«ابك كالنساء على وطن لم تحافظ عليه كالرجال» كلام يعبق بذكورية القرن 15 ميلادي لكنه يعبر بشدة عن اللحظة الراهنة لأنه من السياقات الإسلامية التي ينتمي لها وزير الصحة عبد اللطيف المكي البكاء حتى لا نسرف في التجريح فنقول المتباكي. ولأن اللحظة أكبر من دموع الوزراء والرؤساء كما النواب، لن نغوص هنا في تاريخ البكائيين ومآلات بكائياتهم لأننا سنندفع إلى ثنايا نتائج الدمع.

قبل دموع المكي شهدت تونس تجمعات بشرية مخيفة إبان توزيع المنح والمساعدات الاجتماعية التي أقرتها الدولة مما قوض كل ما أُنجز في الوقاية من الفيروس. خلل سبقته عدة ثغرات وأهمها فشل السلطة في توفير حاجيات من لا دخل لهم ولا تعويضات تشملهم في ظل الحجر الصحي. ستطفو على السطح مآس ربما لن يقدر أحد ردء صدعها. أغلب ساكنة البلاد لا تتوفر بيوتهم على عدد غرف يتماثل وعدد أفرادها. لن نطيل في هذا التفصيل لأن أصل المرض كامن في وزارة شقيقة هي وزارة الداخلية التي ربما تكون الحليف الرئيس لهذا الوباء…

فيما يلي شهادتي عن ليلة أمضيتها في معتقل «بوشوشة» بتونس العاصمة:

حين يتحول الأمن من ساهر على منع التجمع إلى خالق للتجمعات بعد السادسة مساء أي لحظة انطلاق حظر التجول، يقتحم بيوت الناس تحت طائلة قانون الطوارئ ودون الحاجة لإذن من وكيل الجمهورية ويحاول اعتقال أحد أفراد عائلتك. هنا يتجمهر كل أفراد العائلة ويحاولون الوقوف دون إيقاف ابنهم. بعد الاحتكاك بين العائلة وأعوان الأمن نمر للصعود في العربة (الكامبي): أكثر من 16 فردا تتلامس الأكتاف والركب ولا تبعد الأنوف عن الأنوف إلا بضع مليمترات. منها إلى مركز شرطة الكبارية حيث يقبع الناس في مساحة ضيقة يتبادلون السجائر والولاعات مع الكراسي من ثم أقلام الإمضاء وعددهم قد يصل الخمسين مستجوب أو يزيد.

المرحلة التالية تعني ركوب سيارات مع أعوان متراصين والتوجه نحو «بوشوشة» هناك وبعد التفتيش تحمل غطاء يقال إنه معقم وتفترش جراري لم يتحدث أحد عن أمر تعقيمها. منها تمر للحظة قدوم نزلاء جدد كل لحظة ورحلة إشعال السجائر من ولاعة وحيدة وتبادل السجائر والشرب من زجاجة ماء واحدة. يبلغ عدد الموقوفين٫ في غرفة طولها 8 أمتار وعرضها 4 أمتار٫ حوالي الأربعين وتلتقي الأقدام بالأنوف والأفواه بالأفواه، جميعنا من ولايات تونس الكبرى تواجدنا في غرفة واحدة دون أدنى إجراء وقائي، دون حتى قيس لدرجة الحرارة. هناك في نفس غرفتي رجل مضنون في إصابته بفيروس كورونا وسبب إيقافه مغادرة مقر الحجر الصحي. غادر مقر حجره الصحي فرمت به قواتنا الأمنية وسط الموقوفين. 520 موقوف في ليلة واحدة يحملون أغطيتهم وفراشيهم إلى خزائنها، لتوضع كما هي ويقال للقادمين في الليلة اللاحقة أنها معقمة مع عدم نسيان التصادم و الاحتكاك المتواصلين.

تأتي لحظة الخروج للفسحة (اللارية) وقتها يجلس الجميع على السدة الطويلة متراصين، إلى أن يأتي فطور الصباح على الساعة الحادية عشر ويشترك كل الموقوفين في علب حليب ويأمرنا الناظر بالشرب من نفس العلب. هكذا نختتم درس الوقاية المقدم من وزارة الداخلية.

أخيرا نركب «الكامبي» في اتجاه المحكمة رفقة أناس آخرين لا نعرف عنهم شيء متراصين متزاحمين.

بعد أن يصدر حكم القاضي عدنا جميعنا لديارنا محملين بأمراضنا، مع كلمة ودودة من القاضي «رانا خايفين عليكم».
عندما تنتبه أن كل الذي حدث بسبب خرق حظر التجول بدقائق معدودة وأن هذا الحظر يهدف للتقليل من تقارب الناس والتقليص في عدد الإصابات بكورونا، سيكون عليك إحصاء إصابات وزارة الداخلية المتعمدة. يخبرنا أعوان الأمن في مراكز الإيقاف أن بكاء السيد وزير الصحة كان حافز لتحركهم هذا بغية إنقاذ الوطن، هكذا يقولون ولا أدري ربما كانوا يتحدثون عن وطن آخر أو ممارسات أخرى.