طغت موضة تأسيس الأحزاب على السّاحة السياسيّة وأصبح الحصول على ترخيص أسهل من استخراج مضمون ولادة. فأصبح كلّ من يطمع في تقلّد منصب يبادر إلى إنشاء تنظيمه الخاصّ ويجمع حوله أشخاصا لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، وهم في الكثير من الأحيان أصدقاء أو أفراد من نفس العائلة. نتيجة للكبت الذي عاشته البلاد طيلة أكثر من نصف قرن عَرف عدد الأحزاب التونسيّة طفرة غير مسبوقة، بلغ حسب آخر تصريح لمهدي بن غربية وزير العلاقة مع الهيئات الدستوريّة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان 208 حزبا، وهو في تزايد متواصل.

يرى البعض في هذه الطفرة ظاهرة صحيّة تعكس اهتماما بالشّأن السّياسي ونتيجة حتميّة للثّورة. أمّا البعض الآخر فينبّه إلى خطورة الأمر وما ينجرّ عنه من تشتيت للأصوات وممارسة أنشطة مشبوهة تحت غطاء حزبيّ. لكنّ المؤكّد هو أنّه رغم تعدّد التّنظيمات فالخطاب واحد والأساليب هي نفسها. إذ سادت الرّتابة السّاحة السياسيّة، وصارت الخطابات بالية ومُكرّرة. وغالبيّة هذه الأحزاب تعرف ركودا وسباتا، وحتّى تلك التي تنشط نسبيّا فوجودها غير مبرّر. العديد من الأحزاب تحمل نفس الإيديولوجيا ولها نفس التوجّه، لكنّ الرّغبة في تحقيق الأهداف الشخصيّة والاستئثار بالمناصب جعلت كلّ طرف ينأى بنفسه عن البقيّة ويمارس العمل السياسيّ بطريقة فرديّة. وهو ما نتج عنه تشتّت الأصوات التي ذهب أغلبها سدى.

رغم كثرتها فإنّ الأحزاب الحاضرة اليوم على السّاحة لا تلعب دورها الأساسيّ، المتمثّل في تأطير المواطنين وتشريكهم في العمليّة السياسيّة. إذ اقتصر عملها على الاجتماع في المقاهي وتنظيم اللّقاءات النّخبويّة التي لا تهمّ الشّعب. النشاط الحزبي لا يبرز إلاّ أثناء الحملات الانتخابيّة وهو ما ترك انطباعا سلبيّا لدي التونسيّين وجَعَلهم يدركون أنّ الأحزاب لا ترى فيهم سوى وسيلة للوصول إلى السّلطة. هذه الكثرة المُبالغ فيها أفرزت إرباكا للنّاخبين وجعلت من السّاحة السياسيّة سيركا سيّئ التّنظيم. لم يعد بالإمكان التّفريق بين الأحزاب الحقيقيّة وتلك المزيّفة التي تفتقر إلى كلّ المقوّمات. كما جعل تعدّد الأحزاب عمليّة مراقبتها أمرا صعبا، فمنها من يتلقّى تمويلات من جهات مشبوهة ومنها من يروّج لأفكار متطرّفة للتّغرير بالشّباب. وهنا تأتي ضرورة المسارعة بمراجعة القانون المنظّم للأحزاب وجعله أكثر صرامة لكن دون المساس بالحريّات الأساسيّة التي كفلها الدّستور. وقد قدّم مهدي بن غربيّة مقترحا في هذا الإطار إذ صرّح في عديد المناسبات عزم الحكومة على تقديم مشروع قانون جديد ينظّم العمل الحزبيّ، وأكّد أنّ كلّ الأطراف ستشارك في صياغته حتّى لا تُمسّ الحريات عندما تُمَكّن الإدارة من أدوات رقابيّة.على السّلطة إذن أن تجد منطقة وسطى بين وقف هذا السّيلان الذي أصبح عبئا على الدّولة وعلى المجتمع وبين المحافظة على حريّة النّشاط السّياسي التي تعتبر من ركائز النّظام الدّيمقراطي.

