ويُعزى هذا الواقع المرير إلى تراجع تونس المبكر مطلع السبعينات عن إعطاء الأولوية لبناء صناعة وطنية حقيقية مُندمجة ترتكز على التثمين الصناعي للثروات الوطنية بتكنولوجيات تونسية، على غرار الدول الصناعية الصاعدة، واتجاهها إلى سياسة استقطاب الصناعات التصديرية الأوروبية في إطار منظومة المناولة التي تحولت بموجبها تونس إلى ورشة صناعية لصالح الصناعيين الأجانب، الباحثين عن تقليص كلفة إنتاجهم بالاعتماد على الأيدي العاملة الرخيصة  وعلى الحوافز المالية والجبائية التي يوفرها قانون الاستثمار التونسي.

أما المؤسسات الصناعية التونسية التي تعمل خارج هذه المنظومة فإنها لم تتطور تكنولوجيا. وظلت تعتمد على استيراد أدوات الإنتاج المصنعة أساسا بالدول الغربية، مما جعل النسيج الصناعي التونسي يشكو من ضعف الاندماج وكذلك ضعف القدرة التنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية.

أسباب فشل التجربة الصناعية التونسية وتداعياتها

هذا الملف يطرح قضية مركزية، ألا وهي تعثر تجربة التصنيع في تونس، التي تعد في تقديري من أهم أسباب فشل ما يسمّى بالمنوال التنموي التونسي القائم منذ مطلع السبعينات، والذي تم اعتماده أعقاب التخلي عن استراتيجية الآفاق العشرية  للتنمية القائمة على بناء اقتصاد انتاجي يرتكز على إزالة الاستعمار الاقتصادي وإقامة صناعات وطنية مُوجهة لتثمين الثروات المحلية وتعويض الواردات بمنتجات صناعية تونسية وتحديث الفلاحة وتحقيق الإندماج والتكامل بين مختلف قطاعات الاقتصاد الحيوية.

لكنه للأسف تم القطع المبكّر جدا مع هذا الخيار واستبداله بسياسة الانفتاح التجاري من خلال اتفاق التبادل الحر المبرم مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية لسنة 1969 وسياسة إعطاء الأولوية لاستقطاب الاستثمارات الصناعية الأجنبية من خلال   قانون 1972، الذي حوّل تونس إلى مجرد ورشة صناعية لصالح الصناعات الأوروبية الوافدة إلى تونس في إطار منظومة المناولة لتقليص كلفتها وخدمة طاقاتها التنافسية في الأسواق الدولية.

أما الصناعات التونسية الناشئة الموجهة أساسا لتلبية حاجيات السوق الداخلية فقد عجزت عن تطوير نسبة إدماجها بسبب تبعيتها المفرطة للتكنولوجيات ولوسائل الإنتاج وحتى المواد الأولية الأجنبية، مما جعلها عاجزة عن مواكبة حركة التصنيع الحقيقي في العالم المستندة إلي الثورتين الصناعيتين الثانية والثالثة، ثم ثورة الاقتصاد الرقمي المعروفة بالثورة الرابعة التي غيرت مفهوم ومستقبل التصنيع في العالم.

وهكذا فإن تخلف تونس في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي، إلى جانب اتفاقيات التبادل الحر غير المتكافئة مع أوروبا، هي من الأسباب الرئيسية لفشل تجربتها الصناعية وسيطرة الصناعيين الأجانب على أسواقها التجارية وعلى ثرواتها الوطنية والأجزاء الأكثر ربحية منها المكونة لما يسمى بشبكات القيمة التي حرصت الدول الصناعية الكبرى على احتكارها والاستفراد بها ضمن توزيع محكم وغير عادل للأدوار، في إطار العولمة الاقتصادية الخاضعة للهمينة الغربية.

ومن ضمن الآليات التي كرست هذه الهيمنة الصناعية الغربية هو الجيل الجديد من اتفاقيات التبادل الحر غير المتكافئة  لمرحلة التسعينات المفروضة على  جنوب المتوسط- و منها اتفاقية 1995 لتبادل السلع الصناعية الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي- ذات التأثير المدمّر على  اقتصاديات هذه الدول التي  كانت تشكو أصلا من التخلف والهشاشة.

والغريب في الأمر أن الإتحاد الأوروبي فرض على تونس فتح مفاوضات لتوسيع منطقة هذا “التبادل الحر” المغشوش إلى بقية القطاعات ومنها السلع الزراعية والخدمات، والحال أن التمشي الصحيح بالنسبة لتونس يكمن في إنهاء العمل باتفاقية 1995 باعتبار نتائجها  الكارثية على النسيج الصناعي التونسي وفتح مفاوضات جديدة للتوصل مع الشريك الأوروبي لاتفاق تعاون جديد يحافظ على مصالح تونس ويراعي التفاوت الشاسع في مستويات التنمية بين الجانبين.

