآرب شخصيَّة أو مؤسَّسيَّة. الهدف يبقى طرح المواضيعَ مهما كانت نوعها سياسية او اجتماعية أو علميّة أو ثقافية بشكل هادف وجدي، والتي من شأنها أن تجذب الناس وخاصة الشباب وتحفّزهم للتأمل في معاني المسؤولية والمبادرة والإبداع والابتكار والهدف يبقى خدمة المجتمع والنهوض به. لنقيس الآن واقع الإعلام العربي بكافة أشكاله المرئي والمسموع والمقروء، بما فيه العالم الافتراضي على المثال النظري الذي سبق ذكره. وبما انه تشخيص اي مرض او علة يبدا بالسؤال والتساؤل، فيما يلي بعض الأسئلة التي يمكن ان تساعدنا على ذلك. 

هل الاعلام مقيد؟

تقييد الاعلام أداة لاعماء الشعب، وجره بدون بصر أو بصيرة. وتستخدم السلطات آليات متنوعة حسب الحالة التي تتناولها، منها قطع الإعلانات التجارية عن الصحف المعنية وحملات التشهير بها بل واللجوء الى القضاء، وذلك في ظل إعادة إدخال الجنح الصحافية الى القانون الجزائي. فاذا كان الاعلام مقيد فان الخوف والمراقبة الذاتية تلجم الصحافيين عن التطرق للمشاكل الحقيقية للامة خوف من التهم التي تكون جاهزة. ففي مصر مثلا كل شخص ينتقد النظام او يعمل مراسل لقناة معارضة (كقناة الشرق او مكملين او الجزيرة …) او يظهر على شاشتها يتهم بالتخابر ونشر أخبار كاذبة تضر بالأمن القومي. أن الأمر “تعدى الاعتقال بغرض الترهيب، فقد بلغ ما هو أخطر، كما جرى مع السياسي ايمن نور، صاحب قناة الشرق، بهدم مركزه الثقافي، والكاتب سليمان الحكيم، بهدم منزله كما تروي الجزيرة  لظهورهم في قنوات معارضة.

هل الاعلام يعتذر عند الخطء؟

مثل أي مهنة تجمع الصحافة والإعلام مختلف النوعيات من البشر، السيئ والجيد، الشريف والفاسد، كما أنها غير مبرأة من الخطأ، أغلب العاملين في مهنة الصحافة والإعلام يقعون في أخطاء كبيرة وصغيرة ومتوسطة، متعمدة او غير متعمدة؛ او لفساد أو لجهل من الصحافي والإعلامي. الاخطاء المتعمدة قرينة على الفساد ولا يتبعها عادة أي اعتذار. اما الأخطاء الغير المتعمدة إذا تبعها اعتذار فيكون عادة مقبول ويدل عادة على نزاهة الصحافي او الوسيلة الإعلامية. 

هل الاعلام يثير الفتن؟

للإعلام مسؤولية اجتماعية ووطنية ومن واجبه ان يتطرق للمشاكل او الاحداث التي يتعرض لها الوطن بالنقد والتحليل والنقاش البناء من طرف اهل الخبرة في الموضوع وذلك للمشاركة في أجاد الحلول الناجعة. فأما إذا كان الاعلام يتطرق الى هذه المواضيع والاحداث بهدف رمي المسؤولية على جهة معينة او فصيل مجتمعي بدون دليل ومن طرف اشخاص يستدعون لإدلاء بآرائهم وهم غير ذوي خبرة او اختصاص في الموضوع المطروح للنقاش والدرس، فتضع وسيلة الاعلام نفسها في شبهة فساد خاصة لما يكون الانحياز بائنا ودائما ضد نفس الجهة بتحميلها المسؤولية. بهذا التصرف تضع وسيلة الاعلام نفسها في موقع بعيد عن المصداقية.

الاعلام الوطني والنزيه لا يحاول ان يلعب على المواضيع الخلافية كموضوع النقاب والحجاب والشيعة والسنة والجهويات داخل الدولة الواحدة وكذلك بين الدول ولا يحاول ان يعطي الحدث او الموضوع اكثر من حجمه. على سبيل المثال، ما وقع على إثر مباراة كرة القدم بين الامارات وقطر والتي فازت بها قطر 4-0 في نطاق كاس اسيا للأمم لسنة 2019 وقع تضخيم الحدث اعلاميا. ولاحظنا استقطاب الاعلام المصري والسعودي والإماراتي من جهة واعلام دول العربية من جهة اخرى وانخرطت الشعوب في ذلك أيضا.

