Artillerie_beylicale-tunisie

مدفعية الباي حوالي سنة 1900، مصدر الصورة: ويكيبيديا.

 

بقلم ابراهيم حداد، كولو نيل متقاعد،

منذ القديم، اعتبرت الخدمة الوطنية تشريفا نبيلا، ووصل الأمر في بعض العهود (اليوناني والروماني( إلى حكر ذلك على الأسياد دون الرعاع من الشعب.

ومن هنا نبعت قداسة الدفاع عن الوطن، إضافة إلى ما للواجب العسكري من فائدة بدنية وعقلية، ترجع إلى المواطن ليتربى على التضامن وحب الوطن والمساهمة في تنميته، غير أن الإنسان جبل على الأنانية والفردية وينساق أحيانا إلى التفصي من هذا الواجب ونيل المزيد من الحقوق دون مقابل.

الإشكالية المطروحة : هي إذن كيف نعادل بين :

● مفهوم الخدمة العسكرية للدفاع عن الوطن أثناء الازمات من جهة.

● وبين المساهمة في تنميته الإقتصادية والإجتماعية وإشعاعه الدبلوماسي من جهة ثانية.

● وبين النزعة الفردية لبعض الشبان من اجل عدم آداء هذا الواجب بعذر شرعي أو بدونه، وكيف ندعم ثقة الشباب في لخدمة، من جهة ثالثة.

لقد اهتم المشرع التونسي بهذا الموضوع وأصدر عدة قوانين تنظيمية تتباعت وتنقحت حسب ما تتطلبه الظروف منذ الإستقلال وقد أقر الفصل 15 من دستور1959 : “الدفاع عن حوزة الوطن وسلامته واجب مقدس على كل مواطن)، إلى حين صدور آخر قانون في المجال ألا وهو القانون عدد 01 لسنة 2004 المتعلق بالخدمة الوطنية .

وقد ارتأينا أن نلخص تمشي المشرع التونسي في مجال التجنيد لرصد أبعاد المسألة ووضعها في إطارها، كالآتي :

● في فقرة أولى : ندرج لمحة تاريخية عن قانون التجنيد قبل الإستقلال.

● في فقرة ثانية : نستعرض القوانين الصادرة في المجال منذ الإستقلال إلى الآن.

● في فقرة ثالثة : تبين مقاصد قانون الخدمة الوطنية عدد 1السنة 2004 وهل وجب اصلاح التمشي الذي اتى به.

1- لمحة تاريخية عن قانون التجنيد قبل الإستقلال

قال الأستاذ محي الدين المبروك في مداخلة نشرت في كتاب “أعمال ندوة تاريخ الجيش التونسي”الذي أصدرته إدارة العمل الإجتماعي والإعلام والثقافة لوزارة الدفاع سنة 1998 :

“كان البايات في بداية القرن التاسع عشر يجندون من رعايتهم بدون قانون على العادة الموروثة إلى أن عقد محمد باشا باي النية على ترتيب العسكر وتدوينه وذلك لسد ثلمة وتسديد فراغ في الخدمة العسكرية .وكان هذا القرار الذي أسره في نفسه أن لا يأخذ العسكر إلا بقانون “بحسب مصادفة القرعة” العادلة ولمدة معينة محدودة متوخيا في ذلك طريقة التدريب لا الترهيب لينال من تصادفه الشرعية الحضرة والحرمة في المقام العسكري يقينا أن تنظيم العسكر بقانون يحتكم إليه يهز الأنفس.

هكذا عرف التجنيد قبل الحماية الفرنسية مدا وجزرا بسبب تفاقم العجز المالي في بداية القرن الماضي ولم تساهم إلا بعصر الجهات في التجنيد : حاضرة تونس سواحل سوسة وصفاقس، القيروان، كسرى وبرقو .وكان الباي يرسل من يمثله بالجهات للمطالبة بتجنيد عدد من الرعايا فيتم له ذلك بلا قانون أي اعتباطا وقهرا.

كما يذكر أحمد بن أبي الضياف في “إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان” صفحة 54 : أن المكلف بإنزال العسكر في عهد حمودة باشا : “إذ رأى شابا قوي الجسم من سواد البلاد يقول له “أبوك تركي ومات ولم يرسم اسمك في الزمام وأنت لم تأت لرسم اسمك في الزمام هروبا من مشقة الخدمة فيقول له يا سيدي أبي فلان وجدي فلان فتكذبه رؤساء جوانب الترك ويشهدون بأن أباه “أزن محمد” أو “دالي باشا” أو “كور علي” وغير ذلك من الألقاب التركية …” فالرعية كانت تجبر على الخدمة العسكرية دون قانون ودون تحديد أمد للبقاء تحت السلاح.

