452758-port-montreal

PHOTO: FRANÇOIS ROY || ARCHIVES LA PRESSE

في الوقت الذّي “تتجنّد” فيه السلطات التونسية لملاحقة الأرصدة والممتلكات الراجعة بالنظر الى منتسبي النظام السابق والتي وقع تهريبها الى خارج التراب التونسي، قامت مؤسسة الديوانة التونسية بالتفريط في ما لا يقلّ عن 100 مليون دينار من أموال الشّعب (المال العام) لمجموعة من “الكناترية” خارج الأطُر القانونية.

وانجرّ عن سقوط نظام الحكم السابق وضعُ الدّولة التونسية يدها على أملاك “رموز الفساد” من أقارب بن علي وأصهاره والدّوائر المقرّبة منهم. وقد تمثّل المخرج القانوني في انشاء لجنة مصادرة بموجب المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرّخ في 14 مارس الصّادر عن رئيس الجمهورية المؤقّت السابق فؤاد المبزّع.

وجاء في الفصل الاوّل من المرسوم ما يلي :

“تصادر لفائدة الدولة التونسية وفق الشروط المنصوص عليها بهذا المرسوم وفي تاريخ اصداره، جميع الاموال المنقولة والعقارية والحقوق المكتسبة بعد 7 نوفمبر 1987 والراجعة للرئيس السابق زين العابدين بن الحاج حمدة بن الحاج حسن بن علي وزوجته ليلى بنت محمد بن رحومة الطرابلسي وبقية الاشخاص المبيّنين في القائمة الملحقة بهذا المرسوم وغيرهم ممن قد يثبت حصولهم على أموال منقولة أو عقارية أو حقوق جرّاء علاقتهم بأولئك الاشخاص.

ولا تمسّ المصادرة المقرّرة بمقتضى هذا المرسوم من حقوق الدّائنين في المطالبة بالوفاء بديونهم المترتّبة قبل 14 جانفي 2011 على أن يتمّ ذلك وفق الاجراءات المحددة بأحكام هذا المرسوم.”

أنظر مرسوم المصادرة الصادر بالرائد الرسمي:

⬇︎ PDF

وقد سجّلت الفترة الفاصلة بين شهري ديسمبر 2010 ومارس 2011 حصول اضطرابات غير مسبوقة في المصالح الديوانية نظرا الى أنّ جانبا كبيرا من البضائع المستوردة علق في الموانئ البحرية بسبب وجود أصحابها امّا وراء القضبان أو بحالة فرار خارج التراب التونسي على خلفيّة انتمائهم الى دوائر الحكم (عائلتا بن علي والطرابلسي). وفي غياب هيئة رسمية للمصادرة سمحت الادارة العامّة للديوانة لنفسها بالتصرّف في تلك الأملاك دون موجب قانوني وفق ما سنسعى الى اثباته في هذا التحقيق.

“الكناترية” و العائلة الحاكمة : مصالح مشتركة

بعد ازاحة الرّئيس الأسبق زين العابدين بن علي عن سدّة الحكم وتداعي أركان نظامه للسقوط و اعتقال أكثر من 20 عنصرا فاعلا من المحسوبين على العائلة المالكة و نجاح البقية في الفرار الى خارج تونس على غرار بلحسن الطرابلسي، وجدت المصالح الديوانية بالموانئ التجارية نفسها مضطرّة لحجز حوالي الألف حاوية تحوي سلعا و منتوجات مستوردة تمّ ادخالها الى التراب التونسي عبر “شركات واجهة” تعود ملكيّتها الى عناصر من عائلتي بن علي والطرابلسي والدوائر المقرّبة منهما (أنظر القائمة الاسمية الكاملة التي وردت في مرسوم المصادرة المنشور في الرائد الرسمي). وقد تم الاحتفاظ بهذه الحاويات لعدّة أسابيع حتّى تبتّ المصالح المختصّة فيها.