هل الاعلام والإعلاميين يغيرون مواقفهم من نفس القضية حسب الزمان والمكان؟

إذا اخذنا مثلا قضية حقوق الانسان، من المفروض ان انتهاك هذه الحقوق ممنوع في كل الدول وليس في الدول المتقدمة فقط. هذا المنطق السليم لا ينخرط فيه معظم ولاة أمور الدول العربية. على سبيل المثال لا الحصر، تصريح رئيس مصر الانقلابي السيسي في الندوة الصحفية التي جمعته بالرئيس الفرنسي ماكرون في اخر شهر جانفي 2019 بالقاهرة. لما انتقد ماكرون حقوق الانسان المتدهورة خلال حكم السيسي، رد هذا الاخير: “اننا لسنا في اوروبا او في أمريكا لنحترم حقوق الانسان”. المثال الثاني هو الموقف من الاستبداد وطول الحكم لحكام مفلسين وفاسدين، من المفروض ان يكون الموقف من الظاهرة ثابت وموحد ولا يتغير حسب الزمان والمكان. فاذا رأينا المواقف تتغير لارتباطات ومصالح سابقة أو منافع منتظرة فيكون ذلك قرينة على الفساد. في هذا الصدد اظهر الصحافي محمد كريشان في القدس العربي الازدواجية عند بعض الصحافيين آخذا في ذلك مثال صحفيان عربيان معروفان، يقيمان في أوروبا منذ سنوات دون تسميتهم.

 هل الاعلام يهتم بالأحداث السلبية فقط؟

هل من المنطق ان يركز الإعلام على الكوارث وعلى ما يعاني منه المواطن من مشاكل فقط. في حالة الاستقطاب السياسي تجد وسائل الاعلام تنحاز عن مهمتها الاصلية الا وهي الاعلام النزيه وعدم الانحياز لدعم توجهات بعينها. ونجد من يحاول وضع الأخبار في أطر تقلل من أهمية الأحداث ونتائجها، او تضخيم الاحداث لجعل الانسان يشعر بالخوف وعدم الأمان لخدمة جهة معينة. فهذا التصرف يكون قرينة فساد. لتوضيح هذا الفكرة لنأخذ مثلا تعامل وسائل الاعلام زمن تهاطل الثلوج في بعض مناطق تونس بعد الثورة زمن حكم الترويكا والتي كانت متكونة من حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات. في ذلك الوقت كانت الدولة العميقة تحاول ان تفشل الثورة والاتجاه الديمقراطي الذي اخذته البلاد. الترويكا بدأت الحكم بعد انتخابات نزيهة بداية 2012. مع بداية تلك الفترة تساقطت الثلوج بكميات كبيرة على مدن تونسية عدة. وفي سنة 2015 في نفس الفترة صار الحكم في يد حزب نداء تونس ورئيسه الباجي قايد السبسي ونزلت كذلك كمية من الثلوج في نفس الأماكن والمرتفعات. فبالرغم من أن المشاكل التي انجرت على نزول الثلج كانت متشابهة من حيث انقطاع التيار الكهربائي وتعطيل الطرقات وعزل بعض المناطق، فكانت ازدواجية تعامل وسائل الإعلام الرسمي مع هذه الأزمة بائنة لكل ذي بصيرة كما يدل مقطع الفيديو التالي الذي يقارن ما قدمه التلفزيون الرسمي التونسي خلال سنة 2012 وسنة 2015 .

فخلال بداية فترة حكم الترويكا تم التركيز عبر التقارير التلفزيونية على التأثيرات السلبية لتساقط الثلوج، والتأكيد على أنها ساهمت في عزل المدن وقطع الطرق وشلّ حياة المواطنين الذين يشكون من الفقر والخصاصة. واظهرت مواطنين بمدينة عين دراهم بانتظار تسلم المعونات خلال فيفري 2012. في المقابل فإن الإعلام الرسمي تعامل مع هذه الثلوج التي نزلت في نفس الفترة من سنة 2015 على أنها تساهم في تنشيط الحركة السياحية في مدينة عين دراهم التابعة لولاية جندوبة بشمال غرب تونس، وكانت كل الآراء تعبر عن فرحة بالمشاهد الجميلة في المدينة الجبلية. هذا التناقض المفضوح لم يمر بسلام فقام عدد من المعلقين بتعريته وابرازه على ان التغطية للتي قامت وسائل الإعلام تثبت تباينا واضحا، مشيرين إلى أن الإعلام لم يتعامل بموضوعية مع حدث واحد.