Infanterie_tunisienne_1850

ضباط المشاة التونسي حوالي سنة 1840، مصدر الصورة: ويكيبيديا.

في سنة 1274 هجري الموافق لــ 1857 ميلادي أمر المشير محمد باشا باي بإحضار قانون لإثبات العسكر وأصدر ترتيبا في نزول العسكر المسمى بالمصباح المسفر في ترتيب ثبوت العسكر المؤرخ في 15 رجب 1276 هجري الموافق لــ (7 فيفري 1860) ميلادي. وملخصه أن الخدمة العسكرية تنقسم إلى قسمين اثنين :

● قسم العسكر تحت السلاح “المباشر” : يجند بالقرعة لمدة 8 أعوام من بلغ العشرين من المسلمين.

والواقع أنه لم يكن من الهين إحصاء المجندين لعدم وجود دفاتر حالة مدنية ولكن كان يعين القدر الخارج من العسكر ليعوض.

تجري القرعة بأكبر مدينة بكل جهة تحت إشراف العامل والضابط المكلف والقاضي والمفتي.

● من يفر تضاف له سنة تاسعة.

● من يخفي فارا يخطى بمائة ريال.

● من ألحق ببدنه ضررا ليتفصى من الخدمة يزاد له في مدتها عامان.

● يعفى من الخدمة الأئمة والمفاتي والقضاة والمدروسون والمخازنية والطلبة والعجز والإبن القائم بأرملة.

كما مكن هذا القانون، الشاب الذي يريد التطوع عن طيب خاطر من ذلك، بشروط .

● قسم العسكر اليداك “الإحتياط” :

عند انتهاء مدة البقاء تحت السلاح (8 سنوات) يرسم المجند في عسكر اليداك.

كما يرسم في هذا العسكر من لم تشمله القرعة إلى سن الثلاثين.

وعند دخول الإحتلال الفرنسي إلى تونس كان عدد العسكر حوالي 3000.

لكن الصادق باي تراجع وألغى تطبيق هذا القانون ولا يستغرب ذلك من هذا الملك الذي سلم مفاتيح أبراج العسكر للفرنسيين سنة 1298 هجري 1881 م.

وأثناء الحماية تواصل تطبيق هذا القانون مع بعض التحوير واستثنى الجنوب التونسي لكونه منطقة عسكرية ، عانى الفرنسيون في احتلاله الأمرين.

2- القوانين والأوامر المتعلقة بالخدمة العسكرية منذ الإستقلال إلى حد الآن

اهتم المشرع التونسي بموضوع الخدمة العسكرية منذ الإستقلال وأصدر :

● الأمر المؤرخ في 10 جانفي 1957 الذي اعتبر أول قانون منظم للخدمة العسكرية الدفاعية الفعلية. وجاء مصححا لما عرفته تونس في القرن التاسع عشر خلال عهد البابات حيث كان قانون الأجناد متعثرا.

● القانون عدد 10 لسنة 1957 المؤرخ في 31 ماي 1967 : في هذا القانون برزت فكرة أن الجيوش تعتبر الدفاع القتالي مهمتها الرئيسية لكن إلى جانب ذلك يمكن أن تسند لها مهمة إنقاذ البلاد من الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والحرائق وغيرها …

● القانون عدد 18 لسنة 1975 المؤرخ في 19 فيفري 1975 أصبحت مهمة الجيش بموجب هذا القانون دفاعية وإنمائية ويمكن له أن يساهم في بعث المشاريع الفلاحية الصعبة وفي مقاومة الإنجراف وتعبيد الطرقات ومكافحة التصحر، ودخل حينئذ مفهوم الخدمة الوطنية حيز الوجود كجزء من الخدمة العسكري.

● القانون عدد 86 المؤرخ في 22 ماي 1986 : يهدف هذا القانون إلى تعميق مبدأ الخدمة العسكرية حيث مكن المواطنين المجندين من المساهمة في التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية فأصبح بموجبه، ينهي الشاب التكوين الأساسي العسكري ثم ينقل إما للعمل ضمن وحدة عسكرية، أو إلى الوحدات الغير عسكرية كوحدات التنمية وبرزت للوجود عقيدة الدفاع الشعبي الشامل الذي هو انسجام بين العسكري المدني والشعبي.

● القانون عدد 51 المؤرخ في 14 مارس 1989 منقح بالقانون 53 الصادر في 9 جوان 1999 الذي ركز إجبارية الخدمة وألغى التجنيد بالحملات الأمنية وجعل الفصل في التخلفات إلى القانون.

