fmi-tunsie

في إطار مساعينا لإنارة الرأي العام حول قضية القرض الاحتياطي الذي تنوي الحكومة التونسية الحصول عليه من صندوق النقد الدولي قمنا بإجراء هذا الحوار الأول من سلسلة الحوارات التي نعتزم القيام بها مع مجموعة من الخبراء الإقتصاديين الدوليين.

حوارنا الأول كان مع الخبير الدولي السيد ﻣﺎﺭﻙ ﻭﻳﺴﱪﻭﺕ، مدير مركز البحوث الاقتصادية و السياسية، بواشنطن.

محاور الحوار الثلاثة كانت :

– موقفه من تعامل تونس مع صندوق النقد الدولي.
– هل توجد بدائل أخرى أسلم و أنجع للإقتصاد التونسي.
– موقع صندوق النقد الدولي من إستراتيجية الهيمنة الأمريكية على ما بات يعرف بالربيع العربي.

فيما يلي نص الإجابة التي تفضل بها السيد ﻣﺎﺭﻙ ﻭﻳﺴﱪﻭﺕ :

المشكل مع صندوق النقد الدولي أنه يعتبر القيادة الرئيسية في هذا المجال لأنه يحدد السياسات الاقتصادية الكبرى. أما البنك الدولي فلديه الكثير من النفوذ لأنه يتحالف مع صندوق النقد في معظم البلدان و هذا ما حوّل المؤسستين إلى جانب عدد من المؤسسات الممولة المتعددة الاطراف إلى نوع من الإتحاد الإحتكاري للمولين أو الكارتل ذي التأثير الواسع على البلدان ذات الدخل المنخفض.

إلا أن صندوق النقد الدولي فقد الكثير من قوته الائتمانية، ققد خرجت معضم بلدان أمريكا اللاتينية من دائرة نفوذه، و لم تعد تقترض منه أو تستمع إلىه. و هذا ما حصل أيضا مع البلدان ذات الدخل المتوسط بعد الأزمة المالية الآسيوية في التسعينات حيث غادرت كوريا الجنوبية و تايوان تايلندا و الفيلبين و حتى روسيا صندوق النقد الدولي و لم يعودوا إليه بعد تجربتهم تلك. و مقابل هذه الخسارة فإن صندوق النقد الدولي يمتلك الآن موارد ضخمة أغلبها في أوروبا.

المهم هنا أن صندوق النقد الدولي غالبا ما يدعم سياسات مضرة باقتصاد البلدان المقترضة، من قبيل السياسات النقدية و الجبائية الخانقة و الإصلاحات الهيكلية و الخصخصة التي تضعف النقابات و القوة العمالية و التي غالبا ما يكون لها تأثيرا سلبيا على إعادة توزيع الثروة لصالح الأثرياء.

و هذا طبعا حسب البلد المعني بهذه الإصلاحات. فبالنسبة للبلدان النامية فإن صندوق النقد الدولي يجعل من الصعب على هذه البلدان رسم أية استراتيجية تنموية لأن الصندوق بطبعه يعارض هذا التوجه.

أما بالنسبة لتونس و على المدى القريب فإن صندوق النقد الدولي لا يدعو إلى إصلاحات جذرية. إلا أن لديه برنامج و استراتيجية متوسطة المدى أعتقد أنها مضرة جدا.

فقد سجل الإقتصاد التونسي انكماشا بنسبة 2.5٪ إلى 2.7٪ خلال العام الماضي. أما معدل البطالة فيتراوح بين 18٪ و 19٪. و أغلب هذا كان تحت تأثير الصدمات الخارجية، مثل عودة العمال التونسيين من ليبيا التي عمقت أزمة البطالة. لكن السبب الأهم يعود إلى الأزمة الإقتصادية في أوروبا و انعكاساتها السلبية على تونس.

