ما الذي أسس لهذه السلبية الازلية في علاقتنا بالليل؟ لماذا اقترن الليل في تونس بالخطر المبهم؟ باختصار، لم لا نملك الليل؟ في قرائتي لماهية الليل في تونس، أود نقد خيبة الخواء العام الذي يصبغ الليل التونسي وإسقاطاته على المشهد الإجتماعي والسياسي و الثقافي في مابعد الثورة و التركيز من ناحية أخرى على أهمية الليل كزمكان ثوري تجديدي.

خلافا لأعراف بلدان أخرى ترى في ليلة رأس السنة مناسبة للإحتفال الجماعي فتقام عروض ثقافية ترفيهية بشكل رسمي تتبعها الألعاب النارية، يظل الليل في تونس قبل الثورة أو بعدها ذلك الزمان المبهم الذي أقصي خيارا أو عمدا من علاقتنا بالزمكان فيرومه المقصي والحائر و طبعا أعوان الأمن. بينما تغيب الإحتفالات العامة، تظل مظاهر الفرح في تونس مقتصرة على الأماكن المغلقة، حيث يقترن الإحتفال بليلة رأس السنة الميلادية بخيبة تكرار نفس الطقوس الفردية حيث تجتمع العائلة و الأصدقاء حول عشاء في بيت احدهم لينتظر الجميع العد التنازلي المعلن لحلول العام الجديد فينصرف بعدها تماما أفراد و جماعات إلى منازلهم أو يقضي البعض الأخر ما تبقى من السهرة في القهوة المجاورة لمن يحبذ ذلك أو في الملهى الليلي لمن استطاع إليه سبيلا. غالبا تكون مشاهدة العد التنازلي على شاشات التلفزة فنتابع اطلاق الألعاب النارية في بلدان أجنبية كالإمارات أو فرنسا أو غيرها. في الأن نفسه تكون الشوارع و المساحات العامة في تونس خالية وباردة و مقفرة. خلافا لأعراف بلدان أخرى، ظل الليل في تونس ذلك الزمان المبهم الذي وقع هجره رغبة أو عنوة فيرومه المقصي والحائر و طبعا أعوان الأمن.

الليل و خواء الداخل

هذه العلاقة المبهمة و السلبية بين الشخصية التونسية والليل ليست مقتصرة على مناسبة رأس السنة الميلادية. أتذكر جيدا أنه خلال العطلة الصيفية التي قضيتها هذه السنة في تونس كنت قد تساءلت أكثر من مرة عن أسباب غياب الفعل التواصلي و الثقافي حينما يلقي الليل بوشاحه على الجميع و خاصة على الأحياء أو المناطق التي تعرف بالشعبية. لأكون أكثر وضوحا لا اتحدث هنا فقط عن تونس العاصمة و انما كذلك تلك المناطق الأقل حظا كتاجروين أو سبيطلة أو غمراسن. يقترن الليل هناك بنوع من حضر التجول الغير مرئي فتقبع النساء المنازل عادة أمام شاشات التلفزة لتجتر للمرة الألف مشاهدة مسلسل تركي تافه أو منوعة تلفزية باهتة في حين يحتل الرجال أحد المقاهي المتنشرة بشكل فوضوي كمتنفس وحيد للجميع. الأنكى في هذا كله أن التنوير العمومي، وخاصة ذلك اللون الأصفر الكريه، يكاد يكون منعدما ويقتصر عادة على وسط المدينة أو الشارع المؤدي إلى البلدية و يظل ما تبقى من المجال العمومي مظلما و مهجورا.

العديد منكم سيرى في هذا الوصف نوعا من عادية الأشياء فقد أُريد لعلاقتنا بالليل أن تقوم على التجنب و السلبية والخوف. لقد ظل الليل ذلك الفضاء الزماني المكاني (الزمكان) الذكوري بامتياز مما أدى إلى ذلك الإرتباط اليقيني لدى الكثيرين بأن أي علاقة بين الجنس الآخر و الآخر هي بالأساس علاقة لا أخلاقية. ففي ترديد عبارة ”ماعندناش بنات تروح بعد الثمانية متاع الليل“ هو التأكيد على بديهية مسلمات إجتماعية تجتمع فيها قدسية الشرف والأخلاق والدين بسوء فهم الليل و اقترانه الكامل بالتعهير و المَومسة.

يبقى السؤال مطروحا: ما سبب هذه السلبية الغالبة على علاقتنا بالليل؟ ما يجب طرحه هنا، و هذا المقال هو محاولة للتطرق لهذه الإشكالية، هو أن علاقتنا المبهمة والسلبية بالليل هي ليست إفرازا إعتباطيا لموروث ثقافي إجتماعي تلقائي بل على العكس تماما هي نتاج مدروس لأنظمة سياسية إستعمارية و دكتاتورية احتلت الليل بغرض التحكم وفرض الإستبداد.

رغم نجاحهم لحد بعيد في سلب الليل و غرس فكرة نبذ هذا الزمكان فينا، فإني أريد أن أؤكد في الأن نفسه أن الليل يرفض الجمود و الإستبداد. هناك أهمية ثقافية و سياسية بالغة في إمكانية فهم وتعاطي مختلف و إيجابي مع الليل لدى الشخصية التونسية العادية. أتطرق هنا أولا إلى قوة الخلق و الإبداع والثورة المتجددة التي لطالما أسس لها الليل و اهميتها في خلق زخم ثقافي و فكري وحسي في تونس مابعد الثورة.

في حب الليل

إرتبط مفهوم الليل في المخيلة الإبداعية العربية بفهم متحول غير جامد فتارة هو الزمكان التي تغزوه مشاعر الوحدة و البؤس و الكآبة و تارة أخرى هو الفضاء الخلاق الذي تكتسيه بهجة الحياة والأمل والحلم. يشير شاعرنا أبو القاسم الشابي في قصيدته ”أيها الليل“ إلى العلاقة الديناميكية التي تجمعنا بالليل حيث يقول:

أنتَ ياليلُ! ذرَّة ٌ، صعدت للكونِ، ******** من موطئ الجحيمِ الغَضوبِ
أيُّها الليلُ! أنت نَغْمٌ شَجِيُّ ******** في شفاهِ الدُّهورِ، بين النَّحيبِ
إنَّ أُنشودة السُّكُونِ، التي ترتجّ ******** في صدرك الرّكود، الرحيب
تُسْمِعُ النَّفْسَ، في هدوء الأماني ******** رنة َ الحقَّ، والجمال الخلوبِ

فهذا الزمكان ليس هو جحيم الموروث السلبي للكم الهائل من العادات والتقاليد المكبلة لما هو تجديدي و راديكالي بل هو كذلك ذلك النغم الشجي المؤسس لفهم رحيب للحق ينبذ الإستبداد و الركود في الفكر. فالليل الذي لطالما إقترن ذكره بنقيض النشاط (الجسدي أو الفكري) وبالظلام القابع على النفوس و على الأسجاد هو غالبا ذلك الفضاء الحر الذي يمكننا (ويحثنا) على فهم حسي جديد لذواتنا و لمجتمعنا و يبعث فينا القدرة على خلق أفكار و تعابير جديدة و حتى عوالم وجودية و نقدية طريفة. فيؤكد مثلا شارل بودلار بأن ”الليل ينتج نصائح“ فيضفي إذن أهمية للليل في إتاحة النشاط العقلاني والفكري كتعبير عن الوجودية والذاتية.

إن تركيزي على تعريف الليل بالزمكان هو تأكيد بضرورة فهم هذا المصطلح من خلال مجاله المكاني الشاسع. فهو ليس فقط الزمان الإيجابي المخول للفكر و الإبتكار والتجديد وإنما هو كذلك الفضاء الممكن للحركة الجسدية والإبداعية. إن الزخم الذاتي المولد للخلق والتجديد في الأفكار والذوات والتعابير لا يمكن أن يقترن ديمومة مزاولة بالأماكن المغلقة. إن حصر و إختزال ماهية الليل في المساحات الضيقة والمقننة هي فكرة إستبدادية نيوكلونيالية بإمتياز أسست لقتل حرية الإبداع ووأد أمل التجديد. في كتاب ممتاز بعنوان Dark Matters: A Manifesto for the Nocturnal City يدعو نيك دان إلى ثورة جديدة في علاقتنا بالليل فيشير بأن النهار فقد كل قدرة على الوعي الذاتي أو التجديد لأنه أصبح فريسة لقوى عدة استبدت به و تحكمت في منابع إنتاجه. في الآن نفسه، بقى الليل أملنا الوحيد في إسترداد البهجة والسلام الإجتماعي و الدفع بأفكار تحررية جديدة. إذا كان لاجديد تحت الشمس، فإنه وجب علينا تحرير الليل من سلطة الأماكن المغلقة.

إن الليل هو كذلك قوة ثورية سياسية وتاريخية مركزية. فقد إكتسب هذا الزمكان لدى العديد من الحركات التحررية المناهضة للإستعمار أو التمييز مغزى قويا فلطالما اختارت مجموعات تحريرية كالفلاقة أوجيش التحرير الوطني الجزائري الليل لتقوم بهجماتها ضد قوى الإحتلال فاكتسب في المخيلة الشعبية الثورية تعبيرا خاصا تداخلت فيه الرهبة بالنشوة. إن لليل طاقة ثورية خلابة، فكلنا نتذكر المشهد السوريالي حين صرخ عبد الناصر لعويني في سكون الليل في ظل حظر التجول المفروض قبل ليلة هروب الدكتاتور ومن أمام المبنى الكريه لوزارة الداخلية. إن إقتران تلك الصرخة الفارقة بزمان وقوعها الليلي ليس إعتباطيا فالليل كان دائما ذلك الزمكان الذي يخرق جمود المتعارف عليه و يتجاوز نطاق المسموح و الهرمية.

أود في الختام أن أؤكد على أهمية الليل لأي مشروع تجديدي تحديثي يسعى لخلق زخم زمكاني يقطع مع الركود والجمود الفكري والثقافي والسياسي الذي نشهده الآن في تونس. إن الليل التونسي هو المعضلة والحل في الآن نفسه على رأي شاعرنا الشابي. إن سلبية علاقة الشخصية التونسية بالليل تحدد لنا مساوئ الواقع التونسي حيث تختلط الذكورية الفجة بالباترياركية بتزمت العادات والتقاليد البالية و بتسلط الدولة الفاحش. إن تجليات ثالوث الباترياركية والثيوقراطية والاوتوقراطية تكون أكثر وضوحا في الليل. في الآن نفسه، هذا الوضوح مهم لعملية الإدراك والوعي بما يجب فعله للقيام بثورة جديدة على السائد الجامد و هذا الصفاء مخول للحظة الإبداع و الإبتكار الذاتي و الثقافي و السياسي.

لم يبقى لنا سوى الليل.