لئن اقتضت أحكام الفصل 35 من دستور جانفي 2014 أن “حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة”، فإن الفصل 36 منه قد نص على أن “الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون”. ويُستخلص من هذين التنصيصين أن دستور الجمهورية الثانية قد ميّز بوضوح بين الحق في تكوين النقابات الذي تم الإعتراف به سابقا بالفصل  242 من مجلة الشغل الصادرة بمقتضى القانون عدد 27 لسنة 1966 المؤرخ في 30 أفريل 1966 وبين الحق النقابي عبر التنصيص عليه في فصل مستقل. وهو ما يُستشف منه حسب المحكمة الإدارية “أن الوجود القانوني لهيكل نقابي يستتبع بالضرورة جميع الحقوق والامتيازات المرتبطة بالحق المضمون دستوريا”. والحرية النقابية والحق النقابي يعتبران اليوم من الحقوق والحريات الأساسية ذات البعد الكوني التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالفقرة الرابعة من الفصل 23، وكذلك نصت عليها عدة مواثيق ومعاهدات دولية صادقت عليها تونس، نذكر هنا بالخصوص اتفاقيات المنظمة العالمية للعمل OIT رقم  87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي و رقم 98 المتعلقة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية، والمادة الرابعة من اتفاقية العمل الدولية رقم 151 المتعلقة بعلاقات العمل في الوظيفة العمومية والمصادق عليها بمقتضى القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2013 في 1 أفريل  2013.

حق المفاوضة الجماعية شرط أساسي لقيام تعددية نقابية

يعتبر حق المفاوضة الجماعية أساسا لتمثيل المصالح الجماعية وهو يستند إلى الحرية النقابية ويجعل التمثيل النقابي ذا معنى. فوجود النقابات ليس غاية في حد ذاته. وبذلك فإن حق المفاوضة الجماعية مرتبط ارتباطا لا ينفصم بالحرية النقابية. إذ يعتبر القاضي الإداري التونسي في الحكم عدد 139135 الصادر بتاريخ 26 جوان 2015 أن “لا جدال في أن من المهام الأساسية الدفاع عن منظوريها وتوسّل السبل القانونية المشروعة للغرض من ذلك المفاوضة مع الأجراء أو الجهات الإدارية بخصوص الوضعية البادية لمنخرطيها أو من جهة تحسين ظروفهم…”. فوجود نقابات قوية ومستقلة والمشاركة الفعلية في الحوار الاجتماعي بما في ذلك المفاوضة الجماعية تعتبر أداة رئيسية للتوصل إلى حلول مثمرة، قادرة على إيجاد حلول مناسبة  للنزاعات الحاصلة أو المحتملة وبالتالي خلق مناخ سلمي بين أصحاب العمل والعاملين في القطاعين العام والخاص.

فراغ تشريعي في تأطير المفاوضة الجماعية

بالرغم من أهمية المفاوضة الجماعية وارتباطها بالحق النقابي فإنه لا وجود لنص تشريعي في تونس يؤطرها بوضع القواعد الإجرائية والموضوعية لمسار هذه المفاوضة  في القطاعين العام والخاص على حد السواء، مثل ما هو معمول به في الأنظمة القانونية المقارنة. ومجلة الشغل الصادرة منذ 1966  لم تتولى ضبط نظام قانوني للمفاوضة الجماعية واكتفت بالتطرق إلى تنظيم ثمرة المفاوضة الجماعية و هي الاتفاقية المشتركة على المستوى القطاعي وعلى مستوى المؤسسة. وبالتالي كانت من أبرز التوصيات التي رفعها مؤتمر تحديث الوظيفة العمومية في جوان 2012 إفراد باب خاص بالحق النقابي بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية والارتقاء بالقانون المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية إلى مرتبة القانون الأساسي.

مبدأ التمثيلية لا يتعارض مع الحرية النقابية

إن المهمة الطبيعية للنقابات هي تمثيل العمال. ويمكن للسلطات العمومية أن تلتجئ إلى معيار أو معايير التمثيلية قصد فرز أو اختيار أو تنظيم النسبة التمثيلية المائوية للمنظمات النقابية التي لها صلاحيات ممارسة الامتيازات النقابية من ذلك المفاوضات الاجتماعية. ويرجع للسلطة التشريعية أو الترتيبية تحديد معايير التمثيلية من جهة والامتيازات المرتبطة بصفتها التمثيلية.

