هكذا أوجد أهمّ الفاعلين السياسيين وهُما راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي (تُحَدَّد درجة أهميتهم هنا حسب وزنهم في صوغ سياسات الدولة) طريقا مفتوحة نحو إعادة تقسيم المجتمع على أساس كُتل أيديولوجية، وبالتالي أوجدا سبيلا لإعادة توزيع السلطة بما لا يتنافى وسياسة التوافق القائمة بينهما. وعلى الرغم من أهميّة البُعد السياسي للمسألة إلاّ أنّنا لن نُركّز في هذا المقال على هذا البُعد الذي يحتاج تفصيلا في مقال مُستقل، بل سنعمل على قراءة بعض جوانب التقرير لنُبيّن أنّ ما يُدافع عنه المدافعون عن التقرير كما هو الحال بالنسبة لرافضيه لا يعدو كونه مجموعة قضايا تُعبّر عن تمثّلين للعالم، الأوّل يرى أنّ الكائن البشري –كما بقية الموجودات- يتّجه نحو حالة أخلاقيّة نهائيّة مُثلى مُحدّدة بشكل سابق، والثاني لا يُفرّق بين أنماط الحياة الاجتماعية إلاّ من جهة تمثُّلها لقيمة الحريّة. أمّا المفارقة هنا فهي أنّ أصحاب كلا التصورين لا يرون التقرير كما هو عليه بمضامينه وحججه وتوصياته، بل يكتفون بالصورة المُسبقة التي بنوها له على أساس تصوّراتهم هذه.

ظاهرُ المشهد يُلخَّصُ في تجمّعين، الأوّل انعقد يوم السبت 11 أوت 2018 أمام مجلس نواب الشعب بباردو، وهو التجمّع الذي يرفض المشاركون فيه التقرير لأنّه يُخالف ما جاء في القرآن من أحكام ولإباحته ما قد وقع تحريمه دينيّا (على الأقلّ من وجهة نظر المشاركين)، أمّا الثاني فهو الذي انعقد يوم 13 أوت 2018 أمام المسرح البلدي بتونس العاصمة، وهو التجمّع الذي يُطالب المُشاركون فيه بالحريات الفردية كافة والمساواة التامّة بين النساء والرجال (خاصّة في قضيّة الميراث).

ساهمت القوى المحافظة وعلى رأسها الإسلاميون في الحشد والدعاية للتحرّك الأول، وهؤلاء –بغضّ الطرف عن فئاتهم العمرية وانتماءاتهم الجندريّة- هم من يتمثّل البشر على أنّهم متّجهون نحو حالة مُثلى مُحدّدة مُسبقا في آيات القرآن باعتبارها مُنزّلة من عند الخالق وبالتالي من عند الأقدر على تحديد طريقة عيش مخلوقاته. فيما ساهمت تشكيلة من القوى الديمقراطية (سياسية ومدنية) والقوى المحافظة (الدستوريون) في الحشد والدعاية للتجّمع الثاني، وهنا وجب التنويه أنّ القوى الديمقراطيّة ترى في هذا التجمّع تعبيرا عن إرادة تغيير اجتماعي فيما يرى الدستوريون فيه وسيلة دعاية سياسيّة تحافظ على خطوط تمايز مزعومة اندثرت بعد حلول سياسة التوافق، وهذا التجمّع في جزء منه يُعبّر عن تصوّر للمجتمع لا تكون فيه المفاضلة بين أنماط حياة أو أخرى إلاّ بما تُمثّله قيم الحريّة والمساواة داخل هذه الأنماط الحياتية.

إنّ أيّ محاولة لتفكيك التصريحات والحجج التي جالت في كلا التجمعين تكشف عن البُعد القبلي لموقع أغلب المشاركين في هذا العرض السياسي، مواقف يبدو أنّها تحدّدت على أساس تسمية اللجنة بلجنة الحريات الفردية والمساواة، الأمر الذي يمكن التأكّد منه حين العودة إلى اللحظة التي أُعلن فيها عن تأسيس اللجنة حيث قامت هذه القسمة بين مؤيد ورافض منذ ذلك الوقت وقبل بدأ أعمال اللجنة وصدور التقرير أي منذ سنة تقريبا، ويزداد التأكد من ذلك بمجرّد سؤال المشاركين من الجانبين عما إذا كانوا قد قرؤوا مضمون التقرير فيكون الجواب عادة بالنفي.

