mohamed-talbi-livre

مقدّمة لابدّ منها

صدر هذا الكتاب في التسعينات و هو عبارة عن حوار مع المفكّر و المؤرّخ التونسي محمّد الطالبي. لقد وقع إنجاز هذا الكتاب بفضل مجهودات كلّ من منصف بن ونّاس، شكري المبخوت و حسن بن عثمان في إطار سلسلة ”شواغل“ و هي كانت سلسلة تتعرّض بالشّرح و النّقد لعديد المواضيع التي ”تُطْرَحُ على الواقع التونسي و العربي و عقوله المفكّرة“ و كلّ ذلك في سبيل نشر الفكر المستنير و التشجيع على إعمال العقل و ”تحفيزه للإشتغال دون تسليم و لا إستسهال“. و ربّما تظهر هنا راهنيّة القضايا المطروحة في الكتاب رغم مرور سنوات طويلة على إصداره، فالعالم الإسلامي يتخبّط منذ عقود في نفس المشاكل و المسلمون عموما لم تتغيّر طريقتهم في التفكير لذلك ظلّوا قابعين دون أيّ حلول أمام إشكاليّات متعلّقة بدينهم.

إنّ هدف كتابة مقال عن هذا الكتاب (الذي أسال حبرا كثيرا منذ صدوره) هو مجرّد محاولة لتذكير أبناء جيلي و من بعدهم بقيمة هذا المفكّر العظيم الذي قضّى عمره و أفناه في البحث و تقديم أعمال مهمّة. و من جهة أخرى، أردت أن أُبْعِدَ وَ أَمْحُوَ تِلك الصّورة التي ظهر بها الدكتور الطالبي في الإعلام التونسي في السنوات الأخيرة في برامج مبتذلة لا همّ لها سوى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.

ذكريات عابر إلى الله

يقدّم الدكتور الطّالبي نفسه على أنّه عابر إلى الله ”و كيف يأسف لفائت مَنْ حياته عبور نحو الله ؟“. هكذا تظهر فلسفته منذ البداية و نستنتج هذه النظرة الخاصة للإسلام بماهو دين رحمة و تسامح و حوار مع الآخر المختلف. يشرح الطالبي من خلال فلسفته أنّ الحياة هي إمتحان و عبور للحياة الأبديّة، قناعة راسخة في ذهنه تجعله يُعمل عقله أمام النصّ المقدس من جهة و يدقّق – و هو المؤرّخ – في أحداث تاريخيّة هامّة تجعله يطّلع على حقائق الأمور. ولعلّ هذا التمهيد لفكر الطالبي هو ما يمهّد الطريق أمام القارئ لمزيد التعمّق و إستيعاب مواقفه. و يعود الطالبي على مسيرته منذ دراسته بالسوربون و أجواء التّدريس و علاقة الزيتونة بالحماية الإستعماريّة كما ينقلنا هذا الجزء إلى وصف دقيق لوضعيّة الطّلبة التونسيين بباريس و علاقة الطالبي بالكتب في ظلّ الإنفتاح الفكريّ و تعدّد التيّارات الفكريّة في تلك الحقبة. من خلال إجابات طويلة و مسترسلة نجد أنفسنا نقارن – لا إراديا – بين ما كانت عليه الأمور و الأوضاع في تلك الفترة و ما وصلت له اليوم من تدهور، يشير كاتب ”ليطمئنّ قلبي“ إلى الإنحدار الذي شهده التعليم في تونس و ذلك نتيجة للسياسات الخاطئة المتّبعة من طرف أصحاب السلطة.

كُلُّنَا عِيَالُ الله !

”الإسلام و الأسئلة الصعبة“ هو عنوان الباب الثّاني في هذا الكتاب. يشرح الدكتور الطالبي من خلاله رأيه في أعمال عدّة مستشرقين حول حياة نبيّ الإسلام، كما يقدّم وجهة نظره في الأحداث الهامة في حياة الرسول من بدايتها. و يعمد إلى التأكيد على ضرورة التعامل العقلاني مع التاريخ و اتخاذ موقف محايد لإصدار أحكام صائبة، إذ ينطلق المؤرّخ دائما من أنّ ”الوثيقة مقدّسّة و التأويل حرّ“، غير أنّ مؤلّف كتاب ”كونيّة القرآن“ لا ينفي صعوبة المهمّة خاصّة و أن المؤرخ تتنازعه الأهواء و تأثر عليه معتقداته في أغلب الأحيان.

و يمكن إعتبار هذا الجزء من الكتاب بسط لمنهجيّة البحث الصحيحة لقراءة التراث و التعليق على الأحداث التاريخيّة. فالطالبي يضع خلاصة مسيرته بين يدي القارئ و يدعوه إلى اتباع المناهج العلميّة و التمعّن قبل تبني أيّ فكر أو رأي. إنّ نظرة الطالبي للقرآن كنصّ مقدّس لم تمنعه من الإقرار بضرورة تنزيله إلى سياق التاريخ لأنّه نصّ تاريخي بالأساس (على عكس ما تعتقده المجموعات الأصوليّة).

فالنصّ واحد و الأفكار متعدّدة، و هكذا لا مفرّ من تعدّد القراءات بتعدّد الأفكار.

يواصل الدكتور الطالبي بسط وجهة نظره بانيا كلّ تصوراته على أساس أنّ النص هو نص تاريخي بالأساس يقبل التأويلات المختلفة لا بل إنّ التعدّد و الإختلاف هو جوهر الرسالة المحمديّة و من أهمّ أعمدة الديانة الإسلاميّة. و يرى الطالبي – في نفس السياق – أنّ الجدال و المناظرات لا تحلّ الأزمة التي نشأت بين الأديان (خاصّة الأديان التوحيديّة) و الحلّ يكمن – حسب رأيه – في إرساء تقاليد لإقامة منظومة حوار بين مختلف الأديان، و يؤكّد على ضرورة التّمييز بين ”الجدال“ الذي يولّد خصومة و ”الحوار“ الذي يستوجب الإستماع إلى الآخر و قبول إختلافه دون أي محاولة للدخول في صراع.

إنّ مثل هذه الكتب – التي تنشر الفكر المستنير و تقدّم قراءة عقلانيّة للموروث الديني – هي التي تساعدنا على تجاوز الخطابات الداعية إلى التطرف و العنف و ترسّخ ثقافة الحوار و قبول الآخر المختلف في سبيل تحقيق رسالة الإسلام الحقيقيّة كما يراها الطالبي و غيره من المفكرين المستنيرين:

إنّ رسالة الإسلام هي أداء الأمانة، هي الإخلاص للميثاق، أي للمخطّط الإلاهي على الإنسان و هي ليست رسالة ظرفيّة في هذه الساعة و هذه الدقيقة إنّها رسالة أعلى و أرقى من ذلك.