وفي هذا الصدد تعتبر منظمة العمل الدولية في التوصية رقم 91 المتعلقة بالمفاوضة الجماعية أن اللجوء إلى تمثيلية المنظمات النقابية بصفة عامة وكذلك لغاية المفاوضة الجماعية غير متعارض بالضرورة مع الاتفاقية. وتقر بإمكانية إسناد صفة التمثيلية “التفضيلية” أو التمثيلية “الحصرية” ولكن بشروط تتولى لجنة الحريات النقابية مراقبة مدى احترامها. وهي شروط أشد صرامة بالنسبة للتمثيل  الحصري ضرورة أن اعتماده من شأنه أن يؤول إلى حرمان بقية المنظمات النقابية من حق المفاوضة الجماعية. بالنسبة للتمثيلية التفضيلية (وهي تمثيلية نسبية) تقر هذه التوصية أن يكون تحديد المنظمة أو المنظمات النقابية الأكثر تمثيلية مبني على أساس معايير موضوعية محددة مسبقا، لتجنّب كل إمكانية تعسف وانعدام الحيادية. أما بالنسبة للتمثيلية الحصرية وإسناد صفة “النقابة الأكثر تمثيلية” ليست بالضرورة في تعارض مع الاتفاقية، ولكن مع احترام جملة من الشروط:

-أولا: الاعتراف بصفة التمثيلية يجب أن يكون من جهة مستقلة.

-ثانيا: منظمات التمثيلية يجب أن يتم اختيارها بأغلبية أصوات العمال المعنيين وعند عدم حصول المنظمة على أغلبية الأصوات وجب طلب اقتراع جديد بعد مدة معينة.

-ثالثا: إتاحة إمكانية إعادة فحص الوضعية عند تغير موازين القوى بين المنظمات النقابية.

رابعا: وفي كل الحالات يجب على السلط المختصة أن تكون مؤهلة للتثبت من المسألة في كل مرة تدعي منظمة نقابية أنها أصبحت تمثل أغلبية  العمال.

خامسا: إذا كانت السلطة مؤهلة لتنظيم اقتراعscrutin  لتحديد المنظمة النقابية الأغلبية قصد تمثيل العاملين قي المفاوضة، فإن هذا الاقتراع يجب أن يكون مشدد الشروط في كل حالة يتعذر فيها معرفة أية منظمة نقابية مؤهلة لتمثيل العمال.

الأخذ بمبدأ التمثيلية يستوجب توفير إطار قانوني

نظرا لأن الحرية النقابية والحق النقابي ينتميان إلى زمرة الحقوق  الحريات المضمونة دستوريا فإن ممارستهما لا يمكن أن تخضع إلا لضوابط وحدود وفق ما اقتضاه الفصل 49 من الدستور التونسي، الذي ينص على “أنه تحدد القوانين الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا تُوضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة”. وأردف الفصل 65 من الدستور أنه يجب أن تتخذ شكل قوانين أساسية “النصوص المتعلقة بتنظيم الأحزاب والنقابات” و”كذلك “الحقوق والحريات”.

و في هذا الصدد يعبّر القاضي الإداري في الحكم عدد 139135 بتاريخ 26 جوان 2015 “أن النصوص القانونية…أباحت لكل التنظيمات النقابية أن تُعامل على قدم المساواة من دون تمييز أو غبن مع الجهات الإدارية وفق النصوص القانونية والترتيبية النافذة تفعيلا لتعددية نقابية حقيقية تُماهي ما حققته الدولة التونسية من تعددية سياسية فعلية”.

وهو ما يجعل الإدارة غير قادرة بمقتضى سلطتها التقديرية أن تقيّد ممارسة الحق النقابي إلا عند وجود نصوص قانونية يجب أن تتخذ شكل قوانين أساسية، ولا تنال من جوهر هذه الحقوق والحريات. وباعتبار أن هذه النصوص لم يسنّها المشرّع فلا يمكن للإدارة وفق سلطتها التقديرية أن تقيّد من هذه الممارسة، بما يعني أن قرار الإدارة ممثلة في وزارة التعليم العالي بعدم التفاوض مع اتحاد الأساتذة الجامعيين “إجابة” مُجانب للصواب ولا يستقيم قانونيا، وقد تكون دوافعه سياسية ولا تمت لعلوية الدستور ودولة القانون بصلة.

