كيف نجابه الموت؟ لا أحد يمكن أن يقدم إجابة شافية عن هذا السؤال الأزلي. قد نجد بعض أطراف الإجابة هنا أو هناك في كتابات الدين والأدب والفلكلور. رغم أن معظم اهتماماتي ترتبط بشكل أو بأخر بفكرتي الموت والتجديد. عندما وصلني مؤخرا خبر وفاة احدى أفراد عائلتي بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان لم أجد كيف اعبر عن الكم الهائل من الأفكار والمشاعر. هو ليس رفضا للفكرة ذاتها، ولكن هناك ذلك الشعور بأن هذه أشياء تحدث للأخرين وليس لي أو لعائلتي. كيف يمكن لشخص ملأ حياتي وحدد بشكل كبير من أكون وكيف ارى الأشياء واتفاعل معها أن يتلاشى هكذا وأن يصبح بشكل مباغت شخصا مغيبا؟

تجربة الموت تولد حالة غريبة لأن الكثير من الأفكار تهدم في حينها. عندما علمت بموته، وجدت نفسي استغرب ردة فعلي. لم أبكي، لم يكن هناك أي تفاعل محسوس. هل السبب التكنولوجيا؟ عندما هاتفتني أختي، لم أكن اتوقع سوءا فقد تغلب على مرضه مرتين، في كل مرة كان هو المنتصر، كان بالنسبة لي أكبر من أن يهزمه السرطان. لما أجبت عن اتصالها، لم ياتني صوتها مباشرة (بسب خلل في هاتفي الجوال) بل كان صوت تلاوة القرآن، أظنه صوت القارئ سعد الغامدي (هل كانت سورة يوسف؟). انهيت الإتصال كأنني بذلك الفعل امحي خطأ ما. هناك نوع من الخدر العجيب اتبعه تصلب في الأيدي والوجه. اعدت الإتصال فأجابني أخي حينها وأخبرني بما حصل. نوع من البلادة تسلل بشكل تدريجي إلى فكري وجسد. لم أكن بحاجة للتواصل أو الدعم (هل هي الذكورية السامة؟) كأن كل ما يمكن أن أقوله أو أفعله ليس له معنى.

الحالة الأولى: الإستغراب

بعدها، لم أصبح كما كنت. بعدها يكتسب الموت مفردات (وليس لغات) و أبعاد أخرى و يفرز حالات معقدة ومتشابكة. عندما قرأت عن حادث قتل فاليكو كوليبالي أو بعد مشاهدة فيديو عبد الرزاق الزرقي و صورته و النيران تشتعل، تضخمت الأشياء بشكل مفزع كأن من مات ليس احدى أفراد عائلتي أو احدى أبناء وطني أو احدى أبناء قارتي بل هي الإنسانية بأكملها.

عندما إختار الزرقي أن يتجه بنداء الثورة إلى شباب القصرين عن طريق فيديو على الفايسبوك، كان أكبر منا جميعا و أكثرنا إخلاصا في مبادئه وفي ثوريته. كان صحفيا ذي دخل شهري  محدود وواقع مهمش، فاختار أن يثور ضد المهانة والذل وأن يقدم نفسه كشرارة أخرى للثورة. غير أن صورة أخرى علقت بذهني، صورته وهو يجري بين من تجمعوا حوله وقد بدأت النيران في التهام جسده. سؤال وحيد راودني في لحظتها: كيف ستكون ردة فعل أبويه أو عائلته المقربة؟ هل ستحدد تلك الصورة ردود أفعالهم وطرق استعابهم لخبر انتحاره؟ نفس الشيء بالنسبة لكوليبالي، لقد تصدى للمعتدين عليه ورفض أن يكون مجرد ضحية أو أن يرحل بلا مقاومة. لكن نفس السؤال يتكرر مجددا: كيف ستتلقى عائلته في ساحل العاج خبر موته المفاجئ؟ ما معنى أن تعبر تلك المسافات الطويلة بعيدا عن العائلة لتموت على أيدي عنصريين جبناء ؟ غياب المعنى خلق لدي حالة حادة من الفراغ التي تسقط الكثير من القناعات والكليشيات.

فكرة عبثية الموت تظل مسيطرة وتؤجج بذالة الفراغ. أن يكون تخصصي الأكاديمي حول العنف السياسي وما يتيحه من غوص في وقائع القتل والفقد، أو أن تكون رواية “رجال تحت الشمس” من أهم الروايات العربية بالنسبة لي، أو أن أعتبر مشهد الولادة والموت في فيلم “روما” لالفنسو كوارون شيئا فريدا، لم يعدني كل هذا لأن أستوعب تجربة الموت. لا شيء يعدك لهكذا فراغ لانهائي، خاصة عندما نسأل: ماذا وراء الموت؟

