ليست النيوكولونيالية فقط تلك الكنية المبهمة الذي يشير إليها المنظرون القدم/الجدد لتفسير مشكلة التخلف السياسي أو العجز الإقتصادي كنتاج لهيمنة دول كبرى مثل فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية على الدول الصغرى سياسيا و اقتصادياً وثقافيا. هي كذلك مجموعة الأفكار التي تحدد ممارستنا الذاتية البحتة و التي تتجلى في كيف نرى انفسنا و أيّ كتب نقرأ و كيف نتناقش مع الأخر و كيف نبدع. أهتم في هذا المقال بالجانب الثقافي لترسخ النيوكولونيالية فينا و خاصة في تعابيرنا ومفرادتنا و مراجعنا. في التركيز على ترسخ خطاب الفتنة وتنامي الجهويات و شعبية الحضرة، أود أن أؤكد على أنه في غياب ثورة ثقافية جادة فإن كل ما نفعله هو نتاج لصيرورة النيوكولونيالية الثقافية وتأثيرها في فهمنا و تكريسنا لذاتنا.في هذا السياق، يتداعى لي أنه إذا كان فهمك لذاتك و للعالم حولك يشير إلى بلادة و جمود الفكر و يقوم على إقصاء الأخر (أي إبن وطنك من الداخل التونسي) وتقزيمه بداع ما، فعليك بمراجعة زادك الكولونيالي السلبي

”ما هوش صحيح، تفتّن فينا على ولاد بلادنا“

يستحضر مصطلح ”الفتنة“ مفهوما سلبيا ذا خلفية دينية حيث ذكرت الفتنة في العديد من ايات القرآن الكريم (مثلا {ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً}) ومن ثم إقترن إستعماله بموروث إسلامي دموي كمقتل عثمان و استشهاد الحسين ليكتسب كنية وطابعا خاصين لدى الفئة الغالبة من العرب المسلمين. رغم تأكيد العديد من المراجع الدينية بأنه مفهوم واسع ومتعدد المعاني، غلب على مصطلح الفتنة إستعمال السياسيون والعامة على السواء له لاستحضار ذلك التاريخ المقيت كفرضية عدمية غايتها إقصاء الغريم السياسي خاصة أو من لا يعجبنا رأيه عموما. هناك إذن هوس بفكرة الفتنة لدى الغالبية والذي يقترن بالإعتقاد الراسخ بأن النقد و التحليل مؤسسان للخراب و الدمار. هذا الهوس بالمرجعية التاريخية الدموية للفتنة أسس للتحول في الخطاب العام من التأكيد على أن ”اعظم الجهاد كلمة حق“ إلى التركيز على الإقصاء وعلى أن قول الحق زندقة.

إن رواج إستعمال الفتنة بشكل إعتباطي لدى الأكثرية ليس فقط نتاجا لفهم خاطئ للدين وإنما، وهذا مايهمنا هنا، بقايا فكر نيوكلنيالي جعل من الدين فولكورا. يشير المفكر الغاني أنثوني أبياه إلى أن الايديولوجية الإستعمارية عملت على تكريس نظرة جامدة طقوسية للدين على الترويج لموروث إسلامي سلبي  يختصر الدين في مفردات الفتنة و التكفير1.  هذا التكثيف من الحالة الثقافية الدينية القائمة على خطاب  التشتيت والتفرقة المنسوب لمعجم الفتنة كان من صلب سياسة استعمارية أفرزت، ولا تزال، تلبدا وجمودا فكريا يطبعان طرق التفكير والحوار لدى الغالبية المتدينة (وغيرها). في ظل انعدام نقد هذا الموروث الإستعماري، أصبح ترديد لفظ ”الفتنة“ صفة محبذة لدى الكثرة و دلالة على التدين و الورع.

المشكلة هنا أن الهوس بالفتنة عادة ما يبرز فشل مستعمله في الإحتكام إلى الحجة و النقاش السليم وينم عن السطحية الثقافية والدينية لهذا الشخص. ففي الإلتجاء للإقصاء من دون محاججة وفي وصف كل محاولة للإصلاح على أنها فتنة هو أساس الجمود الفكري الذي نعيشه حاليا والذي أنزل بالدين و بمجتمعاتنا إلى درجات الحضيض. إن عمليات الإقصاء التي يختزلها إستعمال مصطلح ”الفتنة“ بشكل عشوائي هي تكريس لحالة دينية بغيضة تحولت فيما بعد إلى فكرة نيوكولنيالية تعتمدها فئة غالبة غيرعالمة في مقاربتها للأشياء التي يستعصي عليها فهمها.

