يبدو من السهل إدانة هذه الحادثة من موقع الازدراء والتعالي الذي يرفض أصحابه الانغماس في عمق الرمال الاجتماعية. ولكن ارتباط تجدد الاحتراب العروشي بالأراضي الاشتراكية يحمل دلالات سوسيو-سياسية، تبعث على ضرورة تفسير استمرار ظاهرة العنف الأهلي -التي تحاكي في أشكالها الصراع القديم للقبائل- رغم مسار التفكيك المادي والتنظيمي للتشكيلات القبلية الذي دشنه مشروع دولة ما بعد الاستعمار. فهل تخفي المواجهات العروشية العنيفة إرادة اجتماعية مكبوتة من أجل إحياء سلطة القبيلة أم هي انعكاس لضعف التغيير “الدولاتي” وعدم شموليته؟ ولماذا تتعايش الأشكال الاجتماعية القديمة مع أشكال التنظم الجديدة على غرار الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة؟

أراضي العروش واستنهاض الرواسب القبلية

نشأ التململ الاجتماعي في قريتي بشني والجرسين عندما عَلِم الأهالي بوجود مشروع تعبيد طريق يتوسط القريتين. هذا المشروع فُهِم بوصفه ترسيم جديد لحدود أراضي العروش، وهو ما شكل دافعا للمناوشات التي لم تفلح مساعي الصلح الأولية –بإشراف والي قبلي وبعض منظمات المجتمع المدني- في تطويقها. تحول التململ إلى احتشاد وتحريض من كلا الجانبين، انتهى بصراع دموي على الطريق المبرمج ضمن المخطط التنموي 2016/ 2020. وقد تلازم العنف المحلي مع الاستنجاد بأطراف قادمة من خارج المنطقة، حسب ما أفادنا به الهادي فريجه، عضو فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقبلي وأصيل منطقة بشني. وتحاكي هذه الخطوة أشكال النصرة القبلية التي تعرف في الذاكرة الجماعية بـ”الفزعة”.

مجالس التصرف في الأراضي الاشتراكية
هي مجالس مُنتخبة من أفراد المجموعة المستغلين للأرض (العروش)، ينظمها القانون عدد 28 لسنة 1964 والمنقح بمقتضى القانون عدد 69 لسنة 2016. وتُسند لهذه المجالس جملة من الصلاحيات من بينها التصرف في الأراضي نيابة عن المجموعة أو إسنادها على وجه الملكية الخاصة لفائدة الأفراد من أعضاء المجموعة. كما تتولى تنظيم الرعي وصيانة المناطق المخصصة له، ومسك دفاتر الحسابات المالية والنزاعات العقارية، إضافة إلى التحكيم في النزاعات المتعلقة بالأراضي الاشتراكية في حدود اختصاصها.

يشير أستاذ علم الاجتماع محمد نجيب بوطالب في دراسة له بعنوان “الأبعاد السياسية للظاهرة القبلية في المجتمعات العربية” إلى أن “استمرار ظاهرة أراضي العروش لا تزال تشكل مرتكزا أساسيا لإعادة إنتاج أشكال الوعي والمشاعر المشتركة للمجموعة القبلية”. وترتبط العودة الإحيائية للحمية القبلية باستمرارية المؤسسات القائمة على التمثيلية العروشية، وهي أساسا مجالس التصرف في الأراضي الاشتراكية. (انظر المؤطر)

تشكّل مجالس التصرف وعاءا للاجتماع العروشي الملتصق بالملكية، وقد حافظت على وشائج قديمة لعلاقة الإنسان بالأرض، قائمة على التحوز الضيق دون التفكير في تطوير أساليب استغلال الأرض وتوسيع رقعة الاستفادة الاجتماعية من خارج منظومة العروش. في هذا السياق أكد الطاهر الطاهري، رئيس جمعية حماية واحات جمنة، لموقع نواة أن “استمرار التمثيلية في مجالس التصرف على قاعدة الانتماء للعروش عطل تجديدها وفقا لمبدأ الانتخاب المواطني الذي بإمكانه تحديد اختيار الممثلين من منظور البرامج المقنعة وليس على قاعدة الرابطة القبلية”. وأضاف الطاهري بأن منطقة جمنة اتخذت مسارا استثنائيا من خلال تعطيل تجديد مجالس التصرف في الأراضي الاشتراكية على قاعدة الانتماء العروشي.

تتساوق الهيمنة العروشية على إدارة الأراضي الاشتراكية مع بروز أنماط جديدة للتنظم الاجتماعي، تمثلها الجمعيات المدنية والاتحادات الفرعية لأصحاب الشهادات المعطلين عن العمل. وتطرح هذه الهيئات –التي تترك فيها روابط الدم مكانها لأهداف اجتماعية أسمى- أشكالا جديدة لاستغلال الأرض عبر إدماجها ضمن برامج التشغيل والتنمية المحلية، وهي بالتالي تقلب نمط التعاطي مع الأرض لتصبح هذه الأخيرة مادة للإنتاج والاستغلال المواطني-التشاركي وليست موضوعا للتنازع القبلي حول حدود وهمية.

هذه المحاولات لا تحظى بتأثير اجتماعي كبير رغم ما تحمله من دلالات مستقبلية، وهي تصطدم برواسب المقاومة العروشية التي يجري استنهاضها بين الفينة والأخرى من أجل المحافظة على أنماط الاستغلال القديمة. مثلت الأحداث الأخيرة بقبلي خيبة أمل للكثير من نشطاء المجتمع المدني الذين لم تسعفهم الوساطة في تطويق الخلافات، وقد آلت الغلبة إلى تحكيم “نصرة العرش” عوضا عن عقلنة الصراع وفقا لأهداف اجتماعية أوسع. وهنا تبرز “دولة الاستقلال” بوصفها موضوعا للمساءلة، نظرا لارتباط مشروعية تأسيسها بالإدماج الوطني القائم على إعادة تشكيل المجال الاجتماعي على أنقاض المنظومة القبلية.

مركزية الدولة تغذي الهامشية القبلية

سجلت جهة قبلي لوحدها منذ سنة 2011 العديد من المواجهات بين القرى المجاورة (انظر المؤطر)، والتي خلفت وراءها قتلى وجرحى ومراكمات جديدة للبغضاء والتناحر (انظر المؤطر). وقد تراوحت ردود فعل السلط الجهوية والمحلية بين المراقبة بفسح المجال للتسويات الداخلية أو بلعب دور الوساطة من خلال الاستنجاد بمشايخ العروش ورجال الدين وشخصيات اعتبارية ناشطة في المجتمع المدني، وفي بعض الأحيان يتم اللجوء للمقاربة الأمنية عندما يشتد الاحتراب، على غرار الأحداث الأخيرة التي أعلن خلالها والي قبلي أن “المجلس الجهوي للأمن قرر الدفع بتعزيزات أمنية وعسكرية لمنع تكرار أعمال العنف المتبادل بين القريتين”.


بعض المواجهات العروشية بقبلي بين 2011 و2017

  • 2011
  • سبتمبر 2011

    اشتباكات بين منطقتي العبادلة والقلعة التابعتين لمعتمدية دوز الشمالية.
  • 2012
  • ماي 2012

    مواجهات دامية بين مجموعة من العروش بمنطقة جنعورة بقبلي الجنوبية.
  • 2013
  • 18 فيفري 2013

    مواجهات بين منطقتي غليسية وكلوامن.
  • 2014
  • 8 ماي 2014

    مواجهات بين منطقتي غليسية ودوز الغربي.
  • 2015
  • 26 ماي 2015

    مواجهات بين جمنة والقلعة.
  • 2016
  • 02 ماي 2016

    مواجهات بين منطقتي بشري وزاوية العانس.
  • 03 جوان 2016

    مواجهات بين منطقتي القلعة ودوز الشمالية.
  • 2017
  • 10 جوان 2017

    مواجهات بين قريتي بشني (الفوار) وجرسين (قبلي الجنوبية).

رغم تنوع أشكال التدخل الرسمي فإنها تشترك في الحفاظ على الأساس العروشي عبر “المأسسة” المتجلية في مجالس التصرف في الأراضي الاشتراكية المشار إليها سابقا. هذا بالإضافة إلى الاكتفاء بمسايرة النزاعات المستيقظة بين الحين والآخر من خلال الاعتراف الضمني بسلطة ممثلي العروش في امتصاص الاحتقان أو التدخل الأمني الهادف إلى الضبط وفرض الاستقرار السياسي. هذا الدور القائم على ثنائية “المسايرة” و”الردع” يعكس في جانب كبير منه التناقض التاريخي الذي آل إليه مشروع التحديث الاجتماعي لـ”دولة الاستقلال”، الذي انطلق من مقاربة تفكيكية للأسس التنظيمية والرمزية للمنظومة القَبَلية ولكنه حافظ عليها في الكثير من المواقع، محاولا توظيفها في استراتيجيات التصدع الاجتماعي التي جابه بها الكثير من الأزمات الناشبة في الهوامش.

فشل الدولة في صهر الرواسب العروشية ضمن بوتقة أوسع هي الاجتماع الوطني، يمكن قراءته على ضوء عاملين: يتعلق الأول بجوهر المشروع التحديثي نفسه الذي نشأ من خارج التطور الداخلي لحركة المجتمع وارتبط باستراتيجيات سلطة مابعد-الاستعمار، وهو ماجعل التغيير الاجتماعي جزئيا وهجينا في بعض المواقع. أما العامل الثاني يتعلق بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية للدولة التي سرعان ما سقطت في التجاهل والتهميش وخلق حالة من النمو اللامتكافؤ. ويفسر أستاذ علم الاجتماع محمد نجيب بوطالب هذا العامل بالإشارة إلى أنه:

لم تحظ أغلب المناطق ذات الإرث القبلي بتحقيق تحول جذري في البنى الاقتصادية والاجتماعية، يقطع مع النماذج الاجتماعية المرتبطة في الذاكرة الجماعية بآليات النمط الرعوي والفلاحي البسيط. فلم يجد الفاعلون في هذه المناطق بديلا لإرضاء ذواتهم غير الاستناد إلى تاريخ قبلي يعتمد على الميل إلى الاستقلالية والتمرد والتلويح بالعنف في وجه الدولة.

سياسات التهميش الاجتماعي المقيمة منذ عقود في منطقة قبلي ولدت إحساسا لدى الكثير من نشطاء الجهة بأن هناك استراتيجيا خفية متواصلة لتأجيج التناحر العروشي في المجتمعات المحلية، من أجل كبح ممكنات التوجه الاجتماعي نحو تبني أهداف متقدمة مثل التنمية والتشغيل. هذا الهاجس عبر عنه الهادي فريجه، عضو فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقبلي، الذي أشار إلى أن عمليات التحريض والشحن التي حدثت في صفوف أهالي بشني وجرسين حولت اهتمامات المنطقة من الحديث عن الاحتجاج الاجتماعي المطالب بالتشغيل والتنمية الذي تشهده بعض المناطق مثل الفوار والقلعة ودوز إلى الانشغال بالصراع العروشي.