الحالة الثانية: الفراغ

غير أن عبثية الموت تأخذ بعدا أخرا عندما أتفحص اللحظات الأخيرة لمن ماتوا. لقد صارعت مرض السرطان و انتصرت مرتين، كانت كل التحاليل والأرقام تشير إلى أن كل ماتحتاجه هو فقط فترة نقاهة والإلتزام بما يحدده طبيبها من أدوية وزيارات. كذلك كان إنطباعي حين شاهدت فيديو الرزقي، رغم ما يحيل إليه كلامه من مشاعر غضب و تشنج إلا أنه كان مسيطرا على كلامه منطقيا في تسلسل أفكاره. هي ليست الكلمات الأخيرة لمن قرر الإنتحار بإشعال النار في نفسه ليموت محترقا. نفس الشيء بالنسبة لكوليبالي، كان شخصا ناجحا إجتماعيا ضمن أفراد جاليته حيث كان رئيس جمعية الإيفواريين في تونس فليس عليه أن يثبت شيئا، غير أنه رفض الإقتناع بتلك المبررات واستمات في الدفاع عن نفسه وبما يأمن به حتى لو كانت كل المعطيات ضده فقتله مجموعة من المجرمين. لما إختار الموت هؤلاء؟ هل اختارت كليو، الشخصية الرئيسية في فيلم كوارون، أن تلد طفلا ميتا؟ كيف نصبح بعد تجربة كهذه؟ هل أن اصرارها في إخر الفيلم بأنها لم لم تكن ترغب به كفيل بأن يغير شيئا؟ وخاصة ما معنى أن أحد الأطفال ظل يتحدث بشكل غرائبي طوال الفيلم عن حياته السابقة؟ هي اسئلة بلا إجابة.

أحاول أن اقرأ كثيرا لعلي أجد إجابات لأسئلة كثيرة حول الموت و العبثية. اقرأ مجموعة مذكرات لإلياس كانيتي بعنوان “الكتاب ضد الموت” و يدهشني أن فكرة الموت كانت مركزية في ذهنه وفي تفكيره لم تغادره حينا، ولكن ما يجلب اهتمامي أكثر هو تفكك الأشياء في تعاطيه مع الموت فكيف له أن ينتقل من الحديث عن المحرقة والنازيين وكيف أن كل يهودي هو الآن جزء من كل ألماني ليتحول اثرها للحديث حول  كيف كان المصريون، أثناء فترة مجاعة شديدة، يصطادون ضحايا بشرية من أسطح المباني بإستعمال أدوات صيد بحري. لعل كانيتي اليتيم قد بلغ نفس حالة الفراغ تلك اثر موت الأم فأصبح الموت بلا معنى وفي الآن نفسه هو المعنى نفسه حيث يصبح موت أي ذات بشرية جزأ منه ومن كيانه. هل هذا ماتريد المسيحية إبلاغه في تنصيصها على تلك الطقوس؟ هل يمكن لي القول أن الرزقي وكوليبالي هما الآن أجزاء مني؟

الموت ليس حقا، أو لنقل أن ماهو حق هو الموت البيولوجي عندما تنهك الخلايا بعد صراع مع السرطان أو النار أو العنصرية المقيتة. هكذا أجد فكرة إزدواج النفس في سورة الزمر مريحة ولكن غير كافية لأن العالم البرزخي الذي يروج له الدينيون هو فكرة واهية جردتها من أي صحة أدبيات عذاب القبر الساذجة. الموت ليس حقا و ليس مقدسا. الموت لا ينصح، أو لنقل بأن موتانا يتكلمون لغة لا نفهمها بعد، مما جعل توظيفه دينيا أو فكريا يبلغ مرحلة التجني. فتروج أحد الأديان بأن الموت رحمة للنفس وبأن الدنيا ليست سواء مرحلة سابقة قبل موعد الحكم والحساب الأخير، في حين جعل دين أخر من ظاهرة التحلل طقسا خاصا من طقوسه فتصبح الكانيبالية المتخفية شيئا مقدسا. عندما حاولت أن أجد في العلم ما يقدم اجوبة، كانت معظم المحاولات تعيدني إلى نفس نموذج كيوبلر روس السخيف و المعروف بـمراحل الحزن الخمسة أو السبعة، سخيف لأن هناك فكرة التعليب التي تراودني كل ما رأيت ذلك النموذج.

الحالة الثالثة: الإنتباه

إستقرت لدي فكرة بأن الموت لا ينصح، لأن الموتى ليس لديهم أي رغبة في تواصل العلاقة بعالمنا. لقد تحرروا من مأزق الجسد الذي كبلهم وفرض عليهم نوعا من الضيق المزمن في الأمال أو الفضاءات. يلد كل منا بكم هائل من الإحتمالات، غير أننا نولد كذلك في طبقة إجتماعية معينة، في بقعة جغرافية خاصة، فينخفض سقف الإحتمالات بحدة فننتقل مع مرور الوقت من العالم إلى الوطن إلى الحي إلى المنزل إلى الغرفة إلى الكرسي المتحرك إلى سرير الموت إلى القبر. التحرر من الجسد الذي يتيحه لنا الموت هو ليس ديكتومية الجنة و النار بل حرية أكثر تتيح التنقل إلى عوالم لانهائية. إذا كانت حياتنا كما يقول محمود درويش “هي أن نكون كما نريد. نريد أَن نحيا قليلاً لا لشيء…بل لِنَحْتَرمَ القيامَةَ بعد هذا الموت” فإن الموت هو أن نحيا كثيرا وأن نحترم ما بعد القيامة.