و من المفارقات أن ما يقوم به صندوق النقد الدولي في أوروبا يضر مباشرة بالإقتصاد التونسي. فمعظم الاستثمارات تأتي من أوروبا و كذا التحويلات النقدية للعاملين بالخارج. أوروبا تحتل أيضا المركز الأهم بالنسبة للصادرات التونسية. و كل هذا تأثر بسبب الأزمة االحالية التي تعصف بمنطقة اليورو، الشيء الذي يضر تونس حاليا أكثر من أي شيء آخر.

و في المقابل لا تبدو الخطة المقترحة من قبل صندوق النقد الدولي جيدة. فالصندوق يريد تقليص العجز في الميزانية إلى حدود 2٪ بحلول عام 2017 و هذا سيؤذي الإقتصاد التونسي الذي يشهد انكماشا. كما أن الصندوق يرغب في تقييد السياسة النقدية مما سيسبب بطئا في النمو الاقتصادي.

المشكل أن تونس تواجه عجزا كبيرا إلى حد ما في الحساب الجاري ب 7.5٪ من الناتج الداخلي الخام، هذا على الأقل بالنسبة للسنة الفارطة. إضافة إلى عجز الإحتياطي من العملة الأجنبية. الشيء الذي يقوي موقع صندوق النقد الدولي خلال مفاوضاته مع تونس، إلا إذا تمكنت تونس من إيجاد بدائل أخرى لاقتراض الاحتياطات التي في الحقيقة لا تمثل مبلغا كبيرا.

سيكون من الرائع إذا أن تتمكن تونس من الحصول على البعض من هذه الإحتياطات من الصين مثلا أو من الدول التي لديها الكثير من احتياطات العملة الأجنبية. فبعض حكومات أمريكا اللاتينية التي رفضت السياسات التقشفية التي يمليها صندوق النقد الدولي حصلت على بعض الأموال من الصين مثلا. توجد الآن موارد من الإحتياطات التي لم تكن متوفرة قبل 10 سنوات و هذه هي أحدى الأسباب االتي جعلت صندوق النقد الدولي يفقد بعضا من قوته.

حسب المعلومات المتوفرة لدينا، أعتقد أن البرنامج المقترح بين صندوق النقد الدولي و تونس يدور حول 2 مليار دولار امريكى و هذا البرنامج سيضر بالإقتصاد التونسي أكثر من أن ينفعه. في آخر إستشارة لصندوق النقد الدولي مع تونس في شهر سبتمر الفارط و في البند الرابع منها أبدى الصندوق عن رغبته في تقليص البطالة و الفقر و مساعدة الطبقات المعوزة إلا أنه لم يقدم أي اقتراحات عملية لتحقيق هذه الأهداف. و إذا ما دققنا في برنامج الصندوق المتوسط المدى فسنلاحظ رغبته المعلنة في تقليص العجز و تقييد السياسة النقدية. الشيئ الإيجابي الوحيد الذي أراه في البرنامج يتمثل في تخفيض قيمة الدينار التونسي الذي سيكون له تأثيرا أيجابيا على الإقتصاد و هم محقون في ذلك. المشكل أن تخفيض قيمة الدينار قد ينتج تضخما قد لا يكون حادا بالضرورة.

و سيأتي صندوق النقد الدولي حينها بحزمة برامج سلبية على الإقتصاد للحد من التضخم. و سيسعى إلى التقليص من دعم بعض المواد مثل الطاقة و الغذاء و إلى الرفع في الأسعار مما سيضر بالمجتمع و سيزيد من أزمة البطالة. فصندوق النقد الدولي لا يكترث من هذه القضايا، كل ما سيطلب هو الحد من التضخم مهما كانت السلبيات حتى و إن ارتفعت نسبة البطالة. البرنامج الذي يقترحه صندوق النقد مضر في عمومه بالإقتصاد التونسي.

لذا فإني أتمنى أن يتمكن النظام التونسي من إيجاد حلول بديلة للتمويل مما يمكنه على الأقل من قدرة تفاوضية قوية مع الصندوق و قد يدفعه هذا أيضا إلى الإستغناء كليا عن صندوق النقد الدولي مثل ما فعلت العديد من البلدان.

