مصدر الصورة: موقع فليكر

مصدر الصورة: موقع فليكر

منذ مدّة ونحن نتابع أنشطة السيدة وزيرة الثقافة والمحافظة على التراث من خلال البلاغات المنشورة على الصفحة الرسمية للوزارة على شبكة الفايسبوك ومن خلال ما يقع بين أيدينا من تصريحاتها الصحفية. وبقدر ما تُظهِر تلك البلاغات والتصريحات تقدّما في بعض المشاريع ذات الصّلة ببعض القطاعات الثقافية، فإنّنا قلّما نجد في كلام الوزيرة ما يوحي بأنها تضع قطاع التراث ضمن أولوياتها. فباستثناء حضورها في بعض التظاهرات ذات العلاقة – وهو حضور ذو طابع سياسي وبروتوكولي بالأساس-، فإنّنا لا نكاد نظفر منها إلاّ ببعض الوعود الخاوية من مضامين حقيقية. ومن الممكن أن تكون منهجية تعاطيها مع هذا القطاع هي السّبب في ذلك، وذلك لكون الخلل المنهجي كثيرا ما يسيء إلى حقيقة النّوايا وإلى القرارات التي تهدف إلى تغيير الواقع فيكون نصيبها من الإنجاز ضعيفا. ويُجمِع الكثير من العاملين في قطاع التراث على أنّه يشكو من مشاكل متراكمة حتى تكاد تكون في حكم المزمنة، وهي من الكثرة والتعقيد حيث يستحيل الإحاطة بها، أو حتى الإشارة إليها مجملة في مجرد مقال. وقد بيّنت التجربة أنّ كل الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الإشراف في الخمس سنوات الأخيرة لم يتعاطوا بما يكفي من الجدية والمنهجية في حلّ معضلاته – ومن يريد جرد حساب في ذلك فليتفضّل-. لا ندري هل السبب هو غياب الرؤية الشاملة والإلمام بالتفاصيل لدى الوزير، أم هو خشيته من فتح ملفّات يظنّ أنّ فتحها قد يثير ”مشاكل“ ليس بوسعه حلّها، أم أنّ حسابات الطاقم المحيط بالوزير هي من فرض ذلك؟ على أية حال، بإمكاننا أن نقول إنّه باستثناء بعض الإجراءات التي قام بها السيد عزّ الدين باش شاوش تحت ضغط أحداث الثورة فإنّه لم تحلّ أية إشكالية جوهرية في قطاع التراث في الخمس سنوات الماضية.

وسنتناول في هذا المقال ملف التّراث الثّقافي اللاّمادّي الذي كتبنا فيه وتكلمنا عنه من قبل في أكثر من مناسبة ولكن ”لقد أسمعت لو ناديت حيّا“.

لقد صادقت تونس على اتّفاقية صون التّراث الثّقافي اللاّمادي الصّادرة عن المؤتمر العام لليونسكو بتاريخ 17 أكتوبر 2003 خلال الجلسة البرلمانية المنعقدة بتاريخ 02 ماي 2006. ومنذ ذلك التاريخ لم تقم وزارة الثقافة والمحافظة على التراث بأي إجراء جذري لصون تراثنا الثّقافي اللاّمادي المهدّد بالتلاشي والاندثار كما تقتضيه بنود تلك الاتفاقية، فأضحت الكثير من جوانبه ومكوّناته نسيا منسيا.

وقد جرت بعض المحاولات للبدء بجرد ذلك التراث في صلب المعهد الوطني للتراث ولكن تخلّف هيكلته الإدارية وجمود أساليب العمل داخله وعدم تحمّل وزارة الإشراف مسؤوليتها في ذلك حالت دون التّقدم في هذا المسعى. وحتّى يكون لكلامنا دلالة حقيقية سنقوم بعرض موجز لتلك المحاولات وما أحاط بها من إشكالات.