نلاحظ أن التدرج في قوانين الخدمة الوطنية يتغير بعد كل عقد من الزمن تقريبا (10 سنوات) :1957 – 1967 – 1975 – 1986 : لكن القانون 1/2004 جاء بعد عقدين من صدور القانون السابق له . وصدر دستور 2014 بـعد 10سنوات من قانون 2004.

كما أن مفهوم الخدمة العسكرية يـتطور بتطور العقيدة القتالية التونسية ويتأقلم مع الظروف الإقتصادية والإجتماعية والثقافية للمجتمع.

ولئن أراد المشرع بناء تماسك وتلاحم بين التونسيين جميعا لإذكاء الغيرة والوفاء لتونس دون سواها فإن مـــفهـوم الدفاع عن الوطن أصبح يشمل الدفاع الإقتصادي والإجتماعي وتنمية البلاد.

وجاء تنقيح الفصل 15 من الدستور سنة 2002 مدعما لهذا التوجه، حيث أصبح هذا الفصل كالآتي : على كل مواطن واجب حماية البلاد، والمحافظة على استقلالها وسيادتها وعلى سلامة التراب الوطني. الدفاع عن حوزة الوطن وسلامته واجب مقدس على كل مواطن.

وتجسيما لهذا التطور، صدر قانون جديد للخدمة الوطنية عام 2004.

3- مقاصد قانون الخدمة الوطنية 1/2004 المؤرخ في 14 جانفي 2004 وهل وجب اصلاح التمشي الذي اتى به.

تم نشر القانون في العدد 46 من مجلة الدفاع جوان 2004، كما أصدرت إدارة التجنيد والتعبئة في نفس السنة، كتيبا جمعت فيه القوانين والأوامر والقرارات المنظمة للخدمة الوطنية، ولتفادي الإعادة نقترح على القارئ الرجوع إلى الوثيقتين للإطلاع على فصول هذا القانون.

وسنقتصر على إبراز مقاصده.

قرأنا في توطئة الكتيب المذكور : جاء القانون ليواكب التطور الذي تشهده الحياة الإقتصادية والإجتماعية ولتدعيم الخدمة الوطنية حتى تساهم في تحقيق أهداف الدولة التنموية.

وتجلت أولوياته في المحاول التالية :

● تدعيم ثقة الشباب في الخدمة الوطنية.

● إقرار المرونة في أداء هذا الواجب.

● تعزيز العمل السياسي والدبلوماسي بالمشاركة في مهام حفظ السلام.

والخدمة الوطنية واجب مقدس، وفترة قصيرة من حياة الشاب يقضيها في صفوف الجيش الوطني، هذه المدرسة التي تساهم في تلقينه مبادئ حب الوطن وتنمي فيه روح المواطنة، في إطار إحاطة عن قرب وظروف عيش وإقامة محترمة وتأطير محكم وتدريب مركز ومعاملة سليمة تتسم بأخلاقيات عالية وبأسلوب حضاري متطور، فيسخر نفسه من أجلها ويتفانى في خدمة الغير بسخاء.

كما أن الخدمة الوطنية تساهم بصفة ملموسة في صقل مواهب الشبان وتهذيب سلوكهم وتقوية روح المسؤولية لديهم وتعويدهم على الانضباط التلقائي داخل المجموعة، و تعودهم على الصبر وقوة الإرادة. وهي شرف وواجب. تضحية في سبيل الوطن وعربون وفاء له يساهم من خلاله المواطن في صون حرمته، وتقدمه وازدهاره، والرفع من شأنه بين الأمم.

اما ابواب القانون فاربعة :

● أحكام عامة: واهم ما فيها ان للخدمة الوطنية شكلين(خدمة عسكرية وخدمة خارج وحدات القوات المسلحة )

● الاحصاء والتجنيد: يضبط اجراءات احصاء المواطنين وتجنيدهم

● التاجيل والاعفاء: يـبـيـن كيفية تاجيل الخدمة او الاعفاء منها

● احكام مختلفة : تـخص التطوع في الجيش.

هل وجب اصلاح التمشي الذي اتى به هذا القانون بعد سن الدستور الجديد 2014

ان الـمتــمـعـن في احصائيات التجنيد منذ 2010 يلاحظ ان هذه المنضومة بحاجة للمراجعة الجذرية ,فعدد المجندين ضمن الخدمة الوطنية لم يتجاوز 1000شاب في الحصة (الحصة 3 اشهر أي 4 مرات في السنة)أي حوالي 4000شاب مجند سنويا .بينما حاجيات القوات المسلحة اكثر من ذالك .

كما ان الاجراءات الادارية واللوجستكية للتجنيد في حاجة للتطوير من ناحية المطبوعات التي هي كثيرة ومن ناحية استعمال شبكةاعلامية مدنية عسكرية مندمجة للسيطرة على المعطيات الخاصة بالمجال.

لقائل ان يقول اين تطبيق الفصل 66 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية “كل من وجبت عليه الخدمة العسكرية ولم يلب الدعوى في حالة السلم في الاجل المضروب له للالتحاق يعاقب بالسجن …” لكن كما لا يخفى العزوف عن الواجب متواصل.

وهذا دليل ساطع على ان المتاكد في ضل الضروف الحالية والنقص في المعدات والافراد وجب وباسرع وقت النظر في كيفية توفير الموارد اليشرية اللازمة بل المتؤكدة لقواتنا المسلحة واصلاح تمشي القانون 2004.

يقول الجنرال محمد المدب في مقال نشر في جانفي 2015:”لنعلم كلنا سلط ومواطنين ان نموذج الجيش المقرر في دستور 1959وكذلك دستور2014,يرتكز على التجنيد الاجباري أي الخدمة الوطنية حسب الفصل9من الدستور وبعبارة ابسط ان الشبان البالغين 20سنة هم اكثر الافراد الذين يتكون منهم الجيش ,وبالتالي فان مهمة الدفاع عن الوطن تقع على عاتقهم ,اما الضباط وضباط الصف فهم الهيكل والاساس لهذا الجيش متعاقدون لمدة قد تطول اوتقصروتجدد بشروط حتى التقاعد – ان 7000موطن شغل المبرمجة في قانون المالية2015 لاتغطي حاجيات الجيش من الافراد لانها تخص الضباط وضباط الصف وبعض رجال الجيش ,وحتى من ناحية الحسابيات فان هذا العدد ليس ربحا صرفا في عديد الجيش بل هو تغطية للعسكريين الذين غادروا الجيش سنة 2015 للتقاعد او لنهاية العقد او حتى من اجل الاستقالة,فبالنسبة للقوات المسلحة افان النقص يخص الرتب الدنيا من رجال جيش وضباط صف والذين يعدون مقاتلي الخطوط الاولى .

ومن جهة اخرى فان حاجيات الجيش من الافراد ذوي خصوصية في جانب اللياقة البدنية فالمقاتل وجب ان يكون شابا (25 -27سنة) خال من الالتزامات العائلية ,يستطيع العمل في المناطق الوعرة (جال الشعانبي وصحاري برج بورقيبة) لسن الاربعين او الخمسين ثم اما يتقاعد او يبقى للعمل بالوحدات المركزية الشبه مقاتلة.
ان الشعب الذي لا ارادة له للدفاع عن نفسه ووطنه ولايضحي من اجل ذلك,ليس جديرا بالاحترام,مهما كان كبر الامكانيات المادية ,فالارادة والاصرار على الدفاع كانا وما زالت القيمتان اللتان تقرران مصير الشعوب ” كما يمكن لـقا ئل ان يقول “النـــفـير او الـتعبئة يـطلقان على دعوة المكلفين في الاحتياط بعضهم او كلهم الى الخدمة في الجيش عند اعـتداء خارجي ,,,,” الفصل 53 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية .

لكن بعملية بسيطة جيش الاحتياط الممكن تعبئته (حيث ان من تجاوز الخمسين لم يعد معنيا) لن يتجاوز بضعة الالاف .زيادة على ما في العملية من صعوبة لوجستكية .

لكن تبقى امكانية ابقاء حصة او حصص تحت السلاح عند الازمات وقد تم ذللك في جانفي 2010 مثلا ,كما ان التفكير في التمديد في مدة الخدمة من عام الي مدة اطول (مثل الجزائر الخدمة فيها عامان اثنان ) يبقى صعبا.

في الختام فان المتاكد ان الوقت قد حان لكل المـعنيين بامن اليلا د والـذود عليها مسؤولين ومواطنين ان نشحذ ارادتنا ونـقـرر ثم نقرن القرار بالانجاز للدفاع عن بلادنا والتضحية من اجلها قبل فوات الاوان وامثلة البلدان التي لم تسر في هذا الاتجاة واقع ملموس امامنا نشاهد كل يوم في التلفاز وعلى الشبكة العنكبوتية خرابها واستباحة حرماتها وانتشار الفوضى فيها وقـد قيل الظلم اقل مضاضة من الفوضى.

ملاحظة: نشر المقال سنة 2005، أعيدت مراجعته في جانفي 2015.