ملاحظات منهجيّة لفهم وتفكيك التقرير

من البديهي أنّ هناك من جانبي الصراع من اطّلع على فحوى التقرير، لكن هذا الاطّلاع لا يبدو أنه أكثر من مجرّد محاولات تثبيت للمواقف القبلية عبر حجاج يختلط فيه الفكري بالقانوني (الدستوري تحديدا). لهذا السبب وغيره وجب التذكير بمجموعة بديهيات أضحت قضايا مطروحة للنقاش: أوّلا، تقوم المنظومة التشريعية في تونس على القانون الوضعيّ بما هو قانون مدني دنيوي لا يُلزم المُشرّع بإعادة إنتاج المطالبات الأخلاقية للمجتمع أو لفئة منه أو لأغلبيّته (والدينية على وجه التدقيق) على الرغم من التقاطع الممكن بين المجالين. ويعني هذا في ما يعنيه أنّ تلك المسرحيّة التي بُثّت على المباشر والتي كان بطلها السيّد حسن الغضباني –في نقاشه مع السيد يوسف الصديق- الذي حمل القرآن فوق الدستور وصرّح أنّ الأوّل أعلى رُتبة من الثاني وأنّ الأول مصدر شرعيّة الثاني، أمور لا تحمل أيّ صحّة بالمنطق القانوني وكُلّ صحّتها مُستمد من منطق أخلاقي هو نفسه المنطق الديني للمُشاهد الذي يُعرّف نفسه على أنّه مُسلم.

ثانيا، إذا صدّقنا على القول أنّ القواعد القانونيّة تمنح حقوقا وتفرض التزامات وتُعطي صلاحيات، فإنّ وجود مصطلحات مثل “الإسلام” و”المسلمين” (أو أيّ دين آخر حتى لا يرجمنا البعض بما لا نريد قوله) في قاعدة قانونية ما، يعني إمّا منح حقوق خاصة لهذه الفئة أو فرض واجبات عليها وحدها أو منح صلاحيات لها، بالتالي فإنّ وجود مصطلحات ذات دلالات دينية في القواعد القانونيّة يعني أمرا من اثنين لا ثالث لهما، إمّا تمييزا ضدّ هذه الفئة أو تمييزا لصالحها، الأمر الذي يضرب بشكل واضح المبدأ الدستوري القاضي بالمساواة بين المواطنات والمواطنين دون أيّ تمييز على أساس عرقي أو ديني أو لغوي إلخ…

ثالثا، لا تُصبح القوانين نافذة إلاّ إذا خضعت إلى جُملة إجراءات منصوص عليها في القواعد القانونيّة، ويُسميها الفيلسوف الوضعي هربرت هارت القواعد الثانوية، وهي القواعد التي تمنح فردا أو مجموعة من الناس سُلطة إصدار القوانين أو تعديلها أو نسخها، بالتالي فإنّ لجنة الحريات الفردية والمساواة لا يحقّ لها التقدّم بأيّ مبادرة تشريعيّة نظرا لأنّ القواعد الثانوية المنصوص عليها في الدستور التونسي تمنح هذه الصلاحية لمجلس نواب الشعب ولرئيس الجمهورية وللحكومة. فضلا عن أنّ المصادقة على القوانين –بغضّ النظر عن الجهة التي تقدّمت بها- صلاحيّة خاصّة بمجلس نواب الشعب، بالتالي فإنّ أيّ تقرير أو مشروع قانون أو مشروع مجلّة قانونيّة لا يكتسي أيّ صبغة قانونيّة طالما أنه لم يخضع بعد إلى مجموعة الإجراءات والترتيبات الجاري بها العمل.

رابعا، إنّ أيّ تعديل أو نسخ لأحكام قاعدة قانونيّة لضمان التناسق الداخلي للمنظومة القانونية (الخاضعة للمنطق الهرمي) لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون عمليّة تعديل لأحكام أخلاقيّة أو دينيّة، ومثال ذلك أنّ حُكم السرقة في الإسلام لا يُمكن تغييره (باعتباره حُكما قطعيا) فيما يُمكن تغيير حُكم السرقة في المنظومة القانونية التونسية (إمّا بالترفيع في مدة العقوبة أو بالتخفيض فيها أو بإنهاء تجريم فعل السرقة)، ويعني ذلك أنّ قول المحافظين وأتباعهم أنّ مُقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة هي تعديل في أحكام الإسلام وخروج على إجماع قول “عُلماء المسلمين” هو قول مُتهافت لأنّ مُهمّة اللجنة قانونيّة محض وليست مُهمة شرعيّة بأيّ شكل من الأشكال.

