منذ تسعينات القرن الماضي، لم يعد اللجوء إلى الأدوية والمستحضرات بلا وصفات طبية ولغير أغراضها العلاجية سلوكا معزولا، بقدر تحوله إلى تعبيرة اجتماعية بدوافع التفقير والتهميش للهرب من الواقع بأبخس الأثمان المادية، رغم العواقب الصحية المدمرة. فبين البطالة وانسداد الآفاق يتآكل الوعي فيجد بعض الشباب وحتى الكهول في هذه التركيبات الكيميائية ملاذا مؤقتا من واقع لا يطيقون ثقله، ووسيلة لتعليق الإحساس بالفشل والقلق والعجز لساعات، حتى وإن كان الثمن مزيدا من الارتهان لما يمنحهم راحة عابرة أو شعورا بالقوة وتغلبا مؤقتا على ما يؤرق من مشاكل.

حبوب كيميائية عادة ما ترافقها مواد أخرى تتوفر في المتاجر كالمشروبات الغازية والسجائر، تتحول إلى وصفة إدمان شبه يومي، صارت حاضرة في أغاني الراب ومجموعات مشجعي الكرة حتى صارت ليريكا اسما غير غريب على مسامع التونسيين،  لتعوّض في قاموس الشارع عقاقير أخرى مثل ”الباركيزول“ و ”الإكوانيل“ و ”الأرطان“ وغيرها من أنواع وأسماء أدوية الأعصاب المنتشرة بكثرة في تونس.

فما هي تركيبة ليريكا وما أنواعها واين تصنع وكيف تباع دون وصفات طبية محددة؟ تساؤلات سنعمل على الاجابة عنها اعتمادا على شهادات ولقاءات مع أخصائيين من المجال الطبي والصيدلي وبحوارات أجريناها مع عدد من الشباب المدمن على هذه الحبوب.

بطاقة تعريف ليريكا

تعود ملكية اسم ليريكا إلى شركة الأدوية الأمريكية ”بفايزر“ قبل أن تقوم بنقله سنة 2020 إلى شركة ”فياتريس“، يتم استيراد هذا الدواء رسميا إلى تونس عبر الصيدلية المركزية، كما تنتج بعض مختبرات الصناعات الصيدلانية في تونس أدوية جنيسة تكون تقريبا مطابقة لعلامة ليريكا الاصلية وذلك باعتمادها على مادة ”بريغابالين“. مادة البريغابالين هذه التي تصنّع كيميائيا، توفر حمض ”الغابا“ الموجود في الدماغ البشري والمسؤول عن تهدئة النشاط العصبي داخله وعلى امتداد الحبل الشوكي. تقلل هذه المادة من تدفق ”الكالسيوم“ إلى الخلايا مما يقلل الشعور بالألم المزمن ويهدأ من نوبات الصرع ويقضي على حالة التوتر الدائم.

أما ما يهمنا في هذا التحقيق، أي استعماله من قبل غير المرضى دون وصفات طبية دقيقة وواضحة، فيؤدي إلى تقلبات مزاجية حادة وعدوانية خطيرة إضافة إلى الهلاوس والاكتئاب الشديد، كما يدفع استعماله غير الطبي الدماغ إلى طلب جرعات أكبر بحثا عن الاسترخاء ما يؤدي إلى الوقوع السهل والسريع  في الإدمان. ويتضاعف الخطر عند التناول العشوائي دون جرعات محددة طبيا أو عند خلط هذه المادة مع مهدئات أخرى أو مواد كحولية، ما يهاجم الجهاز التنفسي ويفاقم خطر تعطّله مما يسبب الوفاة.

