وكما سبق بيانه ستعتمد الأطراف الأوروبية و فرنسا على المعاهدات والاتفاقيات الأوروبية وخاصة الاتفاقيات الثنائية غير المتكافئة وكذلك على منظومة الامتيازات الخاصة بالأجانب كأدوات رئيسية لإحكام سيطرتها وتغلغلها التجاري والاقتصادي في المنطقة الذي مهّد السبيل لبسط الهيمنة الفرنسية على تونس تمهيدا لاحتلالها.

منظومة الامتيازات الخاصة بالأجانب :التنازلات هي ركيزة الاستعمار الاقتصادي والتجاري لتونس

تم إرساء هذه المنظومة لأول مرّة بين فرنسا والامبراطورية العثمانية سنة 1535 وهي تضمن حماية حقوق الجالية المسيحية في المناطق الاسلامية و تعفيهم من تطبيق القوانين المحلية والشريعة الاسلامية عليهم وتمنح الحق لقناصل الدول الأوروبية بفصل النزاعات وفقا لقوانينهم الوطنية، كما تعفي الجاليات الأوروبية بموجب هذا النظام من الخضوع للأداءات المطبقة محليا.1

وهكذا ترسخ بشكل جد مبكر مبدأ الاستثناءات والاعفاءات الممنوحة للأجانب الذي إتسع مفهومه تدريجيا بحكم الواقع ليشمل إكتساب حقوق وإمتيازات خاصة في مجال التجارة الداخلية والخارجية والنشاط الاقتصادي وإمتلاك العقارات مع الإشارة إلى أن هذه المنظومة هي التي مكّنت فرنسا من اكتساب مكانتها الاقتصادية الخاصة التي ترسخت خلال مرحلة الاحتلال وظلت قائمة بعد الاستقلال وإلى يومنا هذا بفضل نظام القوانين المحفّزة على الاستثمار الخارجي وإتفاقيات التبادل الحر الموقعة مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي.

ومنذ القرن السابع عشر كان الهاجس الأساسي لفرنسا وبريطانيا وهولندا يتمثّل في السعي إلى فرض تطبيق منظومة الامتيازات الخاصة على الإيالة التونسية، وقد وقعت أول إتفاقية في ظل حكم يوسف داي مع مرسيليا سنة 1617 وهولندا سنة 1622 1 لكن هذه الاتفاقيات ظلت محدودة أو عديمة الفاعلية  باعتبار تعارضها مع السياسة الاستقلالية ازاءالباب العالي المتبعة منذ أواخر القرن السادس عشر في ظل حكم عثمان داي.

والملاحظ أن هذه النزعة الاستقلالية تحولت تدريجيا إلى نوع من الحكم الذاتي الذي أصبح أمرا واقعا و مقبولا ضمنيا من الامبراطورية العثمانية وذلك بالتوازي مع تنامي الحضور الأوروبي الذي سعى منذ البداية إلى احتواء المد التحرري التونسي و التحكم فيه وتوجيهه بما يخدم مصالحه وأغراضه الاستعمارية.

وطيلة القرن السابع عشر، سعت الإيالة التونسية في ظل الدولة المرادية إلى توخي سياسة خارجية تقوم على تعزيز الحكم الذاتي، وتهدئة العلاقات المتوترة مع الجار الجزائري والتعاطي بندية واستقلالية مع القوى الأوروبية التي كانت تتصارع على النفوذ في المنطقة المتوسطية.

والجدير بالذكر أن الدول الأوروبية كانت تتخذ من قضية القرصنة في البحر المتوسط – التي لم تكن في واقع الامر حكرا على دول جنوب المتوسط – ذريعة للمطالبة، تحت تهديد السلاح، بفرض اتفاقيات غير متكافئة على الايالة التونسية تضمن لها سلامة تجارتها الخارجية و الحصول على امتيازات اخرى خاصة كما حصل مع هولندا سنة 1662 ثم مع بريطانيا ولاحقا مع فرنسا.

بوادر تكريس الهيمنة الفرنسية على تونس عبر الاتفاقيات غير المتكافئة

بموجب المعاهدة الأولى الموقعة مع الإيالة التونسية بتاريخ 25 نوفمبر 1665، تحصلت فرنسا على أفضل الامتيازات قياسا بالدول الأوروبية الأخرى، بما يضمن لها مكانة سياسية واقتصادية تفاضلية، تشمل حرّية التجارة إلى جانب إعفاء الجالية الفرنسية من الخضوع للتشريعات المحلية فضلا عن منح القنصل الفرنسي الأسبقية بالنسبة إلى نظرائه الأوروبيين.

وفي سنة 1666 تم التوقيع على اتفاقية منحت بموجبها شركة فرنسية مجددا الحق الحصري لصيد المرجان في منطقة طبرقة، و الملاحظ ان هذا الاتفاق و ان كان لا ينص على تنازلات ترابية فإ نه يرسي مفهوم اللزمات طويلة الامد في مجال استغلال الثروات الوطنية من قبل الاجانب و قد امتد لا حقا العمل به الى مجالات الطاقة و البترول و الملح و غيرها.

وتجدر الاشارة الى أن هذه الاتفاقيات وقعت في عهد مراد الثاني الذي كان يسعى لتكربس سلطته في الداخل واكتساب مكانة على الصعيد الخارجي من خلال تثبيت التوجه العثماني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للإيالة. كما سعى إلى إرساء علاقات ودية مع الدول الأوروبية التي كانت تشكو من اتساع القرصنة ولذلك فقد اضطر للخضوع لضغوطها الرامية إلى الحصول على إتفا قيات وامتيازات تجارية تفاضلية مع الإيالة التونسية تضمن لها التحكم في القرصنة لتأمين مصالحها التجارية بتونس ومنطقة المتوسط.

وقد استغلت القوى الأوروبية وخاصة فرنسا هشاشة الأوضاع السياسية الداخلية للإيالة، المتميزة بالصراعات المتواصلة على السلطة وكذلك صعوبة الأوضاع الاقتصادية للحصول على امتيازات وشروط مجحفة تتعارض نصا وروحا مع الاستقلالية التي كانت تسعى الإيالة لتكريسها على الصعيد الخارجي. وكانت الطموحات الفرنسية منذ تلك الفترة ذات طبيعة توسعية تتعدى مجرّد الحصول على إمتيازات تجارية والتحكم في ظاهرة القرصنة البحرية وقد نجحت في تحقيق أغراضها من خلال المعاهدة التونسية الفرنسية المشار إليها الموقعة سنة 1665 وهي الأولى من نوعها حيث أنها تفتح المجال أيضا ـ إلى جانب حرية التجارة والأفضلية الترتيبية للقنصل الفرنسي و الاقضائية للجالية الفرنسية ـ لحرية الدخول والنشاط  للبوارج الفرنسية ليس فقط بميناء تونس بل بموانئ أخرى وكذلك حماية البعثات الدينية.

والملاحظ أن الإيالة التونسية ظلت إلى غاية 1660 تتعامل بندية مع الدول المتوسطية الأخرى بما فيها الأوروبية التي أقرت فعليا بالمكانة الدولية الخاصة للإيالة بدليل أنها غدت تتفاوض معها مباشرة وتمضي معها على إتفاقيات ومعاهدات ثنائية لتنظيم العلاقات وترتيب المصالح المشتركة.غير أن موازين القوة العسكرية اختلت تدريجيا في المنطقة المتوسطية خاصة مع فرنسا وبريطانيا وهولندا وهو ما انعكس على الاتفاقيات الموقعة معها التي إتسمت منذ ذلك التاريخ بطابعها غير المتكافئ، وبذلك اكتسبت فرنسا بشكل جد مبكر المكانة الخاصة و المتميزة التي ستعمل باستمرار على تعزيزها و تثبيتها على الصعيد الاقليمي إلى أن توفرت لها مطلع القرن التاسع عشر الظروف المناسبة لاحتلالها المباشر للجزائر ثم تونس.

تطور التجارة الداخلية والخارجية في ظل الدولة المرادية وتحول فرنسا مبكرا إلى الشريك التجاري الأول

طيلة النصف الأول من القرن السابع عشر ظلت القرصنة البحرية وتجارة الرقيق من الأنشطة الهامة التي كانت تشكل أحد الموارد الأساسية حتى بالنسبة لخزينة الدولة، لكنها كانت أيضا عامل أساسي للتوترت وعدم الاستقرار المتواصل في حوض المتوسط وبين الضفتين الشمالية والجنوبية.

وبالتالي فقد شهد هذا النشاط تراجعا كبيرا وملحوظا بالتوازي مع اختلال التوازنات العسكرية والاقتصادية لفائدة الدول الأوروبية التي كانت تشهد ازدهارا اقتصاديا وصناعيا مطردا جعلها بحاجة إلى توسيع دائرة نفوذها لكسب المزيد من الأسواق والسيطرة على المواد الأولية والطاقية والمنجمية الافريقية الضرورية لنهضتها الصناعية. و قد تجسدت هذه السياسات خاصة بعد الثورة الصناعية و الزراعية وما تبعها من نهضة علمية و تكنولوجية أكسبت الغرب المقومات الضرورية لحملاته الاستعمارية القائمة على اقتسام مناطق النفوذ و السيطرة على الثروات و التوسع الاستيطاني و احتلال الارض و التحكم في السلطات المحلية من خلال الإتباع و العملاء .

وبالنسبة لتونس، فقد ظلت تجارتها الخارجية إلى غاية 1662 موجهة نحو تفضيل التعامل مع العالم الاسلامي، لكن الحركة التجارية بإتجاه أوروبا تعززت بسرعة حيث أصبحت فرنسا منذ 1680 تتحكم في ثلثي التجارة الخارجية التونسية.1

أما القرصنة، وان تراجعت وتيرتها، فإنها استمرت بشكل متقطع وكانت تتخذ كذريعة من قبل فرنسا لفرض المزيد من القيود والاتفاقيات المجحفة على تونس، ومن ضمنها الاتفاقية الموقعة في ديسمبر 1710 ثم اتفاقية أخرى معروفة باتفاق البرج الأسود (convention sur le Cap négre) التي تم بموجبها تحويل  ملكية هذا البرج إلى فرنسا في جوان 1711 .

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة طبرقة كانت خاضعة في تلك الفترة إلى جنوا (Genoix)الإيطالية التي كانت إلى جانب البريطانيين تتنافس مع فرنسا للفوز بامتيازات ولزمات طويلة الأمد في مجال صيد المرجان والسيطرة أيضا على مواقع إستراتيجية ساحلية في تونس والجزائر وذلك لخدمة نفوذها الاقليمي ومصالحها التجارية.

وهكذا تبيّن أن مطامع فرنسا إزاء تونس تجسدت منذ القرن السابع عشر في ظل الدولة المرادية من خلال السعي للحصول علي مكانة اقتصادية وتجارية متميّزة قياسا بالدول الأوروبية الأخرى وهو ما حصل بالفعل بالاعتماد على منظومة التنازلات والامتيازات التفاضلية الخاصة التي منحتها الامبراطورية العثمانية للجاليات الأوروبية المقيمة لديها، قبل أن يقع لاحقا تعميمها على الدول الاسلامية الخاضعة للنفوذ العثماني ومن بينها الإيالة التونسية.2 غير أن هذه المنظومة تطورت من حيث الشكل والمضمون لتتحول إلى إتفاقيات ومعاهدات ثنائية غير متكافئة ذات أبعاد تجارية واقتصادية وسياسية واستراتيجية، وقد تم توظيفها من قبل الدول الأوروبية وخاصة فرنسا للتنافس علي مواقع النفوذ والسيطرة على مفاصل الاقتصادي التونسي عبر التحكم في التجارة الخارجية للبلاد وهو ما مهّد السبيل لتوسيع الوجود الأوروبي الفرنسي البشري والاقتصادي والثقافي والسياسي الذي يسيمتد في ظل الدولة الحسينية ليتحول إلى أداة للهيمنة والتغلغل في أركان السلطة بهدف للتدخل في الشؤون الداخلية والسعي للتحكم في السياسات الاقتصادية والخارجية بما يخدم مصالح فرنسا ونواياها الاستعمارية في المنطقة.

وفي مقالنا القادم سنركّز الاهتمام على مسيرة العلاقات التونسية الفرنسية الأوروبية خلال القرن الثامن عشر الذي سيشهد في مراحله الأولى محاولات عابرة للتصدي للهمينة الفرنسية، وكان ذلك خاصة أثناء فترة حكم علي باشا باي الذي اصطدم عسكريا مع فرنسا ونجح مؤقتا في إعادة النظر في السياسة التجارية المكبلة بنظام الامتيازات والتنازلات الخاصة بالأجانب.

غير أن فرنسا ستعود بقوة لفرض سطوتها النهائية على البلاد و مفاصل الدولة التونسية بالاعتماد على تشجيع النزعة الاستقلالية التونسية إزاء الامبراطورية العثمانية وسياسة التقارب وتوثيق العلاقات التونسية الفرنسية وذلك من خلال توسيع دائرة الأتباع والمتواطئين في أوساط السياسيين المقربين من السلطة الذين تم توظيفهم لافتعال الأزمات على غرار الحرب التونسية الفرنسية لسنة 1770 التي ستشكل تحولا أساسيا باتجاه تكريس التوجه الأوروبي الفرنسي في السياسة الخارجية والاقتصادية والتجاربة التونسية.

ومنذ ذلك التاريخ لم ينفك النفوذ والحضور الفرنسي يتعزز بتونس رغم مرحلة الفتور العابرة خلال فترة الثورة الفرنسية، وما تبعها من صدامات وحروب في أوروبا أدت إلى انعقاد مؤتمر فيانا (1830/1815) الذي عزز لدى فرنسا نزعة التمدد بإتجاه جنوب المتوسط لتعويض خسارتها وهزائمها في الساحة الأوروبية.

المراجع

  1. Guellouz A – A Masmoudi – Smida A – A Saadaoui Histoire Générale de la Tunisie Tome 3 Les temps modernes 941 – 1247 H 1534 – 1881 SUD EDITIONS 2015. Charles André Julien Histoire de l’Afrique du Nord
  2. Dimassi Abdelmajid Les échanges économiques extérieurs de la Tunisie SIEP 1990