ملاحظات نقديّة حول محتوى تقرير اللجنة

بُني التقرير على مجموعة أفكار غير متناسقة، فهو من جهة يُنكر أن تكون تونس دولة دينية بأيّ شكل من الأشكال (يقول التقرير أنّ الفصل الأول من الدستور في جزءه “الإسلام دينها” هو مُجرّد حكم وصفي لا يفترض وجود قوانين دينية) ومن جهة ثانية قام في جزء مُهّم منه بتسويغ مُقترحاته عبر فكرة الاجتهاد الديني، حيث أنّه أتى على مُقدّمة عامّة تتناول مُقاربة اجتماعية ودينية، وهو بذلك أقحم دين الأغلبية في حجاجه لتبرير مُقترحاته. والسؤال المطروح هنا: لماذا قامت اللجنة بهذا الحجاج الديني إذا كانت تؤمن أنّ القانون التونسي هو قانون وضعي خالص؟ ثُمّ أنّ تبرير المُقترحات عبر مقولة الاجتهاد ومن خلال ذكر الإرث الإصلاحي الإسلامي أمور فيها تمييز ضدّ الأقليات الدينية التونسية، فهل يُمكن تسويغ الإصلاحات المُقترحة لمسيحيي تونس ويهودها وبهائييها ولا دينييها من خلال الاستشهاد بآيات من القرآن أو بأفعال الصحابة مثل تعليق عمر بن الخطاب العمل بحُكم قطع يد السارق أو عبر طرح قضايا الجبر والاختيار أو عبر التذكير بآراء فرق كلامية كالمعتزلة؟ ألا يُعتبر هذا الجزء من التقرير ضربا لمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وهو المبدأ الذي دُعيت اللجنة لتفعيله أساسا؟ إنّ حاجة اللجنة لتبريرات “إسلامية” ولحجاج ديني هو في الأصل قضية سياسية وليس قضية دينية أو قانونيّة، ذلك أنّ هذا الحجاج يأخذ في عين الاعتبار قضيّة الأغلبية الانتخابية وقُدرتها على قلب موازين القوى، بالتالي فإنّ المُنطلقات الفكرية لهذا التقرير مُشوّهة بفعل الواقع السياسي اللحظي ومتناقضة بشكل لا فكاك منه، إذ كيف السبيل إلى تحقيق موازنة بين إرادة التغيير والوعي الجماعي الديني دونما إنتاج مسخ فكري وقانوني؟ أبرز مثال على هذا التشوّه هو ما جاء في التقرير من ضرورة حماية حرية الضمير ومنع النيل من المُقدّسات (ص87 و88 من التقرير). كيف لنا أن نضمن حريّة الضمير إذا ما وقع تجريم “تحقير ديانة الغير في معتقداتها أو رموزها أو شعائرها” حسب ما ورد في التقرير؟ هل يُمكن للفرد أن يدخل دينا أو يتركه إذا لم يُفكّر في المعتقدات والرموز والشعائر ولم يعمل على نقد الدين الذي تركه مثلا؟ وكيف السبيل إلى التمييز بين التحقير والنقد والتعبير عن المعتقدات؟ هل عندما يقول المسلم أنّ المسيح ليس ابن الربّ وإنّما مُجرّد نبيّ هو بذلك يحتقر مُعتقدات غيره؟ وعندما يقول اليهودي أنّ عيسى ومحمد ليسا نبيين هل يقوم بتحقير مُعتقدات الغير؟ وعندما يقول اللاديني أنّ الديانات مُجرّد خرافات وقع تناقلها عبر الأجيال هل يقع تحت طائلة مُقترح الفصل الذي تقدّمت به اللجنة؟ فيما يخصّ قضايا المثليّة الجنسيّة فإنّ إبقاء اللجنة في تقريرها على مصطلحات من قبيل اللواط والمساحقة هو في الحقيقة أمر ذو معاني كُبرى، لعلّ أهمّها أنّ اللجنة لا تستطيع تغيير الحقل الدلالي الدارج وتعويضه بحقل دلالي آخر ينال تصديق هذه الفئة من المجتمع. لهذا نجدها تُقدّم مقترحين في هذا الخصوص أحدهما يقضي بإلغاء الجريمة والثاني يقضي بالإبقاء عليها وتحويل عقوبتها إلى خطية ماليّة. أمّا طريقة تناول التقرير لقضيّة البغاء فتُعبّر بشكل فجّ عن إرادة هيمنة من قِبل السُلطة على الأجسام وحرية استعمالها. ذلك أنّ إلغاء كلمة “صُدفة” من الفصل الذي يُجرّم البغاء لا يُلغي الجريمة بل يُبقي عليها، وأكثر من ذلك يُعطيها بُعدا جندريا حيث أنّ البغاء في ذهن اللجنة أمر خاصّ بالنساء، في حين أنّها واقعا ممارسة لا تتوقف على هذه الفئة في المجتمع. وبدل إلغاء الجريمة ومحاولة تفكيك الأسباب الكامنة وراء هذه الممارسة، تقترح اللجنة أن يتمّ تغيير العقوبة.