ذلك الحدث اظهر الاعلام التونسي، في تلك الفترة، بان وظيفته ليست الاعلام النزيه والتثقيف والتوعية، وأن المشاهد ليس له الحق في المعرفة، وان هذا الإعلام منحاز لجهة محددة ويلعب دورا في خلق راي عام مغاير للواقع. كما أنه لم يكن صوتًا لمن ليس لهم صوت وانما كان أداة في يد جهة معينة محسوبة على الثورة المضادة. مع العلم انه من المستحيل في عصر تعددت فيه مصادر المعلومات والمعرفة أن تحجب الحقيقة عن المواطن.

هل الوسيلة الإعلامية لها ميثاق شرف يمكن الاطلاع عليه؟

 الإعلام جزء من حياة الناس كما بينا سابقا فهو يلعب دورًا كبيرًا وخطيرًا في معرفة الحقائق وتوظيفها ويلعب نفس الدور في تزييف الحقائق، ويكون ذلك عندما تنعدم الضوابط والأخلاقيات ولا يكون هناك ميثاق شرف إعلامي او رادع قانوني. في هذه الحالة يمكن تغيب الحقيقة، فيظهر الحق على أنه باطل ويظهر الباطل على أنه حق، وتضخ في سبيل ذلك الاموال في آلة إعلامية جبارة تعمل ليلا نهارا بدون رادع. فان وجد هذا الميثاق ويمكن الاطلاع عليه من العموم يكون قرينة على مهنية وموضوعية وحيادية وسيلة الاعلام. هناك دائما حدود وقيود وخطوط حمراء لا يجوز تخطيها وكيفية التعاطي مع الضيوف وإدارة الحوارات والتأكد من مصادر الاخبار قبل اذاعتها او تبنيها كل هذه التصرفات تكون واضحة في ميثاق الشرف. الهيئات الرقابية للإعلام التي نجدها في بعض الدول مثل تونس لها وظيفة زجرية وعقابية ويمكن ان تصدر احكام إذا وقع التعدي عل الخطوط والمبادئ العامة للمهنة. ولكن من الافضل ان تجعل كل وسيلة اعلام لنفسها ميثاق شرف يذهب في التفاصيل أكثر مما تطلبه الهيئة الرقابية. على سبيل المثال ميثاق شرف قناة الجزيرة الإخبارية يعتمد على عشرة مبادئ.

قدمنا في هذه الورقة بعض الاسئلة التي يمكن طرحها للوقوف على مدى التزييف والتشويه الإعلامي الذي يمكن ان نتعرض له. فعلى المتلقي ان يكون قادرا على تقييم المادة الإعلامية التي تقدم له، لان الفاسدين ضالعون في توصيل المعلومة للناس بصورة براقة على غير حقيقتها في الأصل، ويستخدمون جميع الطرق لتضليل الناس. فعلى سبيل المثال يمكن توجيه الأخبار سواء في المعالجة أو منع النشر لبعض الأخبار الهامة حتى تفقد قيمتها الحقيقية مقابل أخبار تافهة من المفروض ان لا يكون لها حظ من النشر.لا يجب ان نكون ساذجين، إن أغلب وسائل الإعلام التي من حولنا موجهة في الأساس إما لخدمة قيم وسلوكيات وإما موجهة ضد قيم مجتمعية، أو يوظفها أصحابها لخدمة مصالحهم الشخصية والمالية او جهة او حزب سياسي معين. فعلى المتلقي ان يبذل جهدا للوقوف على وسائل إعلامية تتحرى الحياد في تغطيتها فلا تميل لجانب دون جانب ولا تنحاز لفكرة دون أخرى. هذا المجهود ليس بهين ويتطلب قسطا من الوعي والذكاء للتمييز لكي لا نقع ضحية هذه الوسائل الإعلامية التي يمكن ان تكون مقترنة بالفساد.

ان أحسن عقاب يمكن ان يسلط على وسيلة الاعلام هو فضحها وهجرها. أي وسيلة اعلام تعيش من مشاهديها او مستمعيها او قرائها او متابعيها. فاذا تبين فسادها فهجرها يصبح ضرورة وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي يمكن للجميع ان يعبر عن رأيه وينسق حملة ضد الذي يظهر فساده. وإذا فقدت وسيلة الاعلام جمهورها يكون موتها محقق. اما الإجراءات القانونية تتطلب وقتا واموالا للتقاضي ويمكن لوسيلة الاعلام ان تستغلها لصالحها لتبدو بمظهر الضحية وتجلب العطف.