بطاقة التعريف الطبية لدواء ليريكا 300 مع تفاصيل تصنيعه وبعض موانع استعماله – الموسوعة الطبية

بين أحياء ومناطق مختلفة من البلاد وعند شباب تتقارب أعمارهم وتفاصيل حياتهم،  تتشابه الروايات التي جمعناها خلال إنجاز هذا العمل الصحفي حول دواء ليريكا إلى حدّ لافت. سنوات من الاستعمال جعلت هذه المادة حاضرة في تفاصيلهم اليومية، كما لو أنها جزء من روتين لا يستقيم دونها، يبدأ معها النهار منذ قهوة الصباح في مقهى الحي وتعود في نهايته تحت جدرانه، يصبح العثور عليها وتدبير ثمنها شأنا يوميا يزاحم بقية تفاصيل الحياة. بعض من تحدثنا إليهم يعرفون جيدا كم حبة يحتاجون في اليوم، وكم تكلفتها، ومن أين يحصلون عليها وما الذي يمكن أن يفعلوه إذا نفذت قبل موعد الحصول على غيرها، فيما يحكي آخرون عن سنوات أخذت فيها هذه الحبة مكانا ثابتا حتى بات الابتعاد عنها أمرا شبه مستحيل في نظرهم. إلا أن الملفت في الأمر بين الشباب الذين حاورناهم هو أن القصص لا تتوقف عند عدد الحبات المستهلكة بل تتحول الكمية إلى موضوع دائم للحديث والمقارنة، من تناول أكثر خلال يومه؟ من استطاع أن يرفع العدد خلال ساعات قليلة؟ ومن تجاوز رقم الأمس؟  فلم يعد استعمالها مجرد عادة يمارسها هؤلاء الشباب بل صار جزءا من صورة الفرد داخل المجموعة ومكانته بينها.

في حياة أحمد  (اسم مستعار لشاب حاورته نواة) لا تبدو الأيام مختلفة كثيرا بعضها عن بعض، شاب في العشرينات من عمره غادر مقاعد الدراسة ولم يجد في المقابل طريقا إلى العمل، فظل يتنقّل بين أزقة الحي الشعبي الذي يعيش فيه ومقهاه حيث تتشابه الوجوه والأحاديث وتمتد ساعات الفراغ في انتظار ما يكسر رتابة يوم لا يحمل الكثير من المفاجآت، وحدها كرة القدم تبدو في مخيلته قادرة على تغيير إيقاع هذه الحياة حين يقترب موعد مباراة الفريق الذي يشجعه فيستعد لها رفقة أبناء منطقته ومجموعته دون أن تغيب حبات ليريكا عن الموعد.

بالنسبة إلى الأشخاص الذين اعتادوا استهلاك ليريكا 300 فإن تناول أكثر من خمس حبات يوميا أصبح أمرا عاديا، وهناك من يتجاوز استهلاكه عشر حبات في اليوم الواحد.

بهذه الكلمات يصف أحمد في حديثه معنا حجم الاستهلاك الذي عاينه في محيطه حيث لم يعد الأمر مقتصرا على تناول حبة أو اثنتين بل يتجه لدى بعض المستهلكين إلى مضاعفة الكميات يوميا ويعكس هذا التصاعد، وفق شهادته، نمطا من الاستهلاك المتكرر الذي تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الجرعة والأخرى، فيما تصبح الكميات التي قد تبدو استثنائية بالنسبة إلى غير المستهلكين جزءا مألوفا من يوميات من اعتادوا استهلاك هذه الحبوب، مضيفا القول ”أرى يوميا تلاميذ يتعاطون ليريكا حتى قبل التوجه إلى المعاهد صباحا وأعرف عشرات منهم في معهد واحد بمدينتي“ مشيرا إلى أن هذه الحبوب وجدت طريقها إلى الأوساط المدرسية بسهولة  حيث بات عدد كبير من المراهقين يقبلون عليها في سن مبكرة فيما تحوّل استهلاكها لدى آخرين إلى شكل من أشكال التفاخر أمام أقرانهم. ويضيف أن المروّجين وجدوا في التلاميذ سوقا مربحة، مستفيدين من تنامي الإقبال عليها داخل محيطهم، حيث لا تبدو ليريكا مجرد مادة يتعاطاها البعض بعيدا عن الأنظار بل حبوبا يتداولها بعضهم ويتباهون باستهلاكها داخل المعهد والحي في مشهد يكشف عن اتساع دائرة انتشارها إلى فئات عمرية أكثر هشاشة.