لقد تشكّل فريق عمل من محافظي تراث وباحثين في إطار المعهد الوطني للتراث منذ سنة 2013 بغاية الاشتغال على جرد وتوثيق التّراث الثّقافي اللاّمادّي والعمل على البدء بإعداد ملفّ لأحد عناصر ذلك التّراث – وهو الفروسية- وترشيحه بغاية إدراجه ضمن القائمة التّمثيلية للتّراث الثّقافي اللاّمادّي للبشرية لدى منظمة اليونسكو. وكان طلبنا حينذاك هو أن يُكلَّف محافظو التراث الذين أبدوا رغبتهم في العمل في هذا المشروع – وعددهم حوالي25 فرد، أي أقلّ من عُشُر مجموع المنتمين لهذا السّلك – وأن يخضعوا لدورات تكوين في الغرض للاضطلاع بمهامهم. إلاّ أنّ إدارة المعهد والوزارة أبتا إلاّ أن تقلّصا هذا العدد إلى حوالي النصف في الورشة الأولى التكوينية التي جرت تحت إشراف خبراء من اليونسكو وبتمويل منها من 27 إلى 31 جانفي 2014، وذلك بدعوى عدم توفر ميزانية لذلك حسب ما صرّح به بعض المسؤولين ! تخيّلوا وزارة تعجز عن توفير متطلّبات إقامة في نزل لحوالي عشرة أفراد من أجل مشروع في ذلك المستوى من الأهمية !

وعوض تعزيز الفريق ودعمه ماديا، تواصلت تلك الطريقة في التّعامل مع أعضائه في الدورات التكوينية التالية بإشراف اليونسكو، والتي كان آخرها الدورة التكوينية المنعقدة بالحمامات من 02 إلى 06 نوفمبر 2015، حيث وقع التخلّي عن إحدى الزميلات لذات الأسباب، أي عدم القدرة على التكفّل بمصاريف إقامتها ! وهكذا انتهى عدد الفريق حاليا إلى 10 محافظين.

وقد قام بعض عناصر الفريق المذكور سنة 2014 بإعداد سجلّ أوّلي لعناصر التراث الثقافي اللاّمادي تحت إشراف الخبير لدى اليونسكو الأستاذ عبد الرحمان أيوب، كمحاولة أولية لتأطير الجرد الوطني لعناصر التراث الثقافي غير المادي بالبلاد التونسية، ولكون ذلك من مقتضيات إعداد ملفّات للعناصر التراثية التي يراد تقديمها بغاية الإدراج ضمن إحدى قائمتيْ اليونسكو للتّراث الثّقافي اللاّمادّي للبشرية (قائمة الصون العاجل والقائمة التمثيلية). وكانت نيّة السيد مراد الصقلي وزير الثقافة والمحافظة على التراث حينها هي إقامة مركز وطني للتراث الثقافي اللامادي يتولّى الإشراف على مراكز جهوية للغرض تقام في بعض الولايات تحت إشراف عناصر الفريق المذكور، ثم يتمّ تعميمها على باقي الولايات فيما بعد، حسب مستوى التقدّم في تكوين الإطارات التي ستتولّى الإشراف عليها. وقام في المدّة الأخيرة من وجوده على رأس الوزارة بافتتاح مقرّ ذلك المركز الوطني، ولكن فات السيد الوزير أن يضع الإطار القانوني والهيكلة الإدارية والإمكانيات المالية واللوجستية لذلك المركز وما يتبعه من مراكز جهوية، وباستقالته قُضِي أمر ذلك المشروع أن لا يكون. وبعد ذلك ظلّ مشروع صون التراث الثقافي اللاّمادّي في حكم المعطّل.