ومن النتائج المأساوية لهذه السياسات الخاطئة فقدان تونس لنسبة هامة من طاقاتها العلمية والبحثية والإبداعية التي لا تجد مجالا للتوظيف والعمل بتونس في ميادين اختصاصها كالهندسة وغيرها من المهن والاختصاصات التي عادة ما تكون مرتبطة بالأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة العالية المحتكرة من قبل الدول الصناعية الكبرى، ومنها التثمين الصناعي لزيت الزيتون وللثروات الطبيعية التونسية وكذلك الصناعات الوسيطة وابتكار وتصميم أدوات الإنتاج وتصنيعها.

وتجدر الإشارة إلى التجربة التنموية الناجحة للدول الصاعدة التي أثبتت إمكانية الخروج من هذه الأدوار الاقتصادية المتدنية التي تردت فيها تونس بكسر الاحتكار الغربي للتقدم الصناعي والتكنولوجي، وذلك من خلال الحفاظ على طاقاتها وثرواتها الإبداعية البشرية  لتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي العلمي والبحثي والتكنولوجي الذي يشكل السبيل الوحيد لبناء صناعات وطنية مندمجة وقادرة على منافسة البضائع الغربية والصمود أمام المنافسة الخارجية في الأسواق الداخلية والخارجية.

الحلول المقترحة لمعالجة الوضع المتدهور للصناعة والاقتصاد التونسي

الملاحظ أنه منذ أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات شرع بعض الخبراء الاقتصاديين والمختصين التونسيين في تقييم المسيرة التنموية التونسية بمختلف قطاعاتها ومراحلها، كما سعوا لتشخيص الإخلالات والصعوبات وأسباب تعثر القطاعات الإنتاجية ومنها قطاع الصناعة، الذي بدا واضحا بعد ثلاثة عقود من الاستقلال أنه كان بحاجة ماسة إلي المراجعة الجذرية انسجاما مع الثورة الصناعية الثالثة التي أدخلت تغييرات أساسية على أساليب وتقنيات الإنتاج. وكان على تونس مواكبة هذه التحولات التكنولوجية لتدارك أوضاعها الاقتصادية والتنموية المتدهورة لعشرية الثمانينات والمتزامنة مع انطلاق موجة جديدة من العولمة والتبادل التجاري غير المتكافئ، الذي زاد في تأزيم أوضاعنا الاقتصادية خاصة في ظل انخراط تونس منتصف الثمانينات في ما يسمّى بالبرامج الإصلاحية المشروطة لصندوق النقد الدولي.

ومن ضمن التبعات الكارثية لهذا الانخراط فقدان تونس جانبا هامّا من صناعاتها الثقيلة والاستراتيجية التي تشكل البنية الأساسية الضرورية لأي تجربة صناعية ناجحة، علما أنه تم التفريط فيها لصالح الأجانب في إطار الخصخصة المفروضة على تونس من صندوق النقد الدولي الذي فرض علينا أيضا النسج على نفس المنوال الخاطئ بعد الثورة. وهكذا فقدت تونس السيطرة على خياراتها الاقتصادية واستقلالية قرارها في رسم توجهاتها التنموية خاصة بعد التحاقها بمنظمة التجارة العالمية سنة 1994 ثم إنخراطها سنة 1995 في سياسة الشراكة والجوار مع الاتحاد الأوروبي، التي اختزلها الغرب في  التبادل الحر المختل الذي ألحق أضرارا بالغة الخطورة بالاقتصاد  التونسي الموصوف أصلا بالضعف والهشاشة وعدم القدرة على الصمود أمام المنافسة الغربية للأسباب المبيّنة أعلاه. وبعد الثورة لم تستخلص تونس الدروس من هذه الإخفاقات وزادت انغماسا في نفس السياسات الكارثية تحت ضغط بلدان مجموعة السبع، والحال أنه كان بإمكانها الشروع منذ مطلع التسعينات في دراسة الحلول البديلة المقترحة من بعض الخبراء التونسيين والمستوحاة أيضا من التجربة التنموية الناجحة للبلدان الصاعدة. ومن ضمن هذه البدائل العودة إلى إستراتيجية تنموية مدروسة طويلة الأمد ترتكز على التثمين الصناعي للثروات وللصادرات التونسية الصناعية والفلاحية والخدماتية، وفي ما يلي بعض العينات من السلع والثروات القابلة للتصنيع والتثمين بتونس الوارد ذكرها في كتابين صادرين سنة 1988 وسنة 1991 عن الاقتصاديين التونسيين المنصف قن وعبد المجيد الديماسي.