يتراوح سعر الحبة الواحدة من ليريكا بين خمسة وثمانية دنانير، فيما يستقر السعر الأكثر تداولا في أغلب مناطق البلاد عند حدود سبعة دنانير، غير أن كلفة الاستهلاك لا تُقاس بثمن الحبة الواحدة بل بعدد الحبوب التي يتناولها المستهلك يوميا وما يرافق ذلك من نفقات إضافية ”تقريبا لم يعد هناك من يكتفي بحبة واحدة فأغلب الذين أدمنوا عليها يستهلكون ثلاث حبات على الأقل في اليوم“ يقول أحمد، مشيرا إلى أن الإنفاق اليومي على هذه الحبوب وما يرتبط بتعاطيها الذي يبلغ في المعدل نحو ثلاثين دينارا على الأقل، فإلى جانب ثمن الدواء ترتفع مصاريف السجائر المستهلكة ويضاف إليها مشروب غازي اعتاد أغلب المستهلكين شربه بالتزامن معها فضلا عن تزايد الرغبة في استعمال الجعة وغيرها من النفقات التي ترافق جلسات التعاطي.

لماذا ادمان ليريكا؟

لا يختزل محدثنا تأثير ليريكا في مفعولها على الجسد بل يتحدث عنها بوصفها حالة نفسية تغيّر علاقته بنفسه ومحيطه وتمنحه شعورا بالارتياح والثقة يتجاوزان ما اعتاده في حياته اليومية. يقول إن تناولها يجعله أكثر قدرة على الحديث مع الآخرين ويبدد شيئاً من تردده في التعامل معهم فيما تغمره نشوة تجعله يشعر بأنه أفضل حالا وأكثر حضورا،  لكن هذا التحسن الذي يصفه سرعان ما ينقلب إلى نقيضه حين تمر الساعات من دون أن يتناول الحبوب إذ تصبح ثقيلة وكئيبة ويفقد يومه شيئا من بريقه في علاقة تتجاوز الاستهلاك العرضي إلى الارتهان لما تمنحه المادة من شعور مؤقت بالقوة والراحة. تتغير نبرة أحمد كلما انتقل إلى الحديث عن الشجاعة التي يعتقد أن ليريكا تمنحها لمتعاطيها، يبتسم وهو يروي كيف يمكن للحبوب أن تجعل بعض مستهلكيها أكثر اندفاعا في الكلام، وأكثر استعدادا للدخول في نقاشات حادة قد تنقلب سريعا إلى مشادات عنيفة، قبل أن يضيف أن تأثيرها قد يتجاوز الجرأة في الحديث إلى شعور مبالغ فيه بالقدرة على المواجهة يكاد يوهم صاحبه بأنه قادر على التغلب على أي خصم مهما بلغت قوته أو عدد من يقفون أمامه، ويقول مبتسما ”بعد استعمال ليريكا لا يوجد مستحيل أنا أقوى من قبل ويمكن أن تصل بي الشجاعة والقوة إلى تحدي عشرة أشخاص أمامي دون أن أضع أي اعتبار آخر“ وبينما يسرد هذه التفاصيل، يبدو مدركا للمفارقة بين الثقة التي يشعر بها تحت تأثير الحبوب وبين ما قد تجره هذه الثقة من اندفاع وفقدان للتقدير السليم للعواقب.

