Effer Lecébé, Hommage à Mohamed Bouazizi, installation, Centre d’art contemporain, Paris, 2011.

ستة سنوات مضت على الثورة المؤسسة، الثورة الأم التي انطلقت من هنا لينتشر لهيب قوتها في العالم العربي ويطيح عنفوانها بجبروت فراعنة حسبوا أنفسهم أزليين. لكن شرارة الثورة كما اتاحت لنار الحرية والكرامة أن تقدح بشدة وأن تكفل للعديد منا أن يحلموا من جديد بمستقبل أفضل فإنها كذلك افضت لرماد ايديولوجي وعقائدي سحيق أن ينتشر على سطح واقعنا الجديد. هذه البينية بين المأمول والمعاش أدت بدورها إلى إنقسام آخر بين شق مازال يشدد على مركزية الثورة ويؤمن بها وشق آخر كرهها وكره تداعياتها التي خلفت حروبا وضيقا إقتصاديا وإنحدارا أمنيا. ناعتو الثورة بالسوء اتفقوا على تسميتها ب”ثورة البرويطة” في إشارة إلى العربة المحمولة التي كان يستعملها شهيد الثورة محمد البوعزيزي للاسترزاق. هذه الإستعارة هي طبعا سخرية مهينة أريد بها أشياء كثيرة.
 في محاولة فهم مغزى تسمية ثورتنا ب”ثورة البرويطة”، أرى أنه من المهم جدا أن لا نقع في خطأ وضع الساخطين على الثورة في نفس السلة.
فهناك جانب تبنى وبالغ في الترويج لهذه الكنية المحقرة للثورة لأنه ببساطة تمعش إقتصاديا وإجتماعيا من فساد نظام الدكتاتور بن علي ورأى في نهاية حكمه الإستبدادي إنهيارا لعالمه الذاتي وهو ما جعله يكره الثورة وينقم عليها. أنتم تعرفون المنتمين لهذه الشق فهم عابرون للتاريخ حيث ساندوا حكم الإقطاع أو كرهوا الثورة الفرنسية أوتضامنوا وساعدوا المستعمر أو دعموا الإستبداد بعد الإستقلال. هذه الفئة تنفي عن نفسها أي فكر تقدمي كوني وتقاوم بشدة كل ما من شأنه أن يقوض معتقداتها البالية والرجعية. أكاد أجزم أن أفراد هذه الفئة من كارهي الثورة هم نفسهم الداعيين إلى سحب الجنسية عن الإرهابيين التونسيين أو المناهضين الأشداء لتوزيع عادل للثروات العامة أو المساندين للتهرب الضريبي.

 وهناك كذلك  جانب آخر، وهو مايهمنا هنا، آمن بالثورة وشارك فيها في البداية ودافع عن افكارها ورأى فيها المعبر الأسمى عن آماله وأحلامه في تغيير واقعه ومستقبله بشكل يخول له  العيش الكريم وصون كرامته وضمان حريته الفعلية. فشعار الثورة القائم على مفردات ثلاث “شغل، حرية، كرامة وطنية” إختزل بشكل ممتاز مطالب التونسيين والتونسيات وعبّر بشكل واقعي فعال عن المطالب الأساسية التي من أجلها ثار الشعب بكافة أطيافه وأراد لقيده الشخصي والإجتماعي أن ينكسر.

غير أن المآل السيئء الحالي لثورة العدالة الإجتماعية قصف بأحلام العديدين، حيث مازال الفقر المدقع معاشا لدى العديد منا وظل البحث عن لقمة العيش على حاله معاناة يومية تكتسيها المهانة والعبثية أمام غياب دعم الدولة وإنعدام الرغبة السياسية في النهوض بهم. مازالت كذلك نسب البطالة عالية جدا لدى حاملي الشهائد العليا وغيرهم وتفاقم معضلة غياب الضمان المادي والإجتماعي لدى العاطلين عن العملكما يشير له مقال محمد سيمح حول تواصل تراجع الإقتصاد التونسي فيما بعد الثورة. الأنكى هو سياسات حكومية،كما شاهدنا مع مؤتمر الإستثمار “تونس 2020″، التي تكرس لنفس التهميش الإجتماعي والإقتصادي لفئات الداخل التي من صلبها قامت الثورة.
لقد إقترن تحقيق مطالب العدالة الإجتماعية لدى حطب الثورة الأوائل بمفهوم الكرامة. هذا المفهوم في تعريفه البسيط هو قيمة إنسانية أساسية تقتضي من ضمن ما تستوجبه هو يخرج الفقير من فقره والمريض من مرضه والمحتاج من حاجته. قد يبدو التأشير إلى هذا التفسير أمرا بديهيا والتعريج عليه فضفضة غير أنه من الواجب التأكيد أن الواقع اليومي القاسي الذي يعيشه العديدين والعديدات منا  جعل من التأكيد على الكرامة وصونها أمرا مهما جيدا. ليس أخلاقيا الحديث عن الحريات إذا كان البطن خاويا قسرا والجيب خاليا إكراها والأفق منسدا قهرا.

من جانب آخر، ظل مستوى الحريات على حاله. طبعا هناك فارق طفيف في حرية التعبير كما يشير إليه مثلا إنتشار القنوات الإعلامية المرئية والمكتوبة ذات توجهات ايديولجية مختلفة تكرس لإختلاف في الرأي والنقد السياسي والإجتماعي. غير أن المتأمل في هذا المشهد الإعلامي، خاصة من خلال مقالات عديدة لثامر المكي وابرزها حول سراب فكرة التعددية في المشهد الإعلامي، ينتهي غالبا إلى إستنتاج سلبي حول التكريس الفعلي لحرية التعبير. حيث أن أغلبية القنوات الإعلامية، بعد أن كانت أبواقا لنظام بن علي طوعا أو قسرا، أصبحت الأن أبواقا لمالكي هذه القنوات ولأحزابهم وبرامجهم الحزبية. إن الكثرة لا تعني الجودة، ودعني أضيف، لا تكرس لحرية التعبير التي ينشادها من قام بالثورة و
من أجله قامت أساسا. كذلك ظلت الممارسة الفعلية لحريات أخرى كحرية التجمع والحق في الإحتجاج السلمي مقترنة بالموافقة السياسية بشكل جعل أي مظاهرة ناقدة للحكومة وقرارتها تشهد حضورا أمني مبالغ ومستفز و مقيد.
رفض هذا الجانب لمآل الثورة يمكن فهمه على أنه تعبير عفوي و طبيعي عن الخيبة في إنعدام الأمل ودمار حلم الثورة والإنتهاء إلى سيرورة الظلم الإجتماعي والاقصاء السياسي والثقافي. هذا السخط هو نفسه الذي أدى إنتشار حالة ثقافية وإجتماعية في فترة مابعد الإستقلال أمام عدم تحقيق المطالب الشعبية في الحرية والعدالة والمساواة. فنشأت أعمال أدبية كثيرة ومختلفة كأدبيات الخيبة “Disenchantment Novel” التي غلب عليها جماليات سلبية جدة “Aesthetics of Shit” نابذة و ساخطة على مآل ونتائج مابعد الإستقلال.
عدم حقيق الثورة لمطالبها المادية والمعنية قد أدى بمن أسس لها و شارك فيها و دافع عنها في بداياتها إلى هجرها وذمها كتعبير عن سخط عفوي ومهم في الأن ذاته. فسخطهم سيتبلور بشكل أكثر فداحة ويتحول من مجرد تسمية سلبية إلى محاولة القطع مع مخلفات الثورة ذاتها عن طريق الإنقطاع التام عن المشاركة في الفعل الإنتخابي أو إنعدام الثقة بين المواطن العادي و الدولة و اجهزتها و الرغبة في الإنتماء إلى كيان ثقافي و سياسي جديد ومختلف. هنا تكمن خطورة تسمية ثورتنا ب”ثورة البرويطة”.