معايير التمثيلية و أهواء “الوزير”

استناد وزارة التعليم العالي على مجلة الشغل لتبرير عدم تفاوضها مع “إجابة” يطرح عدة نقاط استفهام  تؤكّد بما لايدع مجالا للشك سوء نيّة الوزارة وتطبيقها الانتقائي للنصوص القانونية:

-أوّلا: عملا بمبدأ التسلسل الهرمي للقواعد القانونية نجد الدستور في أعلى هرم القواعد القانونية بالبلاد التونسية، تليه مباشرة المعاهدات الدولية المصادق عليها. هذان المصدران يقرّان كما أسلفنا الذكر حرية العمل النقابي ويكرّسان التعددية الفعلية والتفاوض الجادّ مع كل النقابات دون تمييز أو إقصاء، ويكون بذلك الاعتداد بتطبيق مجلة الشغل التي تمّ سنّها بمقتضى قانون (في مرتبة دنيا مقارنة بالدستور والمعاهدات) أمرا لا يستقيم قانونا باعتبار علوية المصدرين الأولين على النصوص الأدنى منها درجة.

– ثانيا: إرادة المشرّع الحديثة والتي تتماشى مع واقع وتطلّعات تونس الثورة تمّ تجسيدها بشكل واضح وجليّ في دستور جانفي 2014 وليس في  نص لم يعد قادرا على تنظيم العلاقات الشغلية بالدقة المطلوبة، وأصبحت مجالا واسعا للتأويل وأساسا قانونيا يستعمله البعض لفرض تعددية نقابية شكلية عقيمة تَحرم المنظمات النقابية من تمثيل منخرطيها والدفاع عن مصالحهم المشروعة.

-ثالثا: لا تنطبق نصوص مجلة الشغل التي تثيرها الوزارة مبدئيا إلا على القطاع الخاص وتقتصر على الاتفاقات المشتركة المبرمة بين نقابات العمال والأعراف. فنتاج المفاوضة الجماعية في القطاع العام هو اتفاق «un accord » أما في القطاع الخاص فهو تفاقية مشتركة . «une convention collective »، والاختلاف بينهما جوهري في ما يتعلق بالطبيعة القانونية وبالأطراف وكذلك بالنسبة للخصائص.

وإذا افترضنا قبول انطباق مجلة الشغل على القطاع العام فإن مسألة التفاوض مع “النقابة الأكثر تمثيلية” مسألة غير محسومة لعدة أسباب:

-أولا: التذبذب التشريعي والمراوحة بين التنصيص على أن إبرام الاتفاقية يكون طرفاه “النقابات الأكثر تمثيلية” بالفصل 38 من مجلة الشغل أو “النقابة الأكثر تمثيلية”، وهو ما أقرته النسخة العربية للفصل 39. فمن جهة أولى نجد أن الفصل 38 ينص على أن “الاتفاقية المشتركة تبرم بين المنظمات النقابية للأعراف و العمال التي تُمثل أكثر من غيرها من فروع النشاط المعني بالأمر في المنطقة التي سيقع تطبيقها”. ويَستعمل الفصل صيغة الجمع وبذلك يمكن أن تُطلق صفة المنظمة التي تمُثل أكثر من غيرها من الأشخاص الذين تشملهم الاتفاقية على أكثر من نقابة واحدة. ومن جهة ثانية نلاحظ في ما يتعلق  بالفصل 39 أنه يعتريه تضارب ظاهري بين النسخة العربية التي تتحدث عن المنظمة “التي لها أفضلية التمثيل” في حين أن نص  الفصل في نسخته الفرنسية يشير إلى “تمثيلية المنظمة أو المنظمات النقابية”. وباعتبار أن في صورة تعارض النسخة الفرنسية مع النسخة العربية فإنه يتم اعتماد النسخة العربية. ومع ذلك فإن الفصل 39 في نسخته العربية لا يقصي منظمات نقابية أخرى باعتباره يتحدث عن “أفضلية التمثيل” ولم يقر صراحة “حصرية التمثيل”.

