manich_msameh-12sept

بقلم خليل التبر،

اسمي خليل التبر. مواطن تونسي، أبلغ من العمر 27 سنة. أعارض فكرة هذا القانون، وأي مقترح لتعديله أو حتى نقاشه، وذلك يرجع للأسباب التالية:

فيما يتعلق بمحتوى القانون

: هذا القانون هو باختصار عفو تشريعي عن الفساد والفاسدين. إسقاط التتبعات العدلية عن الموظفين العموميين وأشباههم والاكتفاء باسترجاع الأموال التي اختلسها من يشار إليهم برجال الأعمال لا يمكن فهمه بطريقة أخرى غير أنه مأسسة للفساد وتكريس لثقافة الإفلات من العقاب التي كلفتنا في تونس ما كلفتنا من الخسائر الاقتصادية والمادية وتجاوزات حقوق الانسان.

يحاجج أصحاب هذا المشروع أنه لا طريقة أخرى لاسترجاع الأموال المنهوبة، اللتي سيتم، طبعا، استثمارها في الجهات والمناطق المحرومة فور استرجاعها. وفرضا أن هذا صحيح، لماذا العفو عن الفاسدين في الإدارة التونسية والمؤسسات البنكية التي سهلت هذا النهب الممنهج؟ ما هو الفرق هنا بين الموظف الذي قاوم الفساد، أو على الأقل رفض الانخراط فيه، وواجه سخط رؤسائه من تجميد وظيفي، نقل تعسفية وحتى الفصل من العمل وبين من انخرط في هذه المنظومة لتحقيق منافع شخصية مادية ومعنوية؟ ما هي الثقافة التي يراد تكريسها في القطاع العام الذي ينخره الفساد حاليا؟ لا تعارض رؤسائك ولا تقلق، فسيتم إصدار عفو يوما ما؟

من ناحية أخرى، سئمت التحاجج السخيف بنسبة الخمسة في المائة التي سيتم إرجاعها بالإضافة إلى المبالغ المذكورة. خمسة في المائة سنويا بالكاد تغطي التضخم المالي السنوي، وبالتالي هي الأدنى التي يمكن طلبه لكي نضمن رجوع نفس قيمة الأموال المختلسة قبل سنوات. ولكن ماذا عن الأرباح غير المشروعة التي تم تحقيقها؟ وماذا عن الإثراء الفاحش الذي تم تحقيقه طيلة هذه الفترة؟ هل سيصبح هذا ملكا شرعيا ل”رجال الأعمال”؟ هكذا، في تونس تستطيع أن تختلس الأموال، أن تأخذ قروضا دون ضمان من أموال المدخرين الذين يمثلون في معظمهم الطبقة الوسطى في البلاد، ثم أن تذهب طليقا في حال سبيلك مع أرباحك دون أي مساءلة عن كل التجاوزات القانونية والإدارية والمالية التي ارتكبتها مع عصابتك. نِعم الرأي ونِعم القانون ونِعم الوطن. هل هؤلاء الناس يحق حقا أن ندعوهم رجال أعمال ومستثمرين؟ وسنأمل أنهم سيستثمرون وسيقيمون مشاريع تخلق الثروة؟ الثروة التي لم يستطيعوا تحصيلها إلا بالسرقة والنهب والفساد عندما كان الحال الاجتماعي مستقرا نوعا ما نظرا لعصا النظام الغليظة التي كانت مسلطة على الناس؟ فما الحال الآن، وماذا سيفعلون والحراك النقابي والاحتجاجي على أشده، وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية لا تزال تحفز العمال على المطلبية أكثر فأكثر؟

ثم من ناحية أخرى. فلنفكر ببراغماتية (أقوى حجة للمدافعين عن هذا اللاقانون). المبالغ المزمع استرجاعها تقرب الخمسمائة مليون دينار. ماذا يمثل هذا المبلغ في العالم وحتى في تونس؟ تفاهته أمام المشاكل الاقتصادية التي نواجهها لا يمكن أن تعادلها سوى تفاهة المعتقدين بأن هذا المبلغ هو الكنز الذي سينمّي المناطق المهمشة، وسيقضي على البطالة، وربما سيحل مشكل مديونية الدولة، وعجز الصناديق الاجتماعية.

