mohamed-talbi-labes-ettounsiyya

بقلم احمد الرحموني، رئيس المرصدالتونسي لاستقلال القضاء،

لا اريد ان ادخل في تقييم النقاش الفقهي الذي اجتمع عليه منذ مدة عدد من المشتغلين بالمسائل الدينية والفقهاء وغيرهم من المثقفين على اثر الآراء التي أطلقها الأستاذ محمد الطالبي ومن بينها القول بعدم تحريم الخمر في الإسلام ولاشك أن الكثير قد لاحظ اهتماما غير معهود بمسائل تفصيلية تتصل بتلك الآراء وربما اكتشفوا لأول مرة شخصية الأستاذ محمد الطالبي الذي اتجه في السنوات الأخيرة الى الكتابة في الدين والإدلاء بآراء مختلفة تعلقت سواء بالعقيدة او الفقه. لكن الثابت – حسب ما أرى – ان شخصية الأستاذ الطالبي وسلوكه الغريب في عرض أفكار وتصلبه في التمسك بتأويلاته وهجومه دون مبرر على خصومه وغروره المفرط فوق كل ذلك هو الذي دفع – على سبيل المثال – قناة “الحوار التونسي” الى استضافته في برامج شعبية متوالية رغم انه في كل مرة يهدد بمغادرة الحصة بعد وصف خصومه بالجهل. وهو ما يجعلنا نتساءل هل فعلا كانت الآراء وراء الإهتمام بالشخص او ان الإهتمام به هو الذي فرض الجدل في مثل تلك المواضيع.

من الواضح ان شيخا طاعنا في السن – يحظى في اوساط عديدة باحترام كاستاذ مؤرخ ومعارض قديم – يبادر بالاصداع بآراء “شاذة” في الدين او في اي موضوع من شأنه اطلاق الجدل سيكون لا محاله هدفا يتسابق لاقتناصه المنتجون للبرامج “الخفيفة” والراغبون في الإثارة حتى وان كان الموضوع متصلا بمسائل خطيرة لا يمكن معالجتها او تعميق النظر فيها في مثل تلك البرامج غير المختصة او المهيئة للترفيه او التعليق على المستجدات العامة. هل فعلا يعتقد ضيوف تلك البرامج، – من المشائخ او الأساتذة – مهما كانت اهدافهم، ان عموم المواطنين سيتابعون الأدلّة الفقهية و اللغوية التي يوردها الجانبان – وسط معركة يغلب عليها الصياح و السباب – ام انهم سيحتفظون بانطباعات غامضة عن مواضيع شائكة لا يدركون الهدف من طرحها في هذا السياق.

كما يبدو من المناسب ان نلاحظ ان “تحريم الخمر” بالذات لم يكن بأي وجه موضوعا جديدا حتى يدعي الأستاذ الطالبي ان الآراء التي يطرحها قد استنبطها – بصفة مستقلة – بعد تأمل كبير بل يمكن بسهولة ان نكتشف كتبا لهواة ومختصين في نفس الموضوع وبذات الأدلة لعل من اهمها كتاب عن “الخمر والنبيذ في الاسلام” لليمني على المقري و استدلالات كثيرة صادرة عن جملة من الباحثين مثل نهاد كامل محمود و الشيخ مصطفى راشد والكاتب السعودي عبد الله بن بخيت و غيرهم. ولذلك أرى ان شغل الناس بهذة المواضيع – التي وصلتنا متأخرة – واستعادتها في غير سياقاتها الطبيعية ليس من شأنه ان يقدم خدمة ثقافية كبيرة غير زيادة الصخب في مجتمع “فقير” يعج بالمشاكل.