وفي أواخر شهر جوان الماضي ورد على محافظي التراث أعضاء الفريق المذكور مكتوب من السيد مدير قسم المسح ودراسة الممتلكات الإتنوغرافية والفنون المعاصرة تحت إشراف السيد مدير دائرة المسح العام والبحوث بالمعهد الوطني للتراث يدعوهم فيه إلى المشاركة في الجرد الوطني للتراث الثقافي اللامادي من خلال القيام بعمل ميداني يتمثّل في جرد عنصر أو عنصرين من ذلك التراث حيث الجهة التي يتواجدون فيها. الغريب في الأمر، والذي يوحي بأنه أمر سلطوي متعال على الواقع، هو أنّ هذه الدعوة لم تترافق بمدّهم بتكليف من السيد المدير العام للمعهد الوطني للتراث لإنجاز العمل المطلوب للإستظهار به عند الحاجة. وعدم توفير وسائل نقل إدارية وغيرها من مستلزمات العمل للقيام بالمهمة الموكولة لهم. إلى جانب عدم مراعاة ظروف شهر رمضان التي تعسّر عليهم التّنقّل على حسابهم الخاص والتّواصل مع ”حَمَلة الذّاكرة“ لجرد العناصر التراثية المعنية. وغياب أيّ تنسيق بين إدارة المعهد الوطني للتراث والجهات المسؤولة عن القطاع الثقافي في الجهات التي يراد أن يجرى فيها ذلك العمل بغرض فتح قنوات التّواصل وتنسيق العمل بين أعضاء الفريق والجمعيات ونشطاء المجتمع المدني في مجالات التّراث والثّقافة للمساعدة في أعمال الجرد – كما تقتضيه مبادئ اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي اللامادي-. هذا علاوة على عدم التنسيق المسبق مع الفريق لتقبّل ملاحظاته واستفساراته أو إبلاغه بأي استراتيجية عمل لإنجاز الجرد الوطني للتّراث الثّقافي اللاّمادي من طرف مصالح المعهد الوطني للتّراث.

وفي ذات السياق جاء في أحد البلاغات على الصفحة الرسمية للوزارة على شبكة الفايسبوك أنّ السيدة الوزيرة أشرفت على اجتماع لجنة التّراث الثّقافي اللاّمادي يوم 08 جوان الماضي وخلال ذلك أعطت إشارة الانطلاق الرّسمي للجرد الوطني لعناصر التّراث الثّقافي اللامادي والاتفاق على تسجيل المعارف التّقليديّة المتعلّقة بعرائس الطّين التّى تصنعها نساء سجنان ضمن القائمة التمثيلية لهذا التّراث لدى اليونسكو. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن سبب غياب التّواصل مع فريق محافظي التراث المعني بإنجاز أعمال الجرد وإعداد ملفّات العناصر التراثية التي يراد ترشيحها لتكون ضمن قائمة اليونسكو !

والأغرب من ذلك أنّ السيدة الوزيرة صرّحت لجريدة المغرب بتاريخ 19 جوان الماضي أنّ ”عملية الجرد للتراث المادي وغير المادي انطلقت من ولاية القصرين في انتظار تعميمها على كامل ولايات الجمهورية“. وهو ما لا أساس له من الصّحّة. وهنا لا يسعنا إلاّ أن نتساءل عمّن نقل لها تلك المعلومات غير الدقيقة وغايته من ذلك؟ ورغم تلك الإخفاقات وذلك الإرتباك في التعاطي مع مطلب صون التراث الثقافي اللامادي وتطبيق مبادئ اتفاقية اليونسكو حول ذلك، مازالت وزارة الإشراف تصرف نظرها عن المقتضيات الضرورية لذلك. فإلى حدّ الآن لم تقم الوزارة بأيّ تدابير قانونية أو تقنية أو إدارية أو مالية في هذا الغرض. فعلى سبيل المثال لم يعلن عن أي إجراء فعلي لبدء تنقيح مجلّة حماية التّراث الأثري والتّاريخي والفنون التقليدية الصادرة بتاريخ 24 فيفري سنة 1994، والتي لا تستجيب إلى الحدّ الأدنى المطلوب لحماية التّراث الأثري والتّاريخي، فضلا على عدم احتوائها على أي فصل حول صون التّراث الثّقافي اللامادّي، وهو أمر طبيعي نظرا لكونها صدرت قبل صدور اتّفاقية اليونسكو المعنيّة بنحو عشر سنوات. ولم يصدر عن الوزارة -أوعن أيّ من المؤسّسات الراجعة لها بالنظر في قطاع التراث- أي خبر حول رصد تمويلات لمشروع الجرد الوطني للتراث الثقافي اللامادّي، أو حول مأسسة عمله، أو حول مصير قرار الوزير الأسبق السيد مراد الصقلي بإحداث مركز وطني للتراث اللامادي ترجع له بالنظر مراكز جهوية في مختلف الولايات. بل حتى مطلب إعادة هيكلة المعهد الوطني للتراث الذي لطالما رفعناه وناضلنا من أجله مازال يراوح مكانه، رغم ما تعانيه هيكلته الحالية من عطالة واهتراء انعكسا سلبا على مختلف مناحي عمله حتى بات أثره شبه معدوم في حماية التراث في الكثير من الأحيان.