يجب على النظام التونسي أولا أن يقدم حلولا للنسبة المرتفعة للبطالة التي تتراوح بين 18٪ و 19٪. حتى أن صندوق النقد الدولي يقر نظريا في ورقته أن تونس بحاجة إلى تكثيف الإستثمار العمومي و إلى خلق مواطن شغل من أجل تحقيق هذا، منتقدا تقصير الحكومة التونسية في هذا المجال خلال الفترة السابقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه يكمن في مصادر تمويل مثل هذا الإستثمار. و ليس مستحيلا على تونس أن تحقق هذا، إلا أن صندوق النقد الدولي سيندد بارتفاع نسبة العجز و سيسعى إلى تقليصه. المعضلة هنا أنه لا يمكن تحقيق الغايتين في نفس الوقت. و أعتقد انه من مصلحة تونس و مصر خلق مواطن شغل حتى و إن كلفهما ذلك ارتفاعا في نسبة العجز لبعض سنوات. هذا هو الهدف الأهم و العاجل بالنسبة للبلدين. أما إن ضحيا باقتصادهما من أجل تسديد الديون أو من أجل التخفيض في عجز السيولة النقدية و التجارية فسيواجهان نفس الأزمة التي تعاني منها أوروبا حاليا : ركودا إقتصاديا طويلا و ارتفاعا في نسبة البطالة.

على تونس و مصر أيضا أن يبحثا عن حلول بديلة في حال شكلت الشروط المجحفة لصندوق النقد الدولي عائقا للنمو الإقتصادي و لمعالجة أزمة البطالة. يمكن مثلا التفكير في الحد من التوريد قصد التقليص من حاجتهما للعملة الصعبة أو التفكير في السيطرة على رأس المال حفاظا على بقاء العملة الصعبة داخل أرض الوطن.

هناك إذا العديد من الحلول التي يمكن للحكومات إيجادها. فقد تمكن الأرجنتين مثلا من تعليق تسديد الديون منذ 11 سنة و لم يتمكن باستطاعة البلد التداين مجددا في السوق العاللمية منذ ذلك لوقت، إلا أنهم نجحوا في تحقيق نسبة نمو أكبر من بقية بلدان العالم و نجحوا أيضا في تقليص الفقر بشكل ملفت للإنتباه. فقد سجلوا كل هذا النجاح دون اللجوء إلى سوق رأس المال العالمي. أتمنى أن تتمكن تونس و مصر من انتهاج هذا المسلك بدل التضحية باقتصادهما.

في كل الحالات التي شاهدتها هناك دائما حلولا بديلة لبرامج صندوق النقد الدولي. الإستثناء قد يكون مع أفقر دول العالم التي لا تملك أحيانا خيارات آخرى. لكن تونس و مصر ليسا في هذه الوضعية.

كلنا نعرف، و هذا أيضا مشاع هنا في واشنطن، أن السبب الذي يجعل الحكومة الأمريكية تساهم بقدر هام في تمويل صندوق النقد الدولي و تدافع عنه بشراسة عندما تطالب بتصريح من الكنجرس من أجل ضخ الأموال للصندوق، و يقولون هذا بشكل علني، هو النفوذ العالمي و التأثير علي سياسة الدول من خلاله.
لقد خسرت الولايات المتحدة الكثير من نفوذها في العالم بسبب تراجع نفوذ صندوق النقد الدولي إلى نصف المستوى الذي كان عليه قبل عشر سنوات. فبالنسبة للولايات المتحدة يشكل صندوق النقد الدولي أهم أداة نفوذ لها في البلدان النامية. لقد كان دور صندوق النقد أكبر من دور الجيش الأمريكي و من دور وكالة المخابرات الأمريكية و من دور كل العمليات السرية و من دور برامج وزارة الخارجية الأمريكية.

