في ظل سطحية التعامل مع المعطيات الإرهابية والاكتفاء بالتحاليل الإخبارية فقط وافتقار الساحة العربية إلى دراسات جدية ودقيقة عن انخراط النساء في العملية الإرهابية، تمكن كتاب ”النساء والإرهاب“ من النبش عن مناطق مهملة ومسكوت عنها في مسار كثير من الإرهابيات التونسيات والمغاربيات .استغرق الكتاب 5 سنوات من البحث في صلة المرأة بالإرهاب انطلاقا من وقائع المشهد التونسي ما بعد 2011 سواء كانت المرأة متهمة أو ضحية.

يتضمن الكتاب سبعة فصول تمتد على أكثر من خمسمائة صفحة كالتالي: دراسات الإرهاب والجندرة، جندرة القتال الجهاد / الإرهاب، فتنة التنظيم أو في دواعي الانتماء، أدوار الفتيات والنساء، إرهابيات مغاربيات بورتريهات، في علاقة الأسر بالإرهاب، الإرهاب وتشكيل الهويات. كما يتضمن مقدمتين وخاتمتين بتوقيع الكاتبتين.

تتحدث أمال قرامي أولا عن الصعوبات التي واجهتها خلال هذه الرحلة البحثية، أبرزها صعوبة الولوج إلى التحقيقات المتعلقة بالإرهاب. أما عن الحوارات المباشرة فصفة الباحثة جعلت منها منتمية إلى معسكر ”العلمانيين“، مما جعلها تضطر إلى التفاوض وقبول وساطة الباحثات الغربيات اللاتي تحظين بثقة أكبر لديهن. كما تحدثت عن وجوب تعديل البوصلة خلال الرحلة البحثية، نظرا لما تحظى به هذه المعطيات من تأثير في النفسية وما تتضمنه الروايات من شحنات عاطفية، خاصة مع عائلات الإرهابيين الذين يحاولون بشتى الطرق تبرئة الجاني وإيجاد الأعذار له.

تقسّم الكاتبتان النساء المنتميات إلى التنظيمات الإرهابية، حسب أدوارهن، إلى ثلاث فئات رئيسية:

  • الفئة الأولى: زوجات العناصر المتطرفة اللاتي وُجدن قسرا داخل التنظيم وأجبِرن على إدلاء الولاء والطاعة وتقديم خدمات كإيصال الأموال أو نقل الأغراض أو إيجاد ملاذ للملاحقين أمنيا. ويُذكر أن منهنّ من لم تكُنّ على علم بانتماء أزواجهن.
  • الفئة الثانية: المقتنعات بالفكر المتطرف بل الساعيات للانتماء إلى التنظيم. هذه الفئة كسرت الصورة النمطية للمرأة الضعيفة المنكسرة التي لا موقف لها على حساب صورة جديدة للمرأة المقاتلة داخل التنظيمات الإرهابية.
  • الفئة الثالثة: المتعاطفات مع التنظيمات الإرهابية، وتكمن خطورتهن في صعوبة الكشف عنهُنّ لقدرتهن على نشر الفكر المتطرف دون لفت الانتباه.

كما تلخص أمال قرامي ومنى العرفاوي دوافع النساء المنتميات إلى التنظيمات الإرهابية في رغبتهن في التحرر من القيود الاجتماعية وتحقيق المساواة الجندرية وخاصة أبناء المهاجرين في الدول الغربية الذين يجابهون التهميش والنبذ الاجتماعي. ضعف المناهج التعليمية وعجزها عن ترسيخ الفكر النقدي لدى الشباب، بالإضافة إلى هيمنةُ القراءة المبتورة والسطحية للتاريخ. كلها عوامل ساهمت في هشاشة شخصية الشباب والفتيات خاصة وانسياقهن وراء هذا ”المشروع الضخم“ الذي سيساعدهن على التماهي معه وإيجاد معنى لوجودهن.

من ناحية التنظيمات الإرهابية الحديثة، فإن وجود المرأة لم يقتصر -كما كان عليه الحال في تنظيم القاعدة- على السلبية وتلقي الأوامر، بل إنها أصبحت فاعلة سواء بالجسد أو الفكر أو الساعد والأمثلة على ذلك في الكتاب كثيرة، عن ارهابيات قُدن مواجهات عنيفة أم ساهمن في نشر الفكر المتطرف عبر شبكات التواصل الاجتماعي. كما أن في خططها الاستراتيجية يشكل حضور النساء أمر لا غنى عنه في الدعاية، يعتمدها التنظيم ليثبت من خلال استقدام النساء إلى أراضيه وجود دولة واستقرار يسمح بالعيش والتكاثر، تلك الوظيفة التي تعتبرها المنتميات لهذه التنظيمات خدمة جليلة تؤدّينها للإسلام والدولة من أجل بقائها. من نقاط قوة التنظيمات الإرهابية في الاستقطاب كذلك حسن استعمال مواقع التواصل الاجتماعي التي كشفت من خلال خطاباتها وفيديوهاتها وغيرها مما تنتجه تلك المحملات عن شعور بالانتماء إلى جماعة عضوية.

في هذا الكتاب، نفضت الكاتبتان الغبار عن صورة نمطية للرجل المهيمن داخل التنظيمات الإرهابية، وإن حافظ على مكانته القيادية، فإن المرأة نازعته هذه القيادة كما كسرت قاعدة المرأة التابعة للرجل أو المرأة الباحثة عن الحماية إلى مرأة حاملة للسلاح، فقد أصبحت من ”مغرَّرٍ بها“ إلى ”مغرِّرة“ داخل التنظيمات وخارجها.