هدف هذا البحث القصير، كبير : إنتزاع نبيّ الإسلام من التّخاريف وإعادته إلى التّاريخ العفيف الأخضر، من محمّد الإيمان إلى محمّد التاريخ

مقدّمة لابدّ منها

من المعلوم أنّه يوجد العديد من المفكرين و الكتاب الذين – مهما علا شأنهم و كانت أبحاثهم وأعمالهم قيّمة – يكونون عرضة للنّقد اللاّذع الذي يصل في كثير من الأحيان إلى الإعتداء أو التهديد بالقتل خاصّة إذا كان البحث/الكتاب مهتما بنقاط و مواضيع لها علاقة بالدّين و المقدّسات عموما. و الحقيقة أنّ الكاتب و المفكّر التونسي الرّاحل العفيف الأخضر يعدّ من المفكّرين الذين أسالوا حبرا كثيرا و أثارت كتاباتهم جدلا واسعا في تونس و خارجها. فمنهجه في التعاطي مع نصوص الموروث، هو ما جعله يثير العديد من الإشكاليات المتعلقة بالنّص الدّيني و يطرح تساؤلاتٍ حول مواضيع لطالما إِعْتُبِرَتْ من الثوابت التي لا يُسْمَحُ الحديث حولها و الخوض فيها.
من الزيتونة إلى كلية الحقوق ثمّ من لبنان إلى باريس، يبدو أنّ كتاب “من محمّد الإيمان إلى محمّد التّاريخ” هو خلاصة و صفوة تجربة العفيف الأخضر الذي حاول أن يساهم في تسليط الضوء على أماكن يخشاها العديد من المفكّرين و الأكاديميين.

القطع مع “الميتاتاريخ” و التّركيز على الشخصيّة المحمديّة

إنّ المرور من الرؤية التي تعلي نبيّ الإسلام و ترفعه إلى درجة التقديس إلى نظرة عقلانيّة تضعه على قدم المساواة مع جميع البشر، فاعلا و متفاعلا مع التاريخ هو ما طمح له العفيف من خلال هذا الكتاب. لذلك فإنّه حاول -على إمتداد صفحات طويلة – أن ينقلنا إلى الجانب الآخر من الوقائع التاريخيّة التي نعرفها، لا بل إنّه كشف – في مواضع مختلفة من الكتاب– عن مناطق ظلّت عصيّة عمن سبقه في هذا الموضوع. إنّ الحلّ – حسب مؤلّف ” إصلاح الإسلام ” – يكمن في القطع مع الميتاتاريخ ( و هو مصطلح إستخدمه هونري كوربان للتعبير عن مجموعة من الأحداث التاريخيّة المُخْتَزَلَة و التي لا تأخذ بعين الإعتبار تاريخ الشعوب ) فمنذ قرورن طويلة دأب أغلبية المسلمين على نمط واحد من التّفكير ومنهجيّة موحّدة في التّعامل مع مجموعة من الأحداث الأسطوريّة التي ترتبط بالشخصيّة المحمديّة. وهو ما أدّى إلى خلق هالة قدسية تدور حول النبي محمد والنص القرآني.

وهكذا فالرواية التي تقدمها السيرة، التي يلخصها هذان النص أفضل تلخيص، “هي في مجملها ميتاتاريخ. الميتاتاريخ يخضع التاريخ لحتمية لا تاريخية، أي للتدخل الرباني في التاريخ، هذا التدخل الإلهي الذي يرفع الأسلاف إلى مصاف الأبطال، إلى أنصاف آلهة، منزهين عن الوقوع في الخطأ والخطيئة. وهذا ما فعلوه بمحمد من المهد إلى اللحد، بل منذ أن كان جنيناً في رحم أمه! .هذه الرواية ارتفعت به، من شرطه البشري، إلى مقام المختارين، الذين رصدتهم الأقدار لتحمّل رسالة النبوة، حتى قبل أن يعلن هو نفسه نبياً. فهي إذن أبعد ما تكون عن التاريخ، أي الوقائع التي وقعت فعلاً أو كان يمكن منطقياً ان تقع.”
يشرح العفيف الأخضر في كتابه كيفيّة التعامل مع السيرة النبويّة “الرسميّة” و يؤكّد على ضرورة إستخدام العقل خاصّة فيما يتعلّق بتلك الأحداث التي يتداولها الجميع و رسخت في الأذهان مما أدّى إلى إنتشار عقليّة التقديس والتمسك بإتباع السلف في أدقّ التفاصيل.

عقليّة التّقديس هي سبب البليّة !

إنّ الإيمان و التسليم بالمعجزات هو ما يؤدي إلى ما يسمّيه المفكر السّوري الرّاحل جورج طرابيشي “سبات العقل في الإسلام”. وقد جاء بحث العفيف  الأخضر في إطار نزع كلّ قداسة عن نبيّ الإسلام وصحابته. فشخصيّة النبيّ –التي تنقلها لنا كتب الموروث – تبدو متكاملة إلى أبعد الحدود لا بل تصل إلى درجة التّأليه. و قد حاول الكاتب التركيز على شخصيّة محمّد و تحليلها تحليلا علميا دقيقا مستعينا بعلم النفس. و قد بدأ بطفولته بتفاصيلها وصولا إلى فترة النبوّة و بداية تكوّن الديانة. يضعنا الكتاب أمام جوانب مظلمة من حياة الرسول، و يشير إلى الآثار التي خلفتها مجموعة من الحوادث المسكوت عنها في كتب التراث التي إكتسبت مع مرور الزمن هالة من القداسة مكنتها من أن تكون فوق كل نقد. إنّ دراسة الشخصية المحمديّة و تحليلها نفسيا هو بمثابة إقحامها مجددا في حركة التاريخ و ذلك بهدف القطع مع عقلية التقديس و الحث على إعمال العقل.

العنوان : من محمّد الإيمان إلى محمّد التاريخ
عدد الصّفحات : 291
تاريخ الصّدور : أكتوبر 2013
دار النّشر : منشورات الجمل