وتجدر الاشارة في هذا السياق الى أنّ جملة هذه الشركات دأبت منذ سنوات على التكفّل باستيراد السّلع من أوروبا و آسيا و بعض الدّول الأخرى نيابة عن كبار تجّار الجملة في أسواق بومنديل و المنصف باي (الخ) والذين يُعرفون تحت تسمية “الكناترية”.

وتتحصّل جملة هذه الشركات على عمولات ضخمة من “الكناترية” مقابل تكفّلها بإدخال هذه السّلع دون دفع الأداءات الجمركية أو الاكتفاء بدفع معاليم هزيلة جدّا لا تعكس القيمة الحقيقية للسّلع المستوردة، مستغلّة في ذلك نفوذها القوي المستمدّ من انتماء أصحاب هذه الشركات الى العائلة الحاكمة ما يُتيح لها احكام سيطرتها على مراكز النفوذ في مؤسسة الديوانة.

وقد فرضت التغيّرات الحاصلة على الخارطة السياسية بالبلاد بعد الثورة واقعا جديدا وضَع المدير العام للديوانة آنذاك الطّاهر بن حتيرة (26 جانفي – 27 ماي 2011) في أمام اشكالية التصرّف في المئات من الحاويات التي تحوي سلعا مستوردة تفوق قيمتها المائة مليون دينار بحسب تقديرات الخبراء و التي علقت بالموانئ البحرية التجارية (أغلبها في رادس حلق الوادي) نظرا الى أنّ أصحابها امّا في السجن أو بحالة فرار خارج التراب التونسي.

وتتمثّل تلك السّلع في ملابس جاهزة (تصل قيمة الحاوية الواحدة الى 250 ألف دينار) و تفاح رفيع (حوالي 50 ألف دينار الحاوية) و موادّ تجميل (من 50 الى 80 ألف دينار الحاوية) و ألعاب للأطفال ومعدّات الكترونية أخرى مختلفة القيمة.

“الكناترية” يحتجّون

عمليّة الحجز المؤقّت لهذه الحاويات دفعت بعشرات “الكناترية” لتنفيذ عدّة تحرّكات احتجاجية على مدى النّصف الأوّل من شهر فيفري 2011 أمام ميناء رادس – حلق الوادي للمطالبة بتسريح الحاويات العالقة في الحجز على ذمة ما يُعرف ب”شركات الطرابلسية” بدعوى أنّ السّلع التي تحويها تعود ملكيّتها اليهم وأنّ شركات الطرابلسية لم تكن سوى “واجهات” شكلية تمّ اللّجوء اليها قصد التحايل على القانون والتهرّب من الأداءات الضريبية.

وتفاعلا مع الضّغط المسلّط عليه قام المدير العام للديوانة الطاهر بن حتيرة بتكوين لجنة لتغيير هويّة الحاويات تتكوّن من ضباط سامين وممثلين عن وزارتي المالية والتجارة وممثّل عن جامعة النقل التابعة لمنظمة الأعراف و ممثّل عن المهربين بالاضافة الى تكليف العقيد وحيد السعيدي (تمّ ادراج اسمه في القائمة الثانية للمعزولين) بالاشراف على الجانب التقني في عملية تغيير وثائق الشّحن .

وأوكلت الى هذه اللّجنة مهمّة النظّر في مطالب “الكناترية” ومحاولة ايجاد حلّ منصف لهم الّا أنّها سرعان ما تجاوزت صلاحياتها و خرقت القانون المتعلّق بتغيير هويّة الحاويات وقامت بنقل ملكيّتها من شركات “العائلة الحاكمة” الى شركات جديدة راجعة بالنظر الى “الكناترية” دون الحصول على موافقة المالكين الأصليين وفق ما يفرضه القانون (الفصل 117 من مجلة الديوانة).

وثائق سرّية توثّق عمليّة نقل ملكية الحاويات من شركات الطرابلسية الى شركات أخرى راجعة بالنظر للمهرّبين

⬇︎ PDF

وقد شكّك عدد من الضبّاط السّامين صراحة في نوايا هذه اللجنة وقانونية بعثها، وعمدوا الى مقاطعة أشغالها رافضين التوقيع على القرارات الصادرة عنها بدعوى خرقها للقانون.

