تصوير ربيع الغرسلي

تصوير ربيع الغرسلي

بقلم وليد بسباس،

إعجاز الخطاب الإعلامي في دمج الجملتين: من توحيد الفاعل إلى تغيير ملامح الواقع

إنتشرت منذ يومين مظاهر التخريب والنهب الليلية في مناطق عديدة من انحاء البلاد تزامنا مع بلوغ الإحتجاجات من اجل التنمية والتشغيل ذروتها مهدّدة بذلك اسقرار السلطة. وبعد خمس سنوات من قيام المسار الثوري، صار أغلب المتابعين للشأن العام عارفين بأن أعمال التخريب لا يقوم بها المحتجون الأصليون أصحاب الحق، بل في أغلب الأحيان أشخاص لاعلاقة لهم بتلك المطالب تحرّكهم مافيات من القطاع العام والخاص تزامنا مع فراغ أمني مريب.

1- عن رسائل التهدئة ومتلّقينها

وفي نفس الوقت، إنتشرت في وسائل إعلامنا الموقرة رسائل التعقل لحكماء الشاشة من صحفيّي البلاط الإعلامي ومثقفيه وسياسيّي الحكمة والتسامح والنصيحة: مطالبكم مشروعة، نعم للإحتجاجات المشروعة، لا للتخريب والنهب والحرق. تظاهروا، لكن لا تخرّبوا!

لكن السؤال الذي يمكن ان نطرحه هنا: لمن يوجهون الرسالة؟ هل أن هذه الرسالة فعلا موجهة للمحتجين؟ هل يمكن أن تُخطئ الماكينات الإعلامية الكبرى في البلاد في تحديد المسؤوليات ومعرفة من يفعل ماذا؟ نظرا للإمكانيات المتاحة لهم، لا يمكن أن تكون هذه الأسئلة إلا أسئلة إستنكارية. هل أنّ هذه الرسالة موجّهة إلى المخرّبين؟ لا أظن أحدا يصدّق ان النجوم الساطعة من إعلاميينا وسياسيينا لهم من السذاجة ليواجهوا الإجرام بالنصح والموعظة.

يٌقال أن الخطاب في المناظرات السياسية لا يُوجّه إلى الخصم، بل يوجّه أساسا إلى الجماهير والمشاهدين. عملا بهذا المبدأ، يمكن أن نفهم مَن المتلقّي لرسالة التهدئة: إنّه ذلك القطاع الواسع من الشعب التونسي المتفرّج في الأحداث. وحسب طريقة تلقّيه للأحداث وفهمه لها، ينشأ ما يعبّر عنه بالرأي العام. هي نفس الكتلة التي على أساسها تُحدّد مؤسّسات سبر الآراء وجهة ما “يريدُهُ” “الشعب” من سياسات. فلا خوف على الحاكم إن كان “الرأي العام” معه.

2- في الحاجة للمزج بين المُحتَجِّ والمُخَرّب

في حالتنا هذه ومن وجهة نظر السلطة، يجب على الرأي العام ألاّ يتعاطف مع أصحاب الحق، بل يجب أن ينبذهم ولذا يجب أن يجد السبب المناسب لينبذهم. ونظرا لطبيعة الكتلة الإجتماعية التي تُشكّل الرأي العام من طبقة وسطى وأصحاب السيارات الشعبية والقروض التي لا تنتهي وأصحاب المهن الحرة وغيرها ممّن يُربكهم أفق التحوّلات التي تمسّ من جوهر أحلامهم باللحاق بالفئات العليا في المجتمع، فإن طريقة جلبهم لموقف مضادّ للتحرّكات لا يتطلّب عناءا كبيرا. ففي سوق إلصاق النعوت والتشويهات، هم دائما من جانب الطلب بينما تقف السلطة من جانب العرض. فماهو الخوف الأكبر لتلك الكتلة غير فقدان ما يتوهّمون أنهم حصلوا عليه بعناء وجهد؟ ألصق إذا بالمحتجين نعوت السرّاق والمخرّبين!

وهنا يكمن سحر الكلمة الإعلامية! ففي جمع الفَاعِلَيْنِ في فاعل واحد “تْظَاهِرْ ومَاتْكَسَّرْشْ!”، جمعنا صاحب الحق بالمجرم وتداخلت الشخصيتان في وجه واحد: ذلك العاطل عن العمل، عديم الوطنيّة مخرّب البلاد وسارق العباد! ومع المسّ من صورة صاحب الحق، يتمّ عبر ثنايا الفكر السائد لمستهلكي القنوات السائدة المسّ من جوهر الحق ويصبح الحق غير مشروع.

ومباشرة بعد بعث الرسالة، يستجيب المتلقّون لها وتبدأ موجات الشتم والتنديد بأولئك المجرمين الباحثين على لقمة سهلة بينما هم يعملون صباحا مساءا لخلاص ديونهم وقروضهم والإدّخار للعطل والأعياد!

أما عن البحث عن أسباب الظاهرة، فذلك يستوجب تحليلا معمّقا لفترة العشرين أو الثلاثين سنة الماضية. سنوات من التصحر الفكري ومن زرع ممنهج لروح الفردانية وثقافة لوم الضحية.

3- في منطق التبرير دون موجب

هناك للأسف من تلقّى رسالة لم تُوجّه له. فقد وجدنا من التقدّميّين الصادقين ومن المساندين الشرسين لهذه التحركات من أثّرت فيه الهرسلة الممنهجة التي مارستها السلطة. ولم يكتَفِ بتلقّيها، بل قام كذلك بنقلها كما هي.

والإشكال هنا كذلك: لمن تلك الرسائل؟ للمحتجين؟ هم أدرى الناس أن المحتجين والمخربين على خطّين متوازيين لا يلتقيان. للمخربين؟ هم أدرى الناس أنهم مدفوعو الأجر من المافيات وحتى الجماعات الإجرامية والإرهابية؟ فلمن هذه الرسائل إذا؟ إنّها للأسف موجّهة لنفس الكتلة الإجتماعية المذكورة اعلاه، وهي إذا محاولة لدفع التهمة عن المحتجين بنفس وسائل السلطة.

بهذه الطريقة، فقد أخطؤوا الدفاع وسجلوا هدفا ضد مرماهم بأن وقعوا في فخ التبرير دون موجب. والتبرير دون موجب هو مؤشر على استبطان الذنب…


4- خلاصة: المعركة اجتماعية ثقافية!

ما يمكن أن نراه مرّة أخرى عبر ما سبق، هو أن السلطة لا تكتفي بأجهزتها القمعية لتخمد نار التحركات، بل أنها كذلك تُوسّع جبهة أصدقائها بإدخال فئات إجتماعية في صفّها عبر أذرعها الإعلامية. ومهما تكن هذه الفئات موضوعيا مُضطهدة وغير ذات مصلحة بتواصل سلطة تخدم مصالح الأكثر ثراءا، فإن مخيال هذه الفئات يحجب عنها الواقع الموضوعي ويضع كل فرد منها في موضع القادر على اللحاق بمصاف الأثرياء.

على القوى التقدمية إذا أن تُدرج في قراءتها لطبيعة المجتمع وجود أدوات هيمنة غير ملموسة مثل علاقات الإنتاج أو عصا البوليس بل كذلك أدوات الهيمنة الثقافية التي تُسيطر على مخيال الأفراد وتَحجُبَ عنه واقعه الموضوعي كمُضطَهَدٍ لتزرع لديه رضا على وضعه وتفتح له آفاقا (لا وجود لها في الواقع إلاّ لبعض العشرات منهم) للّحاق بالأثرياء والأغنياء.