لا يفصل أحمد هذه التجربة عن مظاهر العنف التي يقول إنه بات يلاحظها في محيطه، إذ يربط بين تعاطي ليريكا والتورط في صدامات قد تنتهي بعواقب خطيرة مشيرا إلى أشخاص ارتكبوا أفعالا جسيمة ثم ندموا عليها بعدما زال تأثير الحبوب، وهو يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن استهلاكها بات حاضرا في بعض الجرائم التي يراها جديدة على المجتمع التونسي أو أخذت تتكرر بصورة لافتة وصولا إلى جرائم القتل. ويقول أحمد إن الملاعب الرياضية ولا سيما ”الفيراجات“ وفق ما يعاينه ويراه أصبحت بدورها من الفضاءات التي يلحظ فيها هذا التطور للاستهلاك حيث يحمل بعض الشبان الحبوب معهم وكأنها وسيلة إضافية لتعزيز الجرأة والاستعداد للمواجهة خلال الصدامات والمشاحنات.  لا يخفي محدثنا عجزه عن تفسير ما يصفه بالتشنج المفاجئ والخروج عن السيطرة لدى عدد من المستهلكين ،من بينهم هو، رغم أنه يتحدث عن هذه التحولات كما لو أنها باتت جزءا مألوفا ونهاية متوقعة بعد الاستهلاك. وعلى الرغم من كل ما يسرده عن العنف والاندفاع وما قد ينجم عنهما من عواقب، لا يبدو أحمد في شهادته لنواة مستعدا للتخلي عن ليريكا في الوقت الراهن فهو لا يتحدث عن خطة للتوقف ولا يعبّر عن رغبة واضحة في الخروج من دائرة الاستهلاك التي استقرت في يومياته، بل يواصل التعامل معها باعتبارها مصدرا للشعور بالقوة والارتياح حتى حين يقرّ بأن تأثيرها قد يقوده إلى مواقف لا يستطيع تفسيرها أو التحكم في نتائجها.

بعيدا عن تجربة المستهلكين، تفسّر سوار، مختصة علم الاجتماع بالجمعية التونسية لمكافحة الأمراض المنقولة جنسيا، في حديثها لنواة، من خلال تعاملها مهنيا مع ملفات عدد من مستهلكي هذه الأدوية، أن بعض التحولات السلوكية التي قد ترافق الاستعمال غير الطبي ل”ليريكا“، انطلاقا من التمييز بين استعمالها العلاجي تحت إشراف طبي وبين تعاطيها من دون وصفة أو بجرعات تفوق الموصوفة بحثا عن النشوة أو تغيير المزاج أو الهروب من القلق والمشكلات اليومية. وتوضح محدثتنا أن الدواء الذي يوصف لعلاج آلام الأعصاب وحالات صحية معينة قد يتحول خارج هذا الإطار إلى مصدر لمخاطر تتجاوز الاعتماد عليه إذ يمكن أن يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى تراجع القدرة على التحكم في التصرفات وارتفاع الاندفاعية والتهيج والعصبية، فضلا عن التشويش في التفكير وسوء تأويل كلام الآخرين. وتزداد هذه التأثيرات تعقيدا عند خلط ليريكا بالكحول أو بمواد أخرى فيما قد يتسبب التوقف المفاجئ عنها بعد الاعتياد عليها في القلق والأرق والعصبية بما يجعل الاستهلاك حلقة يصعب الخروج منها.

لا ترى المختصة أن العدوانية نتيجة حتمية لاستهلاك ليريكا أو أن كل مستهلك لها يصبح أكثر ميلا إلى العنف، بل تشدد على ضرورة فهم الظروف التي يظهر فيها هذا السلوك وطبيعة المواد التي يستهلكها الشخص بالتوازي معها إلى جانب العوامل النفسية والاجتماعية المحيطة به. وينطبق الأمر نفسه على الجرائم التي قد يرتكبها بعض الأشخاص لتوفير المال اللازم لمواصلة الاستهلاك، مثل السرقة أو السطو، إذ لا يمكن اعتبارها نتيجة مباشرة لمفعول الدواء بقدر ما قد تتصل بحالة التعلّق به والرغبة الملحّة في الحصول عليه والظروف التي يعيشها المستهلك. ومن هذا المنطلق، تؤكد محدثتنا أهمية التعامل مع الظاهرة بعيدا عن الوصم والأحكام المسبقة وفهم العلاقة بين الاستهلاك والتحولات السلوكية التي قد ترافقه من دون اختزال جميع المستهلكين في صورة واحدة أو تحميل الدواء وحده مسؤولية سلوكيات تتداخل في تشكيلها عوامل متعددة.

أكتوبر 2026 تونس – الإدارة العامة للأمن الوطني تعلن عبر صفحتها على فيسبوك الاطاحة بعناصر تروج دواء جنيسا لليريكا مع حجز كميات هامة منها و مبالغ مالية – الصفحة الرسمية للإدارة العامة للأمن الوطني

تجارة ليريكا .. سوق موازية و أرباح متنامية

على خلاف ما قد توحي به أسعار البيع للمستهلكين تجري تجارة ليريكا، وفق بعض الشهادات التي جمعناها، خارج المسالك التجارية العادية وعبر شبكات تتركز في مناطق ومدن محددة توفر الحبوب بكميات كبيرة. ويكون التسعير حسب ما يُعرف في الأوساط المتداولة باسم ”القشرة“ أو المعروفة أكثر بتسمية ”الطبلية“ (أي شريط الدواء الواحد مع اختلاف عدد الحبات التي يحتويها) إذ قد تضم بعض الأشرطة عشر حبات أو خمس عشرة، فيما يصل العدد في الأشرطة الأكبر إلى خمسين حبة، ويفيد تقاطع الشهادات أن  سعر الاقتناء من المهرّبين المباشرين قد ينخفض إلى دينار واحد للحبة وإن السعر الأكثر تداولا للبيع بالجملة يبلغ نحو 450 دينارا لكمية تضم 150 حبة مع إمكانية الحصول عليها بأقل من ذلك في بعض الحالات، أما عند إعادة البيع، فيقدّر هامش الربح بنحو 500 دينار، وهي كمية بالإمكان تصريفها في يوم واحد داخل الأحياء الشعبية والمدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

في المقابل يضع زبير قيقة ،رئيس نقابة الصيدليات الخاصة، الفاصل بين الدواء المتداول في المسالك القانونية وتلك الحبوب التي تنتشر خارجها، موضحا لنواة أن صرف ليريكا في الصيدليات يخضع لضوابط دقيقة، في مقدمتها تقديم وصفة طبية ممضاة من الطبيب المباشر، فيما اتجه بعض الصيادلة خلال الفترة الأخيرة إلى طلب بطاقة هوية المشتري أيضا في ظل تنامي انتشار هذه المادة وتزايد الإقبال عليها. ويبيّن قيقة أن دواء ”بريغابالين“ المعروف تجاريا باسم ليريكا والذي تنتجه شركة بفايزر متوفر في تونس بتركيزَي 75 و150 ملغ، إلى جانب بدائل تنتجها مخابر أخرى، غير أن التركيز الأكثر تداولا في السوق الموازية، وهو 300 ملغ، لا يُصنّع في تونس ولا يرخّص لتداوله فيها ما يجعل مصدره الوحيد ، وفق تصريحه، شبكات التهريب التي تتولى إدخاله إلى البلاد خارج المسالك الرسمية. ويضيف محدثنا أن الصيدليات تخضع لمتابعة مستمرة للكميات التي تتزود بها وتلك التي تصرفها بما يتيح تتبّع حركة الدواء داخل القطاع المنظم، فيما تكشف الأسعار القانونية بدورها عن فارق واضح بين هذه المستحضرات وما يتداول خارجها إذ يبلغ سعر علبة ليريكا بتركيز 150 ملغ التي تضم 56 كبسولة 56 دينارا بينما يصل سعر علبة ”EDGAR 150“، وهو دواء جنيس يحتوي على المادة نفسها ويضم 60 كبسولة، إلى 72 دينارا. كما يشير زبير قيقة إلى أن ليريكا 300 ملغ تصل إلى تونس عبر شبكات تهريب تنطلق من دول آسيوية وخليجية وتمتد مساراتها إلى تونس وعدد من البلدان المجاورة، وفق معلومات متقاطعة من مصادر مختلفة، مشيرا إلى أن تونس أصبحت خلال السنوات الأخيرة وجهة لترويج هذه الحبوب وأحيانا محطة عبور نحو أسواق أخرى بعد أن كان انتشارها يتركز أساسا في بعض دول شمال افريقيا.

ردع حاضر وعلاج غائب

لا تكاد صفحات وزارة الداخلية وعدد من الأسلاك تخلو من بلاغات تعلن حجز كميات من أقراص ليريكا خلال عمليات متفرقة، تتلقفها وسائل إعلام وتعيد نشرها في أغلب الأحيان من دون تجاوز الرواية الرسمية أو التدقيق حتى في التسمية، إذ يتكرر على سبيل المثال تسميتها ب”ايريكا“ بدل ليريكا دون مجرد حتى الاجتهاد في البحث عن اسمها العلمي الصحيح. وعلى الرغم من تواتر أخبار حجز آلاف الأقراص والإعلان عن تفكيك شبكات ترويج وإيقاف مشتبه بهم، فإن هذه العمليات لم تمنع استمرار تدفق الدواء إلى السوق الموازية كما لم تبدُ الومضات التحسيسية التي تطلقها الوزارات من حين إلى آخر قادرة على تغيير علاقة فئات من الشباب بهذه الحبوب، بل إن بعض تلك الحملات تحوّل إلى مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث قوبل خطابها في مناسبات عدة بالتندر والتهكم وسط انتقادات لضعف معالجتها الاتصالية وابتعادها عن واقع الاستهلاك ودوافعه إلى حد أن بعض التعليقات سخرت منها باعتبارها ومضات قد تدفع غير المستهلكين إلى تجربة المخدرات بدل تحذيرهم من مخاطرها.

ولا يقتصر الأمر على محدودية أثر المقاربة البوليسية والتحسيسية في نظر هؤلاء الشباب، بل يمتد إلى تصوراتهم بشأن التبعات القانونية للاستهلاك والحيازة. فأغلب من حاورناهم لا يعتقدون أن ضبطهم بأقراص ليريكا يعرضهم للملاحقة نفسها التي قد يواجهونها عند حيازة القنب الهندي مثلا، وهو تصور يقولون إنه تشكل من خلال ما يلاحظونه في محيطهم وتجاربهم المتداولة، وهو ما يعبّر عنه أحمد  بوضوح قائلا:

أن يجد عندي شرطي عشرة أقراص ليريكا أفضل بكثير من أن يجد ”جونته“ واحدة أو ورقة لف، ما نراه ونلاحظه أن ليريكا عموما لا تتسبب في الزج بنا في السجن وها نحن نستعملها ولا نخاف.

وتكشف قراءة الإطار القانوني المنظّم لتداول ليريكا واستهلاكها في تونس عن تمييز في المعاملة الجزائية بين المواد المصنّفة ضمن الجداول القانونية المختلفة، وفق ما توضحه المحامية ملكة بودربالة في حديثها لنواة، وتقول بودربالة أن المرجع الأساسي في هذا المجال هو القانون عدد 54 لسنة 1969 المؤرخ في 26 جويلية 1969 والمتعلق بتنظيم المواد السميّة، الذي يضبط تصنيف هذه المواد ضمن الجدولين ”أ“ و”ب“. ويشمل الجدول ب، وفق توضيحها، مواد مخدّرة من قبيل القنب الهندي والكوكايين والإكستازي، في حين يتضمن الجدول أ مواد صيدلانية مثل ليريكا يخضع تداولها لشروط وضوابط من بينها الحصول على وصفة طبية وقد يؤدي استهلاكها خارج الإطار العلاجي وبصفة متواصلة إلى الاعتماد عليها والإدمان.

تتراوح العقوبة السجنية لحيازة ليريكا دون وصفة طبية بين ستة أشهر وسنة، فيما تصل عقوبة ترويجها وبيعها إلى خمس سنوات سجنا، وهي عقوبات تعتبرها أخفّ من تلك المقررة لبعض المواد المدرجة بالجدول «ب»’

توضح الأستاذة بودربالة أن القانون يشدّد العقوبات في بعض الجرائم المرتبطة بهذه الادوية ، لتبلغ الحد الأقصى المقرر قانونا، ومن ذلك تسليم هذه المواد دون ترخيص أو الحصول عليها باستعمال وصفة مدلسة أو تسليمها عمدا بناء على وصفة مزوّرة، فضلا عن الحالات التي يتعمد فيها طبيب وصفها دون حاجة أو يتعاطى فيها الشخص باستعمالها بصورة اعتيادية جماعية، أو يسهّل استعمالها للغير بمقابل أو دونه.

مارس 2025 تونس – منشور من صفحة الإدارة العامة للأمن الوطني على شبكة فيسبوك يعلن الإطاحة بوفاق إجرامي يروج مخدر “ايريكا”.

يبقى علاج الإدمان في تونس الحلقة الأضعف والأكثر غيابا عن السياسات العمومية في مشهد تتقدم فيه أدوات الردع على حساب الرعاية الصحية والاجتماعية ويترك فيه أشخاص أنهكهم الاستهلاك المفرط والإدمان من دون مسارات علاجية واضحة أو مؤسسات متخصصة قادرة على مرافقتهم. ففي بلد لا تتوفر فيه مراكز متخصصة لعلاج الإدمان بالقدر الذي تستوجبه الظاهرة تقتصر محاولات الإحاطة بالمدمنين على مبادرات جمعياتية محدودة الإمكانيات، تسعى إلى توفير الدعم والمرافقة بما تسمح به مواردها في وقت تتجاوز فيه الحاجات الفعلية ما تستطيع هذه المبادرات الاستجابة له. وأمام هذا الفراغ برزت مبادرات فردية يطلقها أشخاص لا تتوفر لديهم المؤهلات الطبية أو العلمية اللازمة، معلنين رغبتهم في مساعدة أشخاص أنهكهم الإدمان و موثقين تجاربهم وقصص المنتفعين عبر صفحاتهم على فيسبوك، ومن بين الأساليب التي يروج لها بعضهم ما يُعرف في أوساط الشباب بـ”حبس الدار“ أي عزل الشخص في المنزل ومحاولة منعه من استهلاك المادة التي اعتاد عليها أملا في دفعه إلى التوقف عنها. ورغم ما قد يقف وراء هذه المبادرات من رغبة في المساعدة وسد فراغ تركته المؤسسات المعنية فإن حسن النية لا يضمن سلامة هذه الممارسات إذ يحذّر أطباء ومختصون من مخاطر محاولة الانقطاع عن بعض المواد دون تقييم طبي أو متابعة صحية لما قد يصاحب ذلك من أعراض انسحابية ومضاعفات تختلف باختلاف المادة المستهلكة وحالة الشخص ودرجة اعتماده عليها. فيجد بعض الراغبين في التعافي أنفسهم بين منظومة علاجية محدودة الخيارات ومبادرات غير متخصصة قد تعرّضهم لمخاطر إضافية في ظل تركيز واضح على ملاحقة المستهلكين من دون إتاحة بدائل علاجية كافية تساعدهم على الخروج من دائرة الإدمان.