التثمين الصناعي للفسفاط والبترول والمواد الأولية

من المعلوم أن البترول إلى جانب أنه يشكل مصدرا للطاقة بعد تكريره فهو -إلى جانب الفسفاط كذلك- يمثل مادة أولية لعديد الأنشطة الصناعية من بينها الصناعات الكيمياوية وصناعة الأسمدة والأنسجة الصناعية والمواد البلاستيكية ومواد التنظيف والطلاء والسلع ذات الاستعمالات الطبية والفلاحية وغيرها…مع الإشارة إلى أن تونس تستورد جل حاجياتها من هذه المواد بالعملة الصعبة وهو ما يؤثر سلبا على ميزانها التجاري، والحال أن انخراطها في مثل هذه الأنشطة منذ الاستقلال على غرار الجزائر ودول الخليج، كان من شأنه أن يسمح لها بتنويع نسيجها الصناعي والحد من عجزها التجاري المتفاقم وكذلك السيطرة على شبكات القيمة التي توفّر فرص عمل للمختصين التونسيين في المجالات ذات الصلة بالقطاعات المذكورة وتفرعاتها. نفس هذه الملاحظات تنطبق على صناعة الفسفاط ومشتقاته الذي يُصدّر بنسبة متفاوتة كمادة خام، وكذلك صناعة مواد البناء والمواد الزجاجية التي يمكن استخراجها وتحويلها وتثمينها محليا دون حاجة لاستيراد موادها الأولوية والوسيطة المتوفر جلها بتونس.

تطوير التكنولوجيات وأساليب الإنتاج التونسية

وذلك من خلال تركيز مراكز للأبحاث لاقتحام المجالات ذات الصلة بتطوير وتصنيع مواد التجهيز والإنتاج في بعض القطاعات مثل صناعة النسيج والصناعات الغذائية والتثمين الصناعي لزيت الزيتون، الذي سبق لنا بيان حجم الخسائر التي تتكبدها تونس منذ الاستقلال ماديا وبشريا نتيجة التفريط في سلسلة الأنشطة الأكثر ربحية ذات الصلة بها والمكونة لشبكات القيمة والمقدرة بحوالي 90 بالمائة من الموارد بالعملة الصعبة المهدورة، بسبب عدم إنجاز هذه الأنشطة بتونس بتقنيات وكفاءات تونسية.

التثمين الصناعي للقطاع الفلاحي لتوفير الاكتفاء الذاتي الغذائي

يجدر التذكير أن قطاع الفلاحة والزراعات الكبرى كان من أكبر ضحايا التخلي مطلع السبعينات عن التخطيط الاستراتيجي المُوجّه لبناء اقتصاد انتاجي يرتكز على تعصير الفلاحة وتأمين حاجيات البلاد الأساسية من المواد الغذائية والحبوب. ونتيجة لذلك أصبحت تونس لا تغطي سوى 18 بالمائة من حاجياتها من القمح اللين وحوالي 60 بالمائة من القمح الصلب والحال أن الزراعة تشكل 17 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن أن تونس تحتوي 5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية القابلة للاستغلال. وبطبيعة الحال ينعكس هذا الوضع بشكل سلبي جدا على التوازنات المالية والتجارية بسبب اللجوء بشكل متزايد إلى التوريد لتلبية هذا العجز الغذائي المتفاقم وما يترتب عنه من تبعية إزاء الخارج في هذا القطاع الحيوي، الذي كان بمقدوره أن يساهم بشكل حاسم في حل مشاكل البطالة بأنواعها ومعالجة الخلل في التوازنات المالية وحتى السكانية لو حظي منذ بداية الاستقلال بما هو جدير به من عناية بحكم طابعه الاستراتيجي والحيوي. هذه القطاعات لا تشكل سوى عينات محدودة من الأنشطة الكفيلة ببناء اقتصاد إنتاجي تونسي قائم على استثمار الطاقات الإبداعية والبحثية والعلمية التونسية وموجه للإرتقاء بالإنسان التونسي وبكافة الفئات والجهات التونسية، مع السعي للحفاظ على الطاقات والثروات البشرية والنفطية والطبيعية لتوظيفها صناعيا وعلميا وتكنولوجيا بهدف إخراج تونس من التخلف والتبعية ووضعها على طريق التنمية الحقيقية.

وخلاصة القول أننا لا نعلّق آمالا تذكر على الطبقة السياسة الحاكمة للنظر في تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية لأنها اختارت للأسف أن تربط مصير تونس الاقتصادي والأمني بالخارج، وأن ترهن مستقبلها ومقدّراتها للإملاءات الأجنبية والقبول بمزيد الانفتاح الاقتصادي والتجاري غير المتكافئ والمضر بمصالح تونس الحيوية. ولكننا نتطلع من خلال هذه النوعية من المقالات إلى إظهار وجود بدائل حقيقية لتونس في المجال التنموي وأن خضوعها للهيمنة الاقتصادية الغربية ليس قدرا محتوما بل هو نتيجة غياب الإرادة السياسية لإصلاح التوجهات الاقتصادية الخاطئة المتوخاة منذ مطلع السبعينات وما يتصل بها من اتفاقيات تبادل تجاري وقوانين استثمار غير منصفة، لأنها تؤدي في الواقع إلى إعادة إنتاج نفس العلاقة ذات الطبيعة الاستعمارية التي كانت سائدة بين الشمال والجنوب قبل الاستقلال.