صندوق النقد كان أهم دعائم النفوذ الأمريكي في العالم لأنهم يسيطرون على الإتحادات الإحتكارية (كارتل) للممولين مثل البنك العالمي و البنوك الجهوية و نادي باريس و غيرها من الذين يرفضون تمويل الدول التي لا تطبق ما يمليه صندوق النقد الدولي من برامج. إلا أن تأثيرهم قد تراجع بشكل كبير و لم يعد لصندوق النقد الدولي و بالتالي للحكومة الأمريكية نفس النفوذ الي كانا بتمتعان به سابقا.
لأجل هذا يجب على تونس و مصر أن يدرسا جيدا التعاقد مع صندوق النقد و أن يسعيا إلى البحث عن بدائل تمويل لتجنب الشروط التي يمليها صندوق النقد الدولي. فأهم شيء هي تلك الشروط المرتبطة بالدين و ليس الدين بحد ذاته أو فائضه.

على المدى القصير يخشى الساسة، إذا ما اختاروا نهجا مستقلا عن الدوائر المالية العالمية، من مواجهة الأزمة مثل ما حصل في الأرجنتين. و خلال الأزمة المالية التي شهدتها آسيا في التسعينات رفضت ماليزيا برامج صندوق النقد الدولي و قامت في المقابل بالسيطرة على خروج العملة الصعبة و نجحت على ما يبدو أكثر من البلدان التي طبقت توصيات صندوق النقد. لذا فمن الممكن إيجاد حلول بديلة بشرط أن تكون الحكومة قوية و قادرة. و يجب على هذه الحكومات أن تحشد التأييد الشعبي الذي بدونه ستكون الأمور أصعب و أن تصارح الشعب بخياراتها الأليمة في مواجهة مثل هذه القوى الأجنبية التي ستضر برامجها بالبلاد أكثر.

بالطبع تجد في كثير من الأحيان حكومات يمينية أو نيوليبيرالية تتناغم برامجها مع برامج صندوق النقد الدولي و يستعملونه كمجرد غطاء لتمرير سياسياتهم الإقتصادية و المالية. و حتى من المنظور السياسي فمن السهل أن تتملص هذه الحكومات من المسؤولية بإلقاء اللوم على برامج صندوق النقد الدولي في حال فشلها. أما إذا اختارت هذه الحكومات سياسة مستقلة عن صندوق النقد، مثل البلدان الأوروبية التي تريد الخروج عن منظومة الأورو، فإنها ستتحمل تبعات كل الأخطاء التي يمكن أن تلحق بالأوضاع.

أعتقد أن فكرة التدقيق في الديون السابقة جيدة لأنها ستساعد حشد التأييد الشعبي اللازم لإلغاء الديون في حالة ما إذا كان الخيار الضروري أو الأفضل مثلما حصل في الأكوادور، حيث وعد النظام خلال حملة رفاييل كوريا الإنتخابية بتكوين لجنة مستقلة للتدقيق في الديون و وعد بعدم تسديد أي دين تم اقتراضه بطريقة غير شرعية.

فليس من العدل أن تتحمل الشعوب تبعات الديون التي تحصل عليها حكامهم الدكتاتوريون و أحيانا بطرق غير شرعية في الوقت الذي حُولت هذه المبالغ إلى حساباتهم الخاصة في بلدان مثل سويسرا دون أن ينتفع بها الشعب.

باستثناء بعض الحالات التي ترى فيها الحكومة الأمريكية مصلحة سياسية لتقديم قروض لدول مثل تونس و مصر حتى و إن لم تطبق هذه الدول توصيات صندوق النقد الدولي، باستثناء هذه الحالة النادرة، فلم أرى أبدا مساندة صندوق النقد الدولي لأي برنامج صناعي للبلدان المقترضة.

باستثناء أوروبا، الخزينة الأمريكة هي التي تدير حقيقة صندوق النقد الدولي في البلدان النامية. و الخزينة الأمريكية هي التي سترسم السياسة في مصر و تونس.

=====

نقله إلى العربية سامي بن غربية