للتقرير أيضا أبعاد سلطوية أبوية منها أنّه يريد تجريم التحريض على الانتحار والمساعدة عليه، وإن كان الجزء المُتعلّقٌ بالمساعدة محلّ جدل أخلاقي كبير (الموت الرحيم) إلاّ أنّ التحريض على الانتحار أمر يُثير قضايا في غاية التعقيد وقد تشمل بعض الأعمال الفنية أو الآراء الفلسفية، فمثلا هل ترى اللجنة في منشور على أحد مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر الانتحار بطولة وشجاعة تحريضا على الانتحار؟ وهل يُمكن اعتبار ترويج القصص الأسطورية عن انتحار أسرى حرب تحريضا على الانتحار؟ وهل يُمكن اعتبار الشخص العدمي الذي يقول أنّ الحياة لا تستحق كل هذا العناء وأنّ في الانتحار خلاصا مُجرما يستحقّ العقاب على أفكاره؟ تنكشف أكثر تناقضات هذا التقرير حين الوصول إلى الجزء المتعلّقٌ بالمساواة، فهو بمقترحاته الثلاث حول توزيع الميراث يفتح الباب أمام تعدّد النصّ القانوني تحت مُسميات حق التصرّف في الملكيّة، على الرغم من أنّ المقترحين الثاني والثالث يجعلان من الوصيّة واختيار الوارثة أمورا مُناقضة للدستور، فإذا ما اعتبرنا الوصيّة وتوزيع المنابات قضايا قانونيّة أو عقودا قانونيّة من درجة متدنيّة في الهرم القانوني، فهذا يعني أنّه لا يُمكن لها بأي حال من الأحوال أن تُخالف أحكام القواعد القانونيّة التي تعلوها درجة. بالتالي فإنّ هذه المُقترحات لا يُمكن أن تكون مقبولة ويجب العمل حالا على تفعيل المساواة التامّة في الميراث حسب قواعد يضبطها القانون.

نقاط مُضيئة في تقرير اللجنة

على الرغم من كلّ النقود التي يُمكن توجيهها لمحتوى تقرير اللجنة، بخاصّة في الجزء الذي يتعلّق بالتسويغ الفكري للمقترحات والتوصيات المُقدّمة وخلفيته الدينية الواضحة، إلاّ أنّ هذا التقرير جاء ببعض التوصيات التي لا يُمكن لعاقل أن يرفضها ومن بين هذه المقترحات التعديل في شروط الحصول على الجنسية، حيث من غير المعقول أن تُمنح المرأة المُتزوّجة من تونسي مجموعة حقوق لا يتمتع بها الرجل الأجنبي الذي يتزوج بتونسيّة. أمّا إلغاء مفهوم رئاسة العائلة وتعديل أحكام الحضانة فهي أمور محمودة. ومقترح إلغاء التمييز بين الأبناء الشرعيين والأبناء الطبيعيين وإن جاء متأخّرا فإنّه مُقترح معقول ومقبول ويجب تحويله إلى مبادرة تشريعية في أقرب وقت مُمكن. كذلك الأمر فيما يخصّ المقترح الأول حول إسناد لقب الأم للأطفال، وهو إن لم يكن كافيا لسماحه للأبوين بأن يختارا اللقب الذي سيُسند للطفل وبالتالي يسمح بالإبقاء على لقب الأب فقط إلاّ أنّ العمل على تغيير فكرة الألقاب في المجتمع تحتاج إلى عمل جدّي وطويل، أمّا المقترح الثاني الذي يسمح للأبوين بالاختيار وللراشدين بطلب إضافة لقب الأم فهو مُقترح مقبول أيضا، لكن المُقترح الثالث الذي يكتفي بمنح الراشدين حق إضافة لقب الأم ليس كافيا لتغيير العقليات.