نستمدّ شجاعتنا من يأسنا سينيك، فيلسوف وكاتب مسرحي روماني.

إذا عدنا للمعجم و بحثنا عن معنى كلمة زمرة سنجد : ” الفَوْجُ والجماعةُ والجمع : زُمَرٌ ، : أفواجًا متفرّقة بعضها في إثر بعض” نفهم من هذا التعريف المقتضب أهداف و غايات هذه المجموعة من فناني الراب التي إختارت أن تنتج أعمالا تحت إسم موحّد. لقد إختار “اُلزُمْرِيُونَ” أن يحافظ كل منهم على أسلوبه و لكن ضمن حلقة مصغّرة يتقاسم أعضائها نفس الرؤية و الأفكار و يشتركون في عشقهم للموسيقى و الكتابة. و كما قال أحد الأعضاء – الزّمرة ليست مجرّد مجموعة و إنّما هي فكرة. و على إمتداد ثلاثة أجزاء سنحاول تسليط الضوء على أعمالهم لنحاول الكشف عن أهمّ نصوصهم و التعرف على المرجعيّات الموسيقيّة التي يعتمدونها. و سنبدأ بالزّوفري أبرز مؤسّسي الزّمرة الذي تلقى أغانيه رواجا لدى فئة كبيرة من الشباب ذلك أنه خلق أسلوبا متميّزا سواء كان ذلك على مستوى الموسيقى، الكتابة أو حتى طريقة الإلقاء.

11081389_806162822785364_6204275775963527657_n

زُوفْرِي مَاضِي كِي دَرْوِيشْ وِ اُلدُّوعَاجِي
بِيكَاسُو فِي رَاسُو تَكْعِيبِي وِ مْهَمِّشْ

تركيز على الكلمة بين درويش و بوروز

إنّ المتمعّن في أعمال الزوفري ك”القصيد” أو “قدر الملوك” يلاحظ مباشرة طغيان الكلمة على اللّحن. صوت هذا الرابور المميّز يساعده على شدّ المستمع إلى محتوى نصوصه إذ هو يقدّم الكلمة و يسعى إلى إيصالها بأدقّ تفاصيلها و بأسهل السّبل. و أمام نصوص هذا “اُلزُّمْرِي” تنشأ علاقة مبهمة مع نصوص عادة ما يكون فيها نسق الإلقاء سريعا  ممّا يجعل المستمع غير قادر على مجاراتها. و على الرّغم من هذه الصعوبة التي نجدها في أغانيه إلاّ أنّ هذا الأسلوب المتفرّد يظلّ عالقا في الأذهان و علامة مسجلة تدلّ على راب الزوفري. يكتب هذا الرابور نصوصه بطريقة مسترسلة فهو لا يحبّ التوقّف إلاّ عندما يكون مرهقا أو عندما تنتهي الأفكار تماما كأسلوب أشهر كتّاب “جيل البيت” الأمريكيّ وليام بوروز. فمنذ البداية يسرّع النسق و يضع المستمع أمام الأمر الواقع لينجرف هذا الأخير بسيل الكلمات و وقع الألحان. و قد يستغرب الكثيرون مقارنة تُقَامُ بين رابور و شاعر، إلاّ أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ المقارنة بين الزوفري و درويش لا تكون على مستوى الأسلوب و إنّما هي تتعلّق أساسا بذلك الرابط الخفيّ الذي يجمع بينهما. فأمام نصوص كليهما يتولّد لدى المستمع شعور غامض يعجز بعده عن إبداء رأي أو وصف إحساسه تجاه النّص.

11986324_889795537755425_1394209712502559275_n

*اٌلقَصِيدْ : نصّ منذ كلماته الأولى نفهم توجّه الزوفري الذي يرفض كلّ سلطة و يطالب بحريّة مطلقة تفتح آفاقا أمام الفرد و تساعده على الإبداع. و يحمّل هذا الرابور المسؤوليّة لأصحاب السلطة الذين يقمعون الشعوب و يتاجرون بقضاياهم في سبيل تحقيق ربح شخصيّ “خَلِّيتُو اٌلأُمَّة تَحِتْ اُلسِّنَّة” ثمّ يشير إلى ضرورة الصمود و الوقوف ضدّ هذا الوضع و الثّورة من أجل قلب الأوضاع. و ينتقل في الجزء الثّاني من النصّ ليضعنَا أمام ”واقع العربي” كما يراه، صورة قاتمة و جوّ من إنعدام الحريّة و خنق للإبداع “حُكمُهُمْ شَدِيدْ سَيَّارُونَ كَاٌلبِغَالْ” و لعل الزوفري من أكثر فناني الراب الذين ينقدون وضع البلدان العربيّة في علاقتها بالغرب و هو يدعو بإستمرار و في أغلب نصوصه إلى التمرّد “لَا أُرِيدُ عَوْلَمَة” “إِفْرِيقِيَّتِي وَ شَرْقِي يَرْكَعُ لِغَرِبٍ”

*حْشِيشَة وْ بُولِيسْ / سَلْطَعُونْ : من أهمّ الأغاني التي تمكننا من التعرّف على المرجعيّات الفكريّة و أسلوب الزوفري. تتميّز هاتين الأغنيتين بسرعة الإيقاع التي يصور من خلالها الرابور توتر العلاقة بين المواطن و السلطة عموما و البوليس خصوصا “تُونِسْ بُولِيسْ وْ مَتْرَاكْ سِيفِيلْ وْ كَرَّاكْ فِي كُرْسِي بَنَّاكْ فِي لاَرِيَة تِتْجَوَّلْ عَادِي تِتْحَوَّلْ مِنْ غُدْوَة مِتْغَوَّلْ” هذا العداء سببه النظام القمعيّ و الإنتهاكات التي تُرْتَكَبُ فِي حقِّ أولاد الشّعب فتأتي ردّة فعل الشباب أعنف “بِكْبِيرُو بِصْغِيرُو يُرْقِدْ لِيلُو كَانْ بْجُونْتة، تِتْعَدَّى سِيرَانْ يْهِزْ حَجْرَة يْعَدِّي رُونْدَة” و أغنية سلطعون كذلك تندرج في نفس السياق أين يقلنا الزّمري إلى قلب الأحياء الشعبيّة “فِي كُلْ تَرْكِينَة شِلَّة … نْعِيشُوا عِلَّة” هذا النص يعتبر نافذة نطلّ من خلالها على حقيقة الأوضاع كالفقر و قمع البوليس كما يؤكّد الزوفري أنّ قلمه مكرّس لكشف هذه الحقيقة و مقاومة ظلم البوليس لأنّه “رَابْ زْوِفِّرْ”

*خَوَاطِرْ : خواطر زوفري تأتي ممزوجة بنبرة ألم و حسرة على الأوضاع و لكنه يؤكّد – كالعادة – على ضرورة الصمود و مواصلة الطريق “زُوفْرِي مْخَرَّجْ نَابُو كِي اٌلكلِبْ فِي زْرِيبَة” يعتبر الرابور أنّه يتبع خطوات الدوعاجي و درويش لذلك فهو يسعى إلى التجديد و تقديم موسيقى مختلفة عن البقيّة.

يمكن أن نستنتج إذا الزوفري قد فرض أسلوبه و موسيقاه على الساحة و ذلك لأنه حامل لفكرة يحاول أن يدافع عنها بطرق مختلفة و في كثير من نصوصه التي تتميّز تارة بالأسلوب المرتكز على الخطاب المباشر و طورا بالتلميح و تكثير الصور الشعريّة التي تتطلب إعمالا للعقل لفهم ما بين السّطور.