لو أردتم رأيي، خمسمائة مليون دينار ليست سوى ثمنا بخسا يجب أن ندفعه لنتقدم خطوة أخرى باتجاه دولة القانون والمؤسسات ومقاومة الفساد. مقاومة الفساد. أم المعارك بالنسبة لنا وكل من يؤمن بأن تونس يمكن أن تكون يوما ما دولة قانون ومؤسسات.

فيما يتعلق بظرفية اقتراح القانون

بالإضافة إلى سوء النية المعلنة في هذا القانون من تقنين للفساد وعفو عن الفاسدين. الظرف الدقيق الذي يتم اقتراحه فيه يفضح ضعف مقترحيه وإفلاسهم. إعلان حالة الطوارئ ومنع التظاهر والعويل حول التهديدات الإرهابية، وإغلاق الشوارع أمام المتظاهرين ليس سوى دليل على عدم قدرتهم على نقاش هذا اللاقانون. لا يمكننا نقاش قانون المصالحة بسبب الخطر الإرهابي، لا يمكن للمعلمين والنقابيين أن يتحركوا لمطالبهم بسبب الخطر الإرهابي. لا يمكننا نقاش تجاوزات حقوق الإنسان في تونس بسبب الخطر الإرهابي. لا يمكننا أيضا نقاش فشل قوات الأمن في حماية السواح عند العملية الإرهابية في سوسة وقدومهم لمسرح الجريمة بعد أكثر من نصف ساعة بسبب الخطر الإرهابي.

هل نتوقف عن الحياة بسبب الخطر الإرهابي؟ هل نعلن الديكتاتورية ونسقط العمل بالدستور بسبب الخطر الإرهابي؟ ما دخلنا في الخطر الإرهابي؟ هو مسألة أمنية عسكرية تقنية، وهذه الحكومة لم تقترح أي مقاربة سياسية أو اقتصادية اجتماعية أو ثقافية. ودون ذلك، فشلت في مجابهته عند وجود المظاهرات وعدمه ولم نرى بطولاتها إلا في نشرات الأخبار.

هذا التعلل بالخطر الإرهابي، ليس سوى استقواء على المجتمع التونسي. يقترحون عليك الأقصى، ثم يعدّلونه بما يناسبهم، ويطلبون منك عدم الاحتجاج أو حتى التعبير عن موقفك ثم يسمّون ذلك ديموقراطية.

حيثيات تحضير القانون

وهذا الجانب الأخطر حسب رأيي. ما أفهمه هو إصرار مقترحي اللاقانون على ضرب العدالة الانتقالية وتحويل الهيئة التي تمثلها إلى مجرد هيكل يتباكى فيه ضحايا النظام السابق وقد يتم شراء صمتهم ببعض الملاليم إن كانوا محظوظين أو لم لا معاملتهم بنفس ما عومل به عائلات شهداء وجرحى “الثورة التونسية”.

من هذه الناحية لست منحازا كلّيا إلى هيئة الحقيقة والكرامة، التي ارتكبت الكثير من الأخطاء في تقديري، وخاصة رئيستها سهام بن سدرين التي سيّست الهيئة وأصبحت خصومتها الشخصية مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي عائقا أمام استكمال مسار العدالة الانتقالية.

أنا منحاز إلى العدالة الانتقالية وبصفة عامة إلى العدالة، التي تمثل أول اختبار حقيقي للجمهورية التونسية الثانية والعقد الاجتماعي الجديد الواجب احترامه. وحتى هذه اللحظة، لا يمكنني إلا أن أعترف أننا بصدد الفشل في هذا الاختبار، وبشدّة.

إلى كل الأصدقاء والرفاق وكل الناشطين: يجب ألا يمرّ هذا اللاقانون. لا بصيغته الحالية ولا بعد تعديله. المسألة مرفوضة مبدئيا. والرهان اليوم أكثر من مجرد الملاليم التي تدعي السلطة نيّة استرجاعها أو بضع العشرات من اللصوص الذين يمنّون أنفسهم بالإفلات من العقاب وفي نفس الوقت بالحفاظ على امتيازاتهم. الرهان اليوم هو دولة القانون والمؤسسات. الرهان اليوم هو استيعاب السلطة والدولة التونسية أنّ المواطن التونسي هو المقدس وهو الخط الأحمر.

قبل قرون خلت، قال ابن خلدون: “العدل أساس العمران”. واليوم، لايزال بعض التونسيين يصرّون على عكس ذلك.