إنّ التّراث الثقافي اللاّمادّي هشّ وسريع الاندثار وعمره رهين أعمار حَمَلتَه إن لم يجد الطريقة المُثلى لتوثيقه وتمريره للاّحق من الأجيال، وتتطلّب إجراءات صونه الكثير من الجهد، وخاصة، منهجية واضحة قوامها تحديد الأولويات وتأطير وضبط الأعمال والأنشطة ذات العلاقة قانونيا وإداريا وماليا وتقنيا، لضمان أوفر فرص النجاح. وهذا ما يصعب تحقيقه في ظلّ التعاطي معه من خلال قرارات فوقية لا تراعي تعقيدات الواقع. وإلى أن يهتدي المسؤولون إلى سبل الصّواب يجدر بنا أن نتساءل كم فقدت بلادنا من مسنّ حامل لرصيد هائل من ذلك التّراث خلال العشر سنوات الماضية – أي بعد مصادقتها على الإتّفاقية -؟ وكم من مهارة وحرفة في طريقها إلى الزّوال؟ وما حجم الرّصيد الذي فقدناه – أو الذي بصدد التّلاشي – من تراثنا الشّفوي؟ تساؤلات كثيرة وجوهرية يبدو أنّ وزارة الإشراف ما تزال متردّدة في شأنها وكأنّي بها تصرّ على طرق الأبواب الخاطئة. فلماذا لا تأذن السيدة الوزيرة بإجراء تشخيص مفصّل لوضعية المعهد الوطني للتراث على المستوى الوطني والجهوي وإعداد تقارير خاصة حول البنية الأساسية والتّصرّف الإداري والمالي ومستويات حماية التراث من خلال إحصائيات وبيانات دقيقة – على غرار ما قرّرته في شأن معاهد الموسيقى-، والإستئناس في ذلك بالتقارير الصادرة عن دائرة المحاسبات العمومية ؟!

ولماذا لا تأذن السيدة الوزيرة بتنظيم حلقات نقاش حول قطاع التراث على غرار ما قرّرته في شأن قطاعات الكتاب والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والرقص ؟!

تقول السيدة الوزيرة في التصريح الصحفي في جريدة المغرب المشار إليه آنفا أنّه سيكون اهتمامها موّجها نحو ”جعل وزارة الثقافة مخبرا حقيقيا للبحث وتطوير الممارسة الثقافية ومواكبة المستجدات في نطاق استشراف المستقبل والعمل على المدى المتوسط والبعيد“. ولكي لا يكون كلامها مجرّد شعارات سياسية فإنّنا نطلب منها أن تولي قطاع التراث ما يستحق من الاهتمام وأن تعطي الأولوية لمعالجة القضايا الأساسية والتّفاعل الإيجابي مع مقترحات إطارات ونقابيو القطاع حتى لا يتواصل مسلسل هدر تراثنا الوطني وتتوقف إجراءات الارتجال والتلفيق المتّبعة منذ وقت طويل.

هي كلمة حقّ وصرخة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح ستذهب غداً بالأوتاد. عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد