التقيتهم كل يوم، عابري السبيل، سائقي التاكسي أو”اللواج“ و عشرات الأشخاص الذين استجوبتهم في اطار عملي على مذكرة بحث حول الرأي العام و ظاهرة الفساد في تونس ما بعد الثورة. استوقفتهم في كل مكان، في الشارع، في حوانيتهم و ”تحت الحيط“. صوتهم صوت واحد : ”يا ليته يعود، بن على أرحم“. تحسر علقم على ماض تفصلنا عنه بضع سنوات منذ ثورة 17 ديسمبر /14 جانفي التي بتنا نخجل كما قالت أميرة اليحياوي في جلسة الاستماع العلنية لهيئة الحقيقة و الكرامة، أن نسميها ثورة.

كنت أقف في ذهول أمام مواطنين من كل ولايات الجمهورية يفضون بأسرارهم لطالبة عرفوها منذ ثواني، بعضهم يكد اليوم بتمامه ليجمع بعضا من قوته، يحكونني صراعهم اليومي من أجل المعيش و عن عشرة آلاف دينار التي لم تعد تملأ قفة الزوالي منذ الثورة. أمهات و آباء شاركوني مخاوفا تقضّ مضاجعهم، لا ثقة لهم في التعليم، يخافون الشارع، و لا يرون مستقبلا لأولادهم في بلد غرق في الفساد والديون.

يقولون أنهم شاركوا في الثورة ليتحسن الاقتصاد و تشفى البلاد من ”عصابة السرّاق“ فاذا بعدد السرّاق يتضاعف بجنون بعد الثورة.“ قبل الثورة ”كنا نعرف من يسرقنا، عائلة واحدة، و كانوا لا يمسون خبزة الزوالي، اليوم الكلّ يسرق الكلّ و الزوالي يموت.

جملة قيلت لي عشرات المرات، نفس المعجم و نفس القصة. منهم كثيرون يشتمون الثورة و يتحسرّون مرارا على العهد البائد، عهد الأمن الاقتصادي و سحق الارهاب. و لئن أقروا مكسبا من مكاسب الثورة، فهو في مخيالهم مكسب يتيم يشككون في قيمته. لم نغنم الاّ حرية التعبير. و لكننا ”نحن الكادحون ﻻ نفطر ﺍﻟﺤﺮّﻳﺔ ﻭ ﻻ نطعم ﺍﻟﺪّﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴّﺔ ﻷﺑﻨﺎﺋنا ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺸﺎء ﻛﻤﺎ ﺃّﻥ ﺍﻟﺘﻌّﺪﺩّﻳﺔ الحزبية ﻟﻦ ﺗﺸّﻐﻠﻬﻢ ﻏﺪﺍ!“

تسألهم عن الدولة فتجد نفس الهوة بين المواطنين و الأجهزة الحكومية و القضاء و الحاكم (أي البوليس) و الفيسك (أي أعوان الجباية) و الادارات المحلي منها و المركزي… ذلك العقد الاجتماعي الذي لطالما نظر له أستاذ التربية المدنية (أو تلك المدينة الفاضلة) لم يتجاوز يوما حدود كراس الثانوية. المواطنة مفهوم غرق في تلك العلاقة ”المنحرفة“، على وصف الجامعي كريم بن كحلة، بين الفرد و المجتمع و الدولة، علاقة نحتتها سنوات من القمع و الخوف و الزبائنية، زادتها الشعبوية السياسية ما بعد الثورة علّة.

خلال البحث الميداني، فوجئت باجتماع كل الأصوات حول الغياب التام للثقة في الطبقة السياسية بما في ذلك أولئك الذين انتخبوهم ليمثلوهم في مجلس نواب الشعب. مازالت السياسة حبيسة صورة اللعبة القذرة، أبطالها الطمّاع و الاستغلاليون و الانتهازيون و الجوعى و أولئك الذين سرعان ما ”يبدلون الفيستا“. و أثار انتباهي وعي الأغلبية بأن سوء ادارة الحكومة لمهامّها نوع من أنواع الفساد مع تركيزهم على مشكلة الدين العمومي.

فوجئت أيضا أن أكثر من نصف المتحدثين لم يتمكنوا من تعريف ظاهرة الفساد أو من تحديد المسؤولين عنها، يكتفون بوصف شدة انتشارها (الفساد موجود في كل شي) و آثارها على واقعهم خاصة ما يسمى الفساد الصغير (الرشوة و المحاباة) مع تردد الشكاوى حول تأثير الفساد على شفافية المناظرات العمومية و التهرب الضريبي لأصحاب المهن الحرة و رجال الأعمال.

أما البعض الآخر فقد وصفوا لي الفساد كاحدى تجليّات ”المشكل الكبير“ في تونس و هو العقلية. مازال الملك العمومي ”رزق البيليك“ لا يحترمه الكثيرون و لا يرون مانعا في تلويثه و تدميره، مازالت السجائر و القوارير و البصاق تقذف على الأرصفة و الطرق العمومية… مازلت الانارة العمومية تقذف بالحجارة. مازلت المراحيض العمومية كابوسا من الأوساخ و القذارة. و لم يهتم بأن يترك المكان نظيفا لمن بعده و لم يهتم بالآخر؟ الكل يحب مصلحته، ”روحي وروحي لا ترحم من مات“ يقول المثل الشعبي.

يقول لي والدي ”اذا رأيت عون الشرطة و الاستاذ و الدكتور يعبرون بسياراتهم في الاتجاه الممنوع و لا يحترمون الاشارة الحمراء و قوانين الأولوية، كيف لنا أن نأمل في بناء وعي مدني؟“

و لان يرى والدي أنّه لا حل للمشكل في تونس سوى أن ”نرمي بهذا الشعب في البحر و نأتى بشعب جديد“، أرى أنه لا بدّ نبدأ بهذه التساؤلات :
لم مازال التونسي ينظر الى الدولة و كأنها العدو؟ و كأنها السجان؟ و كأنها تأكل من لحمه؟ و ما الذي يجب ادراجه في اجندة الانتقال الديمقراطي لتأسيس عقد اجتماعي سليم؟