“شرعنا في إصلاح المنظومة الأمنيّة تجسيما لأهداف الثورة و استجابة لمتطلّبات المجتمع الديمقراطي المعاصر الذي تُمثّل فيه الحُرمة الجسديّة و المعنوية للمواطن وحرياته الفرديّة حقوقا أساسيّة لا يُقبل انتهاكها”
-وزير الدّاخلية علي العريّض -حفل اختتام السّنة التكوينيّة لمُختلف المدارس الأمنيّة لسنة 2011-2012

على ضوء مستجدّات الأحداث في تونس مؤخّرا تبدوا تصريحات وزير الداخلية حول إصلاح المنظومة الأمنيّة مجرّد كلام رنّان دون تفعيل على أرض الواقع، فقد بدى جليّا أنّ وزارة الداخليّة لا تزال على سابق عهدها و أنّ العقيدة البوليسية التي ترى في المواطن عدوّا لا تزال قائمة، يُضاف إليها دوافع نفسية تشجّع على تجسيد هذا العداء على أرض الواقع حيث تتمثّل هذه الدوافع في إحساس الأعوان و الضّبّاط المستجدّين بالحصانة نظرا لتمتّع المسؤولين عن قتل المدنيين أيّام الثورة بالإفلات من العقاب.

إذاً وضع علي العريّض -الذي من المفترض أن تكون مرجعيّته إسلاميّة -نفسه تحت طائلة الآيتين الثانية و الثالثة من سورة الصّفّ حيث يقول اللّه تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}.

توفّي الشاب محمّد العبيدي أصيل منطقة الزهروني بالعاصمة يوم 18 أوت الماضي بعد أن تعرّض للضرب يوم 30 جويلية 2012 من طرف أعوان الشرطة العدليّة بالزهروني، كما اعتُقل يوم 26 أوت 2012 منتصر طاهرية الشاهد على الواقعة التي تورّطت فيها الشرطة العدلية و تمّ الإعتداء عليه من طرف أعوان الأمن بالغاز ثمّ بالصاعق الكهربائي ممّا تسبّب له في حروق بليغة على وجهه و كامل جسده كما إعتدى أعوان الشرطة بالعنف الشديد على زوجته الحامل حسب شهود من أهالي الزهروني.

توفّي كذلك المواطن عبد الرؤوف الخمّاسي يوم السبت 08/09/2012 جرّاء تعرّضه للتعذيب و الضرب المبرح بمقرّ الشرطة العدليّة بالسيجومي.

من جهة أخرى قام أعوان شرطة يوم 3 سبتمبر الماضي في منطقة عين زغوان بالضاحية الشمالية بإغتصاب فتاة عندما كانت على متن سيارتها.

الملاحظ عقب هذه السلسلة من الأحداث هو البيانات ذات النبرة التبريرية من طرف وزارة الداخلية و التصريحات المخالفة لأخلاقيّات مهنة الحفاظ على الأمن للسيد خالد طرّوش الناطق الرّسمي باسم الوزارة، إضافة إلى ذلك نشرت نقابة قوات الأمن الداخلي بيانا حاولت من خلاله تشويه صورة الضحايا، بيان تجاوزت به النقابة دورهاالمفترض و ذكّرتنا بأساليب عهدناها أيّام بن علي، و كأنّ المنظومة الأمنية رغم التحويرات التي طرئت على جزء من هياكلها و قياداتها حافظت على طبيعتها الإجرامية و تحاول التستّر على الأعوان المتّهمين تكريسا لتقاليد الإفلات من العقاب.

لمحاولة فهم جذور الخلل في آداء أعوان الأمن و أسباب تواطئ المنظومة الأمنية إتّصلنا بالدّكتور يسري الدّالي كاتب عام مركز تونس للعدالة الإنتقالية و أحد مؤسّسيه، و الرئيس السّابق لخلية علم النفس التطبيقي بالإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية و مدير الدراسات وتطوير الكفايات السابق في وزارة الداخلية، وهو في الأصل خبير نفساني و أنجز في الفترة الأخيرة بحوثا معمّقة حول الإستراتيجيّة التي يجب إتّباعها لتحقيق إصلاح فعليّ للمنظومة الأمنيّة، حيث شخّص مكامن الخلل في الأجهزة الأمنيّة و اقترح حلولا عمليّة لإصلاحها.

⬇︎ PPTX

يرى الدكتور الدّالي أنّ هيكليّة وزارة الداخليّة تُكرّس للديكتاتورية حيث أنّها تمكّن من تغوّل و تسلّط المؤسّسة الأمنية و تمنح الحصانة للأمنيين المخالفين للقانون و تمكّنهم من الإفلات من العقاب، كما تعجّب محاورنا من حلّ “إدارة أمن الدولة” في حين أنّه من المفترض إبقائها مع تغيير مهامّها و حلّ فرقة مكافحة الإرهاب و حلّ فرق الإرشاد التي تمثّل العمود الفقري للبوليس السياسي و بالأخصّ لتسييس البوليس و التي بقيت عمليّة إلى الآن مع إعادة توظيفها في إطار الإرشاد العدلي تحت رقابة النيابة العموميّة.

من جهة أخرى دعى الخبير الأمنيّ إلى دمج الإدارة العامّة للمصالح المُختصّة و الإدارة العامّة للمصالح الفنيّة و إنشاء وكالة أمنيّة تنصهر فيها الإدارتان، كما شدّد على ضرورة دقّة إسناد الخطط و الوظائف للإدارات العامّة و للإدارات الفرعيّة ثمّ المصالح و المكاتب وصولا إلى الأعوان صلب وزارة الداخليّة، كما أشار الدكتور الدّالي أنّه لو كانت هنالك مرجعيّات خطط و وظائف أيّام الثورة لتمكّنا من تحديد المسؤوليّات مباشرة و بصورة قطعيّة.

أشار الدكتور الدّالي أيضا إلى غياب الضوابط و الأُطر التي تُنظّم النُقل و الترقيات و العقوبات الخاصّة بأعوان و ضّبّاط وزارة الداخليّة و شدّد على أنّ النُقل التعسّفية تُستعمل للضغط على الموظّفين في المؤسّسة الأمنيّة، كما تساءل عن أسباب تجاهل نقابة قوّات الأمن الدّاخلي لذلك و وضّح أنّ الخطوة الأولى لضمان أمن جمهوري هو تحديد أُطر تضمن المسار المهنيّ للموظّف و دعى إلى تفعيل علويّة هياكل الرقابة الإدارية على وزارة الداخليّة.

إضافة إلى ذلك قدّم الدكتور الدّالي قراءة أمنيّة، قانونية و نفسيّة للخلل الذي لا يزال قائما في عمليّة الإنتداب و الذي أدّى إلى إفراز جيل من رجال الأمن لا يمتلكون ملامح الشخصيّة الأمنية بمفهوم “الأمن في خدمة الشّعب”.

في الختام شدّد الخبير الأمنيّ على ضرورة إعادة صياغة النصوص التشريعيّة و الترتيبيّة التي تنظّم المؤسّّسة الأمنية، و دعى إلى إيجاد أخلاقيات للعمل النقابي و تحديد مواصفات للنّقابي، و اعتبر أنّ نقابة قوات الأمن الداخلي في الفترة الأخيرة كانت عقبة أمام إنضباط الأمنيين و أعاقت مهمّة الحفاظ على الأمن