وقال العقيد فوزي البرجي (موقوف عن النشاط المهني بعد الثورة) في سياق شهادته على ملابسات عقد اللجنة لاجتماعاتها :

“تمّ استدعائي لحضور أحد الاجتماعات ولمّا ولجتُ الى داخل القاعة صُعقتُ بوجود أحد كبار المهرّبين بصدد التفاوض مع ممثّلي الديوانة وبقية ممثّلي مؤسسات الدولة المعنية و كأنّه صاحب حقّ .. عندها فهمت أنّ هذه اللجنة بُعثَت خصّيصا لتبييض السّلع المحجوزة والتفريط فيها للكناترية في حين أنّها أصبحت بعد سقوط بارونات الفساد مُلكا للشّعب التونسي ولا حقّ للكناترية فيها لأنّ مكانهم الطبيعي في السجن. جملة هذه المعطيات جعلتني أقاطع اشغال اللجنة، و قد كلّفتني هذه المقاطعة اقحامي في قائمة المعزولين”.

عدد آخر من كبار المسؤولين الذّين رفضوا ما وصفوه ب”مسرحية” اللّجنة نالوا المصير ذاته حيث تمّ عزل العقيد لطفي العيّادي، مدير التصرّف في المخاطر، و العقيد أنور غشّام مدير القيمة بعد أيّام قليلة من “التمرّد” على هذه اللجنة غير القانونية.

ويقول العقيد لطفي العيادي في هذا السياق :

“أنا الآن مستشار لدى البنك الدّولي و سعيد جدّا بوضعيّتي المهنية الجديدة التي أعتبرها بمثابة تتويج لمسيرتي المهنية وشهادة على كفاءتي .. لقد بتّ أحبّذ عدم تذكّر تلك الفترة التي رأيت فيها من الظّلم الشّيء الكثير و لكن من الضروري الادلاء بشهادتي للتاريخ .. لقد كانت تلك اللجنة خارجة عن القانون .. وقد رفضت التوقيع على مقرّراتها لسببين اثنين أوّلهما يتمثّل في ملابسات بعث اللجنة ذاتها وتركيبتها الفضيحة حيث كانت تظمّ أحد المهرّبين، وثانيهما المغالطة الكبرى التّي حصلت صلب اللجنة حول القيمة المادّية للسّلع حيث نزل بن حتيرة بقيمة بعض السلع للنّصف ارضاء لممثّل الكناترية فضلا عن تسريح بعض السّلع التي انقضى أجل صلوحيتها فباتت تمثّل خطرا على المواطنين على غرار موادّ التجميل وبعض الموادّ الغذائية”.

العقيد لطفي العيادي تطرّق كذلك الى خلفيات تأسيس اللجنة نافيا أنّها كانت “الحلّ الوحيد” للخروج من مأزق الحاويات العالقة، مضيفا قوله :

“أنا شخصيا أستبعد سيناريو حصول مدير الديوانة الطاهر بن حتيرة على منافع مادّية جرّاء هذه العمليّة غير أنّي أكاد أجزم أنّه فعل ذلك استرضاء لبعض اللوبيات المتنفّذة سياسيا واداريا”.

بن حتيرة يقدّم روايته

بعد استيفاء كلّ المحاولات للحصول على موقف الادارة العامّة للديوانة حول مجموعة المعطيات التي بحوزتنا نظرا لتزامن انجاز بحثنا مع استقالة المدير العام للديوانة محمّد المدّب

، قمنا بمكافحة المدير العام الأسبق الطاهر بن حتيرة، بصفته المعنيّ بالموضوع، فكانت اجاباته مراوحة بين الديبلوماسية و التملّص من الاجابة بتعلّة أنّ الملفّات ليست بحوزته نظرا لمغادرته الادارة العامة للديوانة ليشغل خطّة مدير الهيئة العليا للرقابة الادارية و المالية، دون أن يغفل محدّثنا عن الاشارة الى أنّ بعث تلك اللّجنة كان قد مكّن من تجنيب الديوانة و الموانئ التجارية و بقية الوزارات و الهياكل المعنية شبح الحرق والتخريب على أيدي المهربين الذّين وصفهم بالمتضرّرين :

“لم يكن أمامنا خيار آخر – يقول بن حتيرة- سوى بعث لجنة موسّعة تظمّ ممثّلين عن كلّ المتداخلين في المنظومة الديوانية لايجاد حلّ سريع ومخرج قانوني لجملة الحاويات العالقة وتمكين أصاحبها الحقيقيين من استعادتها على اعتبار أنّ الطرابلسية لم يكونوا سوى واجهات لإدخال هذه السّلع دون الخضوع للأداءات الديوانية.. وقد قامت اللجنة بتحديد قيمة السّلع ومن ثمّة فرضت على أصحابها الاستظهار بالوثائق الأصلية التي تثبت ملكيّتهم لها ليتمّ على اثر ذلك تمكينهم من تسريحها بعد اتمام الاجراءات وتسديد الأداءات المفروضة عليها”.

السّيد الطاهر بن حتيرة اتّهم بعض الضبّاط السامين الذّين تمّ عزلهم في اطار ما يُعرف بالقائمتين الأولى والثانية بالسّعي، من خلال اثارة موضوع الحاويات، الى تصفية حساباتهم الشخصية معه والانتقام منه، مشيرا في السياق ذاته الى أنّ السياق التاريخي الذّي تشكّلت فيه “لجنة تغيير هويات الحاويات” كان متّسما بالاضطراب الأمني وبعدم الاستقرار السياسي لذلك لم يكن هنالك من مفرّ سوى اللّجوء الى هذا الحلّ التوافقي.

وعلى خلاف ما ذهب اليه بن حتيرة فانّ عددا من خبراء القانون الذّين فحصوا وثائق الملفّ أكّدوا بأنّ هذه اللجنة تسبّبت في “اهدار” المال العام وأضفت الشرعية القانونية على عملية الغشّ الديوانية التي كان يقوم بها أصهار بن علي وجملة المهرّبين المتعاملين معهم وأتاحت لهؤلاء “الكناترية” الاستيلاء على ما يفوق المائة مليار بدل محاكمتهم على جرائمهم.

ويعرّف الفصل 371 من المجلّة الديوانية بشكل صريح عمليّة الاتّفاق الحاصلة بين “الكناترية” وأصحاب الشركات السابق ذكرها على أنّها “عمليّة غشّ” يترتّب عنها انزال العقوبات المنصوص عليها في القانون الجاري على كلّ من استفاد من العملية بما في ذلك “الكناترية”.

الفصل 371 :

1- يعـاقب بنفس العقوبات المسلطة على مرتكبي الجنحة وكذلك عقــوبات الحرمان من الحقوق المنصوص عليها بالفصـل 402 من هذه المجلّة, كلّ شخص شارك بصفة مستفيد وبأيـةّ صورة كانت, في ارتكاب جنحة تهريب أو جنحة توريد أو تصدير دون إعلام.

2- يعتبر بمثابة مستفيدين:

أ- مسيرو وأعضاء تنظيمات الغش والمؤمّنون والمؤمّن لهم والمموّلون ومالكو البضائع وبصفة عامّة كل من له مصلحة مباشرة في الغش.

ب- كلّ من ساهم بأيّة طريقة كانت في أعمال قام بها عدد من الأشخــاص بالاتّفاق فيما بينهم وفق مخطّط غشّ أعدّوه من أجل تحقيق النتيجــة التي يسعون إليها جميعا.

ت – كلّ من تعمــّد التستّر على تصرّفات مرتكبي الغش وحــاول تجنيبهم العقاب أو تعمّد شراء أو مسك ولو خارج النطاق الديواني بضـائع متأتيّة من جنحة تهريب أو توريد دون إعلام.”

وتُكيّف الفقرة الأخيرة من الفصل ذاته الاجراء الذّي قامت به اللجنة التي أنشأها المدير العام للديوانة على أنّه “تعمّد التستّر على تصرّفات مرتكبي الغشّ” ما يجعلها (أي اللجنة) طرفا في عملية الغشّ.