-ثانيا: لا وجود في تونس لنص قانوني، تشريعيا كان أو ترتيبيا، يضبط المعايير المعتمدة لتقدير تمثيلية النقابات مثلما ما هو موجود في جل الأنظمة القانونية المقارنة مثل القانون الفرنسي (بمقتضى قانون 20 أوت 2008 الذي يضع حزمة من المؤشرات الدقيقة) أو البلجيكي (بمقتضى قانون 19 ديسمبر 1974 الذي دخل حيز التنفيذ في غرة ديسمبر 1984) أو الجزائري (بمقتضى القانون رقم 90-14 مؤرخ في 2 جويلية سنة 1990 يتعلق بكيفية ممارسة الحق النقابي).

-ثالثا: اكتفى الفصل 39 من مجلة الشغل بالتنصيص على أنه في “صورة وجود خلاف حول صفة التمثيلية يصدر قرار عن وزير الشؤون الاجتماعية لتعيين المنظمة النقابية التي تتولى إبرام الاتفاقية، وذلك بعد استشارة اللجنة الوطنية للحوار”. وهذا يعني أنه ليس من مشمولات وزير التعليم العالي النظر أو الحسم أو التقرير في هذه المسألة، على عكس ما يدعيه في تصريحاته الإعلامية والغريب في الأمر أن السلطة التنفيذية لم تكلّف نفسها حتى إصدار قرار عن وزير الشؤون الاجتماعية يعين النقابة الأكثر تمثيلية. وفي ذلك خرق  واضح للقانون.

من جهة أخرى تقر القواعد العامة للإثبات بالفصل 420 من مجلة الالتزامات والعقود أنه “على القائم الإثبات”. وهو ما يستوجب إعطاء حق إثبات النقابات تمثيليتها والقطع نهائيا مع قرينة التمثيلية حتى ولو كانت قرينة بسيطة، ومحكمة التعقيب الفرنسية ومجلس الدولة الفرنسيين يعتبران أن عبئ الإثبات يُحمل على النقابة التي تدعي ذلك وليس على من ينازع فيها.

رفض التفاوض مع  “إجابة”  قرار غير شرعي

بالنظر لجملة النقاط التي أثرناها نستطيع القول أنه وفي غياب قانون أساسي يضبط حدود ممارسة الحق النقابي، وخاصة في ما يتعلق بإرساء نظام للمفاوضة الجماعية من جهة ونظام للتمثيلية النقابية من جهة ثانية مثلما ينص عليه الفصلان 49 و65 من الدستور، فإن رفض سلطة الإشراف التفاوض مع المنظمات النقابية دون “إثبات أن سند الرفض يندرج في باب الحدود المنصوص عليها بالفصل 49 من الدستور يؤول إلى أن مبدأ حرية ممارسة الحق النقابي من أهم مكوناته”. وبالتالي فهو قرار إداري فاقد للشرعية ويمكن الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية بدعوى تجاوز السلطة. وهو ما ذهب إليه القاضي الإداري بالحكم عدد 159 139 المؤرخ في 26 جوان 2015.

وفي ختام تحليلينا القانوني للأزمة، يبدو أنه بات من الضروري اليوم اعتماد تشريع تكميلي للمفاوضة الجماعية في القطاع العام وإصلاح شوائب ونقائص النظام القانوني الحالي  للمفاوضة الجماعية في القطاع الخاص المُضمن بمجلة الشغل من أجل بناء أسس نقابية ديمقراطية و”مرنة”، تمكن النقابات من البقاء والاستمرار في التحرك والدفاع عن حقوق العاملين في القطاعين الخاص والعام على حد السواء، ولا تعرّض المنظمة النقابية للخروقات الخارجية والأهواء السياسية المُميتة في بعض الأحيان، مثلما هو حاصل الآن. لكن بودّنا كذلك التذكير بفشل سياسة الوزارة أخلاقيا وقانونيا ومهنيا.

فشل الوزارة أخلاقيا وقانونيا ومهنيا

لا يخفى على كل متتبّعي الأزمة الخانقة التي تمرّ بها الجامعة التونسية منذ 2 جانفي 2018، تاريخ دخول نقابة “إجابة” في إضراب إداري مفتوح، أن وزارة التعليم العالي فشلت فشلا ذريعا في إدارة الأزمة على عدّة أصعدة:

-على الصعيد الأخلاقي: احتراف بث المغالطات للرأي العام، وذلك يتجلى في عدّة أمثلة لعلّ أبرزها التأكيد على أن “إجابة” خسرت القضية الإدارية المتعلقة بتطبيق سلّم التأجير في الوظيفة العمومية، في حين أن الدعوى المرفوعة من قبل النقابة كانت تخص دعوى استعجالية في إيقاف تنفيذ الإجراءات التعسفية التي كانت الوزارة تزمع تنفيذها ضد الأساتذة المضربين. كما نستطيع أن نورد العدد الهائل من البرقيات ومختلف وسائل الترهيب والتهديد الذي مارس ضغطا رهيبا على المضربين وجعل بعضهم يتراجع خوفا من آلة قمعية استبدادية عادت للدوران بسرعة بعد الثورة، بعد أن خلنا انقضاءها إلى الأبد. من بين المغالطات التي أتى بها الوزير أيضا ادّعاءه أن نقابة “إجابة” لم تطلب التفاوض وأنه قام بمبادرة شخصية لدعوتها للحوار، وهذا مردود عليه كذلك فهنالك بيانات رسمية تفنّد هذا القول وتدعو فيها النقابة الوزارة رسميا إلى التفاوض.

-على الصعيد القانوني: بالإضافة إلى الإشكاليات القانونية المثارة أعلاه، فقد فشلت الوزارة كذلك في إدارة الأزمة قانونيا، وذلك من خلال الادعاء الباطل بعدم قانونية النقابة. وهذا الأمر مردود عليه باعتبار أن إجابة نقابة وطنية مهنية صادرة بالرائد الرسمي منذ 6 أكتوبر 2011.

-على الصعيد المهني: إضراب ممتدّ لأكثر من تسعين يوما في أكثر من 80 جزء جامعي وسنة جامعية مهدّدة بالبياض، والوزير لم يُحرّك ساكنا ولم يكلّف نفسه مشقّة الإصغاء إلى نخبة النخبة فهل بعد هذا الفشل فشل؟ وهل بهذه الطريقة تُعامل تونس الحداثة عقولها النيّرة التي قادت مرحلة التحرير من الاستعمار وتجشمت عناء بناء الدولة الحديثة وقاطرتها العلم والمعرفة، عبر تكوين أجيال وأجيال في الجامعة العمومية التونسية؟ هل ستُحلّ الأزمة بهذه الطريقة في ظل وجود مسؤولين أداروا ظهورهم على هموم القطاع وساهموا بطريقة أو بأخرى في ضرب الجامعة العمومية، مكسب دولة الاستقلال لعموم الشعب وبوابة المصعد الاجتماعي وأمل المهمّشين والفقراء والمستضعفين في بلادنا، وذلك لحساب أجندات خصخصة شرسة لقطاع التعليم العالي؟ ولعل التخفيض المستمر من ميزانية وزارة التعليم العالي ومن ميزانية البحث العلمي وعدم المبالاة لنزيف هجرة الآلاف من الأدمغة وعلى رأسهم الجامعيين، وعدم فتح خطط الانتداب للدكاترة المعطّلين عن العمل إلا أدلة حيّة وقرائن قوية تؤكّد المنحى الذي اتّجهنا فيه.

فهل تستفيق الرئاسات الثلاث وتقوم بدورها الوطني في إيجاد حل سريع للأزمة قبل فوات الأوان خاصة أن المضربين على قدر عال من الوطنية ومن روح المسؤولية ولا يطالبون إلا بتطبيق القانون  من خلال الاعتراف بحقوق الجامعي في إرجاع هيبته في المجتمع ومكانته، التي يستحقها في الوظيفة العمومية على رأس سلّم التأجير باعتبار الجامعي الأعلى شهادة ومهارات؟ هذا إلى جانب أن تحقيق هذه المطالب ليس بالضرورة حينيا، بل يمكن تَفعيله عبر توقيع اتفاق رسمي يصدر في الرائد الرسمي يُطبق على مراحل تراعى مصلحة البلاد وإمكانياتها.