”لكن بين كل فقرة و فقرة فما هاجس و حقد جهوي“

إذا كانت الهوس بالفتنة هو سمة غالبة على من لا يفهم دينه، فإن الهوس بالجهويات هو صفة راجحة لدى من لا يفهم مجتمعه. هي نفس عملية الإقصاء من الحوار والنقاش ولكن بمفهوم أكثر ضيقا تحكم فيه القبلية و العروشية. ففي كل مرة تقع فيها الإشارة إلى إختلال التوازن الإقتصادي و التنموي بين جهات الداخل وجهات الساحل، تجد دائما من ينفي سبل الحوار بشكل فج يختلط فيه عدم الوعيء وعدم التبصر بالأشياء بالرغبة الشديدة و العمياء في الإنتصار لجهته و حتى لمنطقته. الغريب في الأمر أنه رغم تأكيد كافة الدراسات الإقتصادية و التنموية على وجود مشكلة هيكلية أدت إلى تهميش كامل لاقتصاد الداخل، فإن المعني بالأمر يرى في حصر طرح المشكلة من زاوية الحقد الجهوي نوعا من الطمأنة على مكتسبات لم يشارك في تأسيسها و غير مؤكد أنه ينتفع بها. هذا الهوس بالجهويات هو إذن نوع من الركود الذاتي الثقافي التي يرى في جهة مسكنه إمتدادا هاما لذاته فيرى في محاولة التغيير والإصلاح مساسا بشخصه وبكيانه. في ظل هذه الحالة المزمنة، يستبدل الوطن بالجهة ويصبح الإنتماء لمنطقة قبلية معينة نوعا من القداسة.

أهمية الإنتماء الجهوي هي فكرة نيوكولونيالية بامتياز. أشار العديد من الباحثين في مجال مابعد الإستعمار كأبياه و فانون و ممداني إلى ترويج المستعمر لمفاهيم و أنواع مختلفة من الوصولية الطائفية (sectarian nativisim)و التي تمارس عادة من خلال تقسيم كيان سياسي معين كالوطن إلى كيانات صغيرة تحدد من خلال تعريفات لغوية و جسدية و اثنية ضيقة و اقصائية. يؤدي هذا طبعا إلى تكريس الصراع الجهوي وتأجيج الكراهية من خلال خلق أساطير حول التميز الفطري في التجارة و الفلاحة و الإدارة لأبناء جهة معينة بالمقارنة بأبناء جهة أخرى من نفس الوطن. في فترة الإستعمار، يدور الصراع الجهوي المفتعل حول جدارة جهة ما في الفوز بخدمة المستعمر و إدارة شؤونه الإقتصادية والسياسية اليومية. في فترة مابعد الإستقلال وفي غياب ثورة ثقافية كفيلة بتغيير هذا الفكر الجهوي المتعصب، فإن الصراع الجهوي يتحول ليتركز على جدلية ”من الأجدر بإدارة البلاد“. الفكرة الأساسية لهذه الوصولية الجهوية هو التكريس لفكرة نيوكولونيالية قوامها عضوية إرتباط القيادة السياسية والحنكة الإقتصادية بجهة معينة. في الأثناء تصبح إمكانية مشاركة أبناء جهات أخرى في العملية السياسية والإقتصادية  رجسا و تهديدا لكيان الجهة الأولى. يشير ممداني مثلا إلى تكريس المستعمر للقانون العرفي في جنوب إفريقيا وأوغندا وقسم الجميع إلى إنسان (subject) لا حقوق مدنية لديه  ومواطن (citizen) يتمتع بكافة الحقوق (خاصة أفراد البرجوازية المحلية) على أساس عرقي وقبائلي وجهوي (خاصة بين المدينة و الريف)2.

إذا كان الحق بيّن والباطل بيّن وإذا كان تهميش مناطق الداخل هو الباطل بعينه فإن الحق يكمن في إعادة التنمية لهذه الجهات. من هنا، أعتقد أنه في استعمال العديد لمفهوم ”الحقد الجهوي“  هو تكريس أعمى لباطل معشش بيننا وفينا وسعي ساذج لإقصاء أمكانية جعل هذا الوطن أفضل للجميع بما فيهم أنت وأنا. ففي اختزالك لأي خطاب مختلف عمّا تعودت عليه في مصطلح ”الجهويات“ يكمن التكريس السلبي اللاأخلاقي لعنف فكرة الوصولية الجهوية النيوكولنيالية البغيضة.

”الحضرة التونسية احتفالا بالذكرى 58 لعيد الجمهورية التونسية“

هناك أزمة ابداعية نيوكولونيالية في استمرارية أهمية الحضرة داخل الفعل الثقافي الحداثي التونسي. أكاد أجزم أنه لا يمر شهر أو مناسبة ما دون تنظيم حضرة هنا أو هناك. ففي المولد النبوي أو في عيد الجمهورية يفرض عرض الحضرة التونسية كخيار لاجدال فيه يرتبط فيه الدين بالتقاليد و بالقومية في خليط مدهش. أتفهم أن يتم اللجوء للحضرة خلال الإحتفال بالمناسبة الأولى ففي الإنشاد والذكر إحتفاء بالرسول، ولكن لا معنى أو مغزى للإلتجاء لهذا العرض للإحتفاء بذكرى نشوء الجمهورية. هل هو الفقر الثقافي المدقع؟ هل هو الحل الأسهل لإرضاء الفئة الغالبة؟

أعتقد أن الحضرة كسلعة ثقافية هي نتاج العجز النيوكولنيالي عن الإبداع. يشير فانون مثلا أن ظاهرة الرجوع  إلى و الإفتنان بالعادات و التقاليد في الفن بأشكاله و تعابيره المتعددة هو امتداد لعجز المثقف المحلي عن إيجاد أدوات إبداعية جديدة تختلف عن تلك التي استعملها المستعمر في سلب عقول وتدجين أبناء الوطن المحتل (فالإستعمار كان دائما مسارا اديولوجيا و ثقافيا قبل أن يكون عسكريا و إقتصاديا). كنتيجة لهذا العجز يجد المثقف نفسه في فترة مابعد الإستقلال أمام خيارين: الخيار الأول يكون في الإستعانة بأدوات ابداعية و جماليات حسية (aesthetics) وجدت قبل قدوم المستعمر للتعبير عن واقعه الجديد وهو مايؤدي إلى حالة من الشعبوية البديلة (ersatz populism كما يؤكد ابياه) أما الخيار الثاني فيكمن في الإستعانة الكاملة بالتجارب الثقافية لبلدان أخرى أكثر تقدما ثقافيا ومن ضمنها المستعمر القديم/الجديد (لاحظ مثلا إنتحال البرامج التلفزية في تونس لأفكار منوعات فرنسية3).

إذا كانت الحضرة على الطريقة الصوفية يبتغى بها الوصول إلى لحظة صفاء، فإن مشتقاتها التي رأيناها في مناسبة الإحتفال بعيد الجمهورية والأخرى التي تجوب مناطق العالم كمنتوج تونسي ثقافي هي فقط سلعة لا تمت للأصل في شيء وإنما تختزل أزمة إبداع. رواج الحضرة  يرمز إلى الهوس بكل ماهو فلكلوري تقليدي ماضوي و محاولة ترسيخه على أنه التعبير النقي عن عراقتنا و أصولنا و حضارتنا. الفلكلورية كرمز العجز عن الخلق تؤدي إلى التركيز على الأشكال الخارجية و المظاهر التقليدية على أنها الإرث الثقافي الحقيقي التي يجب المحافظة عليه وتجديده فنرى مثلا مزجا غرائبي (Fetish) بين آلات موسيقى الجاز و لوحات إسعراضية راقصة و إنشاد ديني.

هذا العجز الثقافي النيوكولونيالي وغياب الإبداع و الإبتكار الجمالي و الفني هو نوع آخر من الركود الذاتي الثقافي. إن أساس القطع مع الماضي الإستعماري يمرّ عبر التخلص من الموروث الحسي الجمالي الذي لوثه المستعمر وإبتكار أدوات ابداعية و جمالية تؤسس لمفردات و عناصر حسية جديدة تبتكر رؤية راديكالية ايجابية لذاتنا، لثقافتنا و لمستقبلنا. أعتقد أن في رواج الحضرة كفعل ثقافي مركزي دلالة على غياب هذه الثورة الثقافية على صيرورة المخزون النيوكولونيالي السلبي.

هوامش

  1. Appiah, K. A. (1988). Out of Africa: Topologies of Nativism. Yale Journal of Criticism, 1(2), 153-178.
  2. Mamdani, Mahmood. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism
  3. Concepts TV : Les plagiaires tunisiens inspirés par la télé-poubelle française.