غياب تامّ للبرامج

رغم كثرة الأحزاب وتنوّعها فإنّها تجتمع جلّها على خاصيّة واحدة، وهي غياب البرامج والرّؤى. فالعمليّة السياسيّة في تونس ليست سوى صفقات وصراعا على المناصب. كلّ طرف يسعى إلى الاستئثار بالسّلطة والحصول على الجزء الأكبر من الكعكة. ولّدت هذه الانتهازيّة قطيعة مع الفئات الشعبيّة وجعلت من النّخبة مجموعة لا صلة لها بالواقع ولا تعرف مشاغل النّاس ومعاناتهم. إذ ظلّ السياسيّون في برجهم العاجيّ، شغلهم الشّاغل تقلّد المناصب والمسؤوليّات خدمة لمصالح شخصيّة ضيّقة.
علاوة على ذلك فقد بان بالكاشف أن الأحزاب في تونس تعاني أزمة إفلاس فكري، فهي لم تترك المجال للمفكّرين والمثقّفين لبناء التصوّرات والرّؤى. وكانت البرامج المقدّمة خلال الحملات الانتخابيّة مجرّد وعود فارغة وخياليّة لا يمكن تنفيذها على أرض الواقع، خاصّة في الظّرف الذي تمرّ به البلاد. والهدف الوحيد منها هو إغراء النّاخبين لحصد أصواتهم. غابت الرّؤية المستقبليّة وحضرت الأكاذيب التي انطلت للأسف على الشّعب. فكأنّ التنظيمات السياسيّة مجرّد أصول تجاريّة تخوّل لمجموعة من الانتهازيّين التحكّم في دواليب الدّولة.

ويلاحظ المتأمّل في السّاحة السياسيّة أنّ كلّ الأطراف تردّد نفس الخطاب وتطرح نفس الأفكار، فلا فرق بين إسلاميّ ويساريّ وليبراليّ. الكلّ يطرح نفس الأفكار البالية في غياب تامّ للابتكار-على مستوى البرامج وعلى مستوى تقنيّات التّواصل السّياسي وإيصال الأفكار أيضا- فقد كان من الصّعب التّفريق بين آراء المتنافسين على الانتخابات الرئاسيّة مثلا حول مختلف المسائل التي تهمّ التونسيّين، إذ اقتصرت الجمل الدعائية على “طراطير” و”أزلام”.

عوضا عن تقديم المقترحات لجأت الأحزاب إلى طرق أخرى تضمن لها الفوز في الاستحقاقات الانتخابيّة. فالنّهضة مثلا استغلّت العاطفة الدينيّة لاستقطاب التونسيّين وكانت حجّتها الأولى والوحيدة، فالعديد من النّاخبين اصطفّوا وراءها فقط بدافع دينيّ بحت. نداء تونس من جانبه أسّس حملته الانتخابيّة على معاداة الإسلاميّين والتخويف منهم والقول بأنّهم يسعون إلى تغيير النّمط المجتمعي. أحزاب أخرى وجدت في الإغراءات الماليّة وسيلة لحصد الأصوات والتّغرير بالنّاس، ولعلّ أبرز مثال على ذلك “شركة” سليم الرّياحي ومن المؤسف أنّ هذه الأكاذيب لازالت تنطلي على الشّعب الذي لم يتعلّم الدّرس. فرغم إدراكه أنّ تلك البرامج مجرّد حبر على ورق وأنّ الأحزاب الحاكمة غير قادرة على الارتقاء بالوضع الاجتماعي والاقتصادي، فهو يواصل مساندتها والدّفاع عنها.

الشّخصنة وغياب الديمقراطيّة في الأحزاب

لتونس تاريخ طويل مع عبادة الأشخاص وتمجيدهم. فالدّارس لطبيعة المجتمع على مرّ السّنين يرى أنّه يتطلّع دائما إلى صورة الأب والقائد الذي يترأّس الدّولة. وقد جعل هذا العمليّة السياسيّة مجرّد صراع أسماء وأشخاص ولم ترتق إلى النّقاشات الفكريّة الموجودة في الديمقراطيّات العريقة. فجلّ الأحزاب يقودها نفس الأشخاص منذ سنين وحتّى عقود. إذ لم يرغب أيّ منهم في التنحّي وفسح المجال للأجيال الجديدة، وهو ما يطرح تساؤلات حول إيمان هؤلاء بالديمقراطيّة عندما لا يطبّقونها على مستوى تنظيماتهم. هذه الممارسات جعلت الأحزاب ترتبط بالأشخاص وليس العكس.

الأحزاب السياسيّة اليوم هي في الحقيقة شركات تسعى إلى الرّبح وتحقيق المنفعة الخاصّة لقياديّيها ومن حولهم. وتَبيّن أنّ الانتخابات مجرّد حيلة انطلت على الشّعب، فأهمّ وعد لنداء تونس مثلا أخلف به وهو التزامه بعدم التّحالف مع حركة النّهضة. على الفاعلين السياسيّين أن يدركوا أنّ الوصول إلى السّلطة ليس هدفا في حدّ ذاته بل وسيلة لتطبيق البرامج. وعلى الأحزاب أن تنصت إلى الفئات الشعبيّة قبل أن يفوت الأوان.