corruption-tunisie

إثر التحركات الاحتجاجية الأخيرة التي شهدتها ولاية القصرين وعديد المناطق الأخرى تعالت الأصوات التي لم نخل يومًا أنها قد تموت أو تندثر، تعالت منادية بحماية المؤسسات والدولة من المخربين والمفسدين والعصابات الملثّمة تماما مثلما سمعناها حين تصاعدت وتيرة الاحتجاجات ذات جانفي 2011.

 هنالك أصوات أخرى التحقت بركب الأولى، هم أنصار السلطة الحاكمة الخائفين أن تهتز عروش الائتلاف الحاكم و إعلامه ورجال أعماله، كلّها كانت تنادي بصوت واحد “مخرّبين ،مفسدين، فوضويون”.

لكن عن أي دولة يتحدثون؟

إنها دولة تضم قائمة بأكثر من 120 رجل أعمال مُتخلّد بذمتهم للدولة مبلغ لا يقل عن 20 مليون دينار، ولكن بالمقابل تتراوح الديون  فيها بين 20.1 مليون دينار و 332.2 مليون دينار.

 دولة تزيد أجور المديرين العامّين للبنوك العمومية وتقمع المحتجين من عمّال الحضائر وتغض الطرف عن مماطلة منظمة الأعراف في زيادة أجور العمال في القطاع الخاص.

دولة تصدر فيها المحكمة الإدارية حكما قضائيا بعدم قانونية تنصيب نيابة خصوصية، لكن هذه الأخيرة تواصل عملها سنتين بعد الحكم و تصدر قرارات وتزيل هذا وتغلق محل ذاك.

دولة تضمن فيها تقرير لجنة تقصي حقائق الفساد والرشوة أنه تم «توجيه إحالات إلى النيابة العمومية يقارب عددها 300 إحالة وذلك إلى غاية 20 أكتوبر 2011».

ومجالات الرشوة والفساد هي عبارة عن عينات من الممارسات غير المشروعة التي شملت كل الميادين الإقتصادية وتتعلق بصورة أساسية بالقطاعات التالية:

  • المجال العقاري
  • الأراضي الفلاحية
  • أملاك الهياكل العمومية
  • الصفقات العمومية
  • المشاريع الكبرى
  • الخوصصة
  • الأزمات
  • الإتصالات
  • القطاع السمعي البصري
  • القطاع المالي والبنكي
  • الرخص الإدارية
  • الديوانة
  • الجباية
  • الإدارة والإنتدابات
  • القضاء.


 هذه الدولة يُطلق فيها سراح المجرمين والمتهمين بالفساد وقتل الشهداء ومحاولة قتل الجرحى وإهدار المال العام والمشاركة في الفساد. وهذه عينة بسيطة يظهرها بوضوح تقرير لجنة تقصي الحقائق. هذه الدولة أيضا يدفع فيها البعض رشوة لموظفين بوزارة التربية قصد انتدابهم كمعلمين دائمين، وتم التحقيق مع المرتشين وسُجِنوا لمدة 6 أشهر ثم أطلِق سراحهم وعادوا إلى مباشرة عملهم وتمت إحالة الملف من جديد على النيابة العمومية بتاريخ 28 جويلية 2011.

هذه الدولة تفوّت في المقاطع إلى مستغلين بأسعار رمزية وبطرق غير قانونية ولا تخضع إلى ما تُمليه الإجراءات القانونية ومازالت الممارسات على عادتها حتى بعد التفطن لها بعد تداول الوزراء على وزارة أملاك الدولة.

تمكّن أيضا عدد لا بأس به من الناجحين في «الباكالوريا من الحصول على بعض الشعب الجامعية وخاصة منها شعب الطب بتونس وسوسة والمنستير، وذلك خلافا للصيغ القانونية الجاري بها العمل ودون أن يكون المستفيدون من الطلبة من الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية المطلوبة وأيضا يجري التوجيه المشبوه على حساب طاقة الاستيعاب القصوى والمضبوطة بصفة مسبقة قبل بداية السنة الجامعية». ومازالت هذه الممارسات متواصلة في الوقت الذي لم يفتح فيه تحقيق، ومن الملاحظ أن هؤلاء الطلبة هم جيل المستقبل الجيل الذي سيبني الدولة.

هذه الدولة تتمتع فيها قناتي نسمة وحنبعل بإعفاء من المعاليم القانونية لمدة ثلاث سنوات بمقتضى بند تعاقدي تم إدراجه بإذن من بن علي، وهو إعفاء مخالف لأبسط القواعد التي تحكم الجباية والمالية العمومية إذ أن مجلة الاتصالات لا تتضمن تنصيصا على إمكانية الإعفاء، ومع ذلك لم يتم التحقيق في هذه القضية ومرت الأمور بسلام. وفي هذا السياق عثرت لجنة تقصي الحقائق في الفساد والرشوة بالقصر الرئاسي على وثائق تدل على «تفاهم بين معاوني الرئيس وباعثي القناتين على سلوك “ولائي” للنظام مقابل غض النظر عن المعاليم المستوجبة من ناحية تمكينهما من مساحات إشهارية مهمة تتولاها منشآت عمومية إذ أن القصر كان يتابع بدقة المبالغ التي ترصد لكل وسائل الإعلام وخاصة القنوات التلفزية بعنوان الإشهار».

هذه الدولة يستولي فيها الوزراء بعد 2011 على المال العام ولعل حادثة وزير الخارجية السابق رفيق عبد السلام لاتزال راسخة في الأذهان.

هذه الدولة تُعين المقرّبين من حكامها ولاة وكتاب دولة ومكلفين بالإعلام أو الاتصال أو غيره، في حين يمشي فيها الأطفال كيلومترات في الوحل والبرد لبلوغ المدرسة وأحيانا لا يجدون مدرسة أصلا.

هذه الدولة يُقمع فيها المواطن الذي يحتج ضد سياسات هؤلاء، وفي الأثناء تصدر قوانين وتشريعات لفائدة المتورطين في الفساد وأصحاب المصالح ولا نكاد نسمع سوى الأصوات المتعالية “مخربون وفوضويون ومفسدون”.

تبا…عن أي دولة نتحدث حتى نخاف على مؤسساتها؟