MinaretMosqueeZitounaTunis

بقلم شمس عروة،

يحتدم الجدل في تونس بعد الثورة حول موضوع الخطاب الديني وخاصة في جانبه الشكلي إذ تتلخص القضية عادة في هذين السؤالين : من هو الخطيب المعتدل الذي يجب أن يؤم الناس ومن هو الإمام المتشدد الذي يجب عزله.

إلا أننا رغم المئات من النقاشات التلفزية والإذاعية حول الموضوع، قلّما سمعنا تساؤلا عن دور الإمام ومدى قيامه بهذا الدور في حين أن كثير من المصلين يذهبون إلى صلاة الجمعة فقط لتسجيل الحضور والقيام بواجبهم أمام خطب جمعية جوفاء مكررة لا تضيف شيئا.

فهل تزيد هذه الخطب المسلم علما في الدين ووعيا في الحياة ؟ وهل تؤثر اليوم خطبة الجمعة في أخلاق وسلوك التونسي نحو الأفضل ؟

حتى لا نكون متشائمين ومتحاملين على الأئمة، لن نجيب عن هذه الأسئلة بالسلب، إلا أن تأثير المسجد اليوم ضعيف ودون المأمول على المستوى العلمي والسلوكي.

دور الإمام هو التعليم والتذكير والوعظ والإرشاد والنصح للمسلمين وهو ما لا يختلف فيه اثنان، وجل الأئمة في تونس يقومون بهذا الدور ولكن لا علاقة لما يأمر به اغلبهم بواقع الناس وأحوالهم.

إن أغلب خطب الجمعة اليوم إذا سمعتها لا يوجد ما يدل أنها في تونس في القرن الواحد والعشرين، حيث بإمكان الخطيب القاؤها في استراليا أو في بنغلاديش في أي حقبة زمنية. كيف نريد أن يكون هذا النوع من الخطاب مؤثرا في الشباب الذي يرى ويعيش كما هائلا من المشاكل والشبهات والتساؤلات وينتظر من الخطاب الديني أن يقدم له على الاقل جزءا من الإجابة، لكنه عندما يدخل المسجد يتفاجأ بخطبة في موضوع مكرر عن فرع من فروع فروع الشعائر ؟

أما على المستوى العلمي، فمن أوكد المسؤوليات أن يوضح الإمام للمسلمين كليات الدين ويزيل الغبش والفوضى حول المفاهيم الدينية الأساسية، إذ لا يكاد أغلب المصلين لا يفرق بين الدين والتدين، بين الأصول والفروع، بين الفقه والوحي , والعقدي والسياسي،و بين الشريعة والفقه…وأغلب التيارات المتشددة تستغل هذا الجهل لاستقطاب الشباب.

بالإضافة إلى ذلك يمثل أعادة تشكيل وعي الإنسان من الاهداف الهامة للخطاب الديني وتوجيه هذا الوعي نحو الاهتمام بالقضايا الاساسية حتى لا يقع شغل الناس بالتوافه و التفاصيل على حساب قضاياهم الكبرى.

هذه بعض الرسائل السلبية التي يرسلها بعض الأئمة والتي تؤدي إلى التشويش على وعي الإنسان :

● إن أردت تغيير واقعك فتظاهر معي بعد الصلاة ثم عد إلى سباتك.

● إذا أردت أن نحل قضية ما، يكفي أن تلقي خطبة حماسية فيها كثير من الشعارات وأن تصب فيها جام غضبك على سبب المشكل. سيخرج الناس فرحين من الخطبة وكأن المشكلة وقع حلها وقد يقول احدهم متأثرا : إذا كان كل الأئمة هكذا لحلت جميع مشاكلنا !

إن الإمام يجب أن يكون له دور في حل المشاكل التي يعيشها المواطن التونسي أو التي سيعيشها، أما الحديت عن مشاكل وهمية إما كانت نتاجا لتوجيه إعلامي أو لإشاعات فايسبوكية، وإما هي مشاكل ثانوية يتمثل إشغال الناس بها خيانة لقضاياهم الأساسية، فلا يزيد الوضع في البلاد إلى تأزما ولا يزيد الأئمة إلى فقدانا لمصداقيتهم و يقع الاستحمار الذي عبر عنه المفكر الإيراني علي شريعتي بأنه “طلسمة الذهن وإلهائه عن الدراية الانسانية والدراية الاجتماعية و أشغاله بحق أو بباطل ,مقدس او غير مقدس”.

رأينا إذا كيف أن للإمام دور هام جدا وحساس لكن هذا الموضوع منسي في النقاش والتجاذب حول الخطاب الديني وكأن لسان حال الاحزاب حول هذه المسألة يقول : لا تفعل شيئا وتقاعس في القيام بواجبك ولكن المهم لا تخدم ايدولوجيا أو البرنامج السياسي لمنافسي.

أما عن حياد الأئمة، فإننا أمام معضلة حقيقية تحتاج إلى اجتهادات وصيغ جديدة لحلها، فتعيين الإمام وعزله من طرف وزير الشؤون الدينية لا يساعد على تحقيق الحياد، بل ويهدد بعودة هيمنة الحزم الحاكم على الشأن الديني. أما عزل المصلين وتعيينهم للأئمة والاستقلالية التامة عن الدولة والوزارة فهو يؤدي إلى الانفلات وإمكانية سيطرة مجموعات تكفيرية على بيوت العبادة.

الحل حسب رأيي يتمثل في إيجاد حل وسط في صيغة تكون فيها للوزارة صلاحيات لتسيير الشأن الديني ولكن لا تكون هذه الصلاحيات مطلقة، مثلا تكوين لجنة مختصة في تعيين الأئمة يعين ثلثها وزير الشؤون الدينية، والثلث الثاني مفتي الجمهورية ويعين باقي الأعضاء المجتمع المدني (نقابة الأئمة، هيئة علماء جامعة الزيتونة …)

بالطبع هذا الحل ليس نموذجيا، إلا أنه يمنح أكثر ضمانات لتعيين أئمة اكفاء ومحايدين، ويحول التجاذبات حول الشأن الديني من الشارع والإعلام إلى هيئة ممثلة لعدة جهات متخصصة في هذا الشأن.

في الختام، لهذا الموضوع أهمية كبرى على المستوى المجتمعي والحضاري، وإذا تعاملنا معه بمنطق المصالح الضيقة ولم نطرح الأسئلة المناسبة، فسيكون الوطن أكبر متضرر